Mon 25 May 2026 4:17 pm - Jerusalem Time

بين الواقع واليوتوبيا.. كيف يصيغ الأدب النسوي سيناريوهات المقاومة وكسر الهيمنة؟

تطرح الروائية البريطانية ذات الأصول البنغلادشية، تهيمة أنام، تساؤلات جوهرية حول قدرة الأدب على صياغة أشكال بديلة للمقاومة في ظل ضيق مساحات الواقع. وترى أنام أن الرواية تمتلك القدرة على منح النساء ما تعجز الأنظمة السياسية والمجتمعات التقليدية عن تقديمه، من خلال خلق فضاءات تخيلية تكسر قيود الهيمنة.

انطلقت تجربة أنام الإبداعية من واقع مرير رصدته في جزيرة 'بانيشانتا' بجنوب بنغلادش، حيث يقع واحد من أقدم بيوت الدعارة المرخصة. هذه الزيارة التي تمت في عام 2024، كشفت للكاتبة عن ملامح القسوة والهشاشة التي تعيشها النساء في تلك البقعة المعزولة والمهمشة اقتصادياً واجتماعياً.

لم تكتفِ أنام بنقل الواقع كما هو، بل اختارت تحويل تلك المشاهدات إلى مادة روائية مقاومة عبر بناء عالم افتراضي يشهد انتفاضة نسائية شاملة. وتؤكد أن الأدب كان دوماً الملاذ الذي يمنح النساء فرصة للتمرد وإعادة صياغة موازين القوى حينما توصد الأبواب في وجوههن في الحياة الواقعية.

استحضرت الكاتبة نماذج أدبية عالمية جسدت هذه الرؤية، مثل رواية 'حكاية الخادمة' التي استشرفت مستقبلاً قاتماً تحت سلطة دينية متطرفة. كما أشارت إلى رواية 'السلطة' التي قلبت التراتبية الاجتماعية رأساً على عقب عبر منح النساء قدرات جسدية خارقة تنهي تفوق الرجال التقليدي.

وفي العودة إلى الجذور الكلاسيكية، توقفت أنام عند مسرحية 'ليسيستراتا' التي كُتبت قبل الميلاد بقرون طويلة، لتعكس أول إضراب نسائي جماعي في التاريخ الأدبي. حيث استخدمت النساء في المسرحية سلاح الامتناع عن العلاقات الزوجية كوسيلة ضغط سياسية لإنهاء الحروب العبثية بين المدن اليونانية.

وتربط أنام بين هذا الخيال الأدبي وبين حركات اجتماعية معاصرة، مثل حركة '4B' في كوريا الجنوبية التي تتبنى رفض الزواج والإنجاب كفعل احتجاجي. وتعتبر أن هذه الحركات تمثل تجسيداً واقعياً للأفكار التي طالما طرحتها الروايات النسوية حول الانسحاب من الأدوار التقليدية المفروضة.

كما سلط المقال الضوء على رواية 'النباتية'، حيث تتخذ البطلة قرارات شخصية تبدو بسيطة لكنها تتحول إلى صرخة احتجاج صامتة ضد التوقعات الاجتماعية. وتوضح أنام أن قوة هذه الشخصيات تنبع من قدرتها على رفض الامتثال والانسحاب من المنظومة التي تسعى لتنميطها.

وفي سياق اليوتوبيا النسائية، استعرضت الكاتبة رواية 'حلم السلطانة' الصادرة عام 1908، والتي تخيلت مجتمعاً تديره النساء بالكامل بينما يعيش الرجال في عزلة. هذا العمل المبكر سعى لاختبار حدود الممكن وتخيل عوالم تعيد النظر في علاقات القوة السائدة في المجتمعات الشرقية والغربية على حد سواء.

تؤكد أنام أن هذه النماذج الأدبية لا تهدف بالضرورة إلى إقصاء الطرف الآخر، بل تسعى لفتح آفاق التفكير في أنماط حياة وسلطة مغايرة. فالأدب في جوهره هو مختبر للأفكار التي قد تتحول يوماً ما إلى واقع ملموس إذا ما توفرت الإرادة الجماعية للتغيير.

وتشير الكاتبة إلى أن روايتها الجديدة تمنح نساء الجزيرة المتخيلة انتصاراً رمزياً يفتقدنه في الواقع المعاش على أرض بانيشانتا الموحلة. هذا الانتصار يتمثل في العصيان الجماعي ورفض القواعد القائمة، مما يحول العمل الأدبي إلى مساحة لبث الأمل في مواجهة الهيمنة الذكورية.

إن العلاقة بين الواقع والتخييل في منظور أنام هي علاقة تكاملية، حيث لا يمكن للمجتمعات أن تغير واقعها دون أن تمتلك القدرة على تخيله أولاً. ومن هنا تبرز أهمية الرواية كأداة للتغيير الاجتماعي والسياسي، وليس مجرد وسيلة للترفيه أو سرد الحكايات.

وتخلص الكاتبة في مقالها بـ'الغارديان' إلى أن الهيمنة المتفاقمة تتطلب أدوات مواجهة غير تقليدية، وهو ما يبرع فيه الأدب النسوي المعاصر. فالقدرة على الانسحاب من الأدوار النمطية تمثل في حد ذاتها فعلاً ثورياً يعيد تعريف مفهوم القوة والتأثير في المجتمع الحديث.

إن تجربة نساء بانيشانتا، رغم قسوتها، كانت الملهم لفتح نقاش أوسع حول التهميش الجندري والاقتصادي الذي تعاني منه النساء في مختلف بقاع العالم. وقد نجحت أنام في تحويل هذه المعاناة المحلية إلى قضية إنسانية عالمية تتجاوز حدود الجغرافيا لتصل إلى جوهر الصراع من أجل الكرامة.

في نهاية المطاف، يظل الأدب هو الفضاء الأرحب الذي يتسع لأحلام النساء وتطلعاتهن نحو عالم أكثر عدلاً ومساواة. وكما تختم أنام، فإن الكتابة هي فعل إيمان بالمستقبل، ومحاولة جادة لتشكيل العالم كما ينبغي أن يكون، بعيداً عن قيود الماضي وإكراهات الحاضر.

Tags

Share your opinion

بين الواقع واليوتوبيا.. كيف يصيغ الأدب النسوي سيناريوهات المقاومة وكسر الهيمنة؟

Newsletter

Be the first to know the most important breaking news as it happens.

Stay up to date with the latest news. Subscribe to our breaking news service delivered to your inbox daily.

By subscribing, you agree to our Terms and Conditions and Privacy Policy.