Mon 25 May 2026 3:02 pm - Jerusalem Time

أسطول الصمود في مواجهة الحصار: حين تسبق الشعوب إرادة الأنظمة

تتكرر مشاهد اعتراض الزوارق الحربية الإسرائيلية لسفن كسر الحصار في عرض البحر المتوسط، حيث يواجه ناشطون مدنيون من جنسيات مختلفة التهديد والاحتجاز. هذا المشهد المتكرر لا يكشف فقط عن غطرسة الاحتلال، بل يسلط الضوء على غياب أي تحرك رسمي من العواصم العربية التي تكتفي ببيانات الشجب الخجولة.

إن إبحار متطوعين من النرويج وكندا وإندونيسيا وماليزيا يضع الأنظمة العربية في مأزق أخلاقي وسياسي عميق، إذ يفعل هؤلاء المدنيون ما عجزت عنه جيوش وموانئ دول كبرى. هذا التحرك الشعبي الدولي بات يمثل كشفاً لبنية التواطؤ التي تساهم في خنق قطاع غزة منذ عام 2007 وحتى اليوم.

تتذرع بعض العواصم بأن المسارات الدبلوماسية هي الحل، لكن الواقع يثبت أن هذه المسارات لم تغير حبة رمل واحدة في معاناة الغزيين. بل إن هذه الحجج تُستخدم أحياناً كغطاء لتمرير سياسات تهدف إلى الحفاظ على الاستقرار الإقليمي المزعوم على حساب دماء الفلسطينيين وحقوقهم الأساسية.

تُظهر التقارير الميدانية أن أسطول الصمود الأخير واجه انتهاكات جسيمة شملت الضرب والتعذيب والحرمان من الأدوية الضرورية للنشطاء المعتقلين. ورغم هذه الفظائع، استمرت الضغوط الدبلوماسية الدولية، لا سيما الأمريكية، لمنع السفن من الانطلاق، وهو ما استجابت له بعض الدول العربية بمرونة تثير التساؤلات.

لا يمكن قراءة مشهد الحصار دون التوقف عند الدور المصري الذي يتجاوز الصمت إلى المشاركة الوظيفية في إدارة المعابر والحدود. فمعبر رفح، الذي يمثل الرئة الوحيدة للقطاع، لم يفتح يوماً بشكل سيادي كامل بعيداً عن الإملاءات والاشتراطات الأمنية المرتبطة بالتفاهمات مع تل أبيب وواشنطن.

وفي مفارقة صارخة، تُبقي القاهرة قنواتها التجارية والدبلوماسية مفتوحة مع الاحتلال، حيث بلغت صفقات الغاز الطبيعي نحو 35 مليار دولار في ذروة العدوان. هذا الالتزام الانتقائي بالاتفاقيات يوضح أن الحسابات الاستراتيجية للنظام المصري تضع المساعدات الأمريكية والعلاقة مع إسرائيل فوق أي اعتبار إنساني.

أما في الجانب الإماراتي، فقد تحول التطبيع من قنوات سرية إلى شراكة اقتصادية وأمنية علنية تعمقت بشكل ملحوظ بعد أحداث أكتوبر 2023. وبينما كانت غزة تتعرض لأبشع عمليات التدمير، كانت الرحلات الجوية والتبادلات التجارية بين أبوظبي وتل أبيب تسير بوتيرة منتظمة ودون انقطاع.

تُستخدم 'الورقة الإيرانية' كشماعة مريحة لتبرير التقاعس العربي عن نصرة غزة، حيث يُروج لفكرة أن كسر الحصار يخدم نفوذ طهران في المنطقة. هذا المنطق يتجاهل حقيقة أن مليوني مدني يواجهون الموت والجوع، ولا يمكن رهن حياتهم بحسابات جيوسياسية وصراعات نفوذ إقليمية لا ناقة لهم فيها ولا جمل.

إن السؤال الجوهري الذي يطرحه أسطول الحرية هو: لو غابت إيران عن المشهد، هل كانت هذه الأنظمة ستتحرك لكسر الحصار؟ الوقائع التاريخية تشير إلى أن الإرادة السياسية غائبة بنيوياً بسبب الارتباط العضوي بالمصالح الأمريكية، وليس بسبب التهديدات الخارجية التي تُستحضر انتقائياً.

يخلق هذا التباين بين الفعل الشعبي الدولي والصمت الرسمي العربي فجوة واسعة في وعي الشارع العربي الذي يراقب المشهد بدقة. المواطن العربي يرى بوضوح كيف يخاطر الغرباء بحياتهم من أجل فلسطين، بينما تقف الأنظمة العربية 'على الرصيف' تكتفي بدور المتفرج أو الشريك الضمني.

لقد ساهمت التكنولوجيا الحديثة وتوثيق الحرب اللحظي في كسر احتكار الرواية الرسمية، مما جعل الشعوب أكثر قدرة على كشف زيف الخطابات الحكومية. الجيل العربي الجديد بات يمتلك حصانة ضد الوعود الدبلوماسية الفارغة، ويبني قناعاته بناءً على ما يراه من أفعال ملموسة على الأرض.

إن إحصائيات الدمار في غزة، التي تشير إلى تدمير 300 ألف وحدة سكنية، تضع العالم أمام مسؤولية تاريخية تتجاوز مجرد تقديم المساعدات الإغاثية. الحصار ليس مجرد إجراء عسكري إسرائيلي، بل هو منظومة متكاملة تساهم فيها أطراف إقليمية عبر إغلاق المعابر وتوقيع الاتفاقيات الاقتصادية في توقيتات حرجة.

أسطول الصمود ليس مجرد قافلة مساعدات، بل هو وثيقة سياسية حية تُدين كل من ساهم في تثبيت الحصار أو شرعنته. وفي كل مرة تبحر فيها سفينة، يتجدد السؤال المحرج للجيوش العربية: أين سفنكم وأين سيادتكم في مواجهة تجويع وإبادة شعب شقيق؟

في نهاية المطاف، سيكتب التاريخ أن غزة حوصرت من القريب والبعيد، وأن كسر الحصار كان مبادرة شعوب حرة لا إرادة أنظمة مقيدة. ولن ينسى التاريخ من أغلق المعبر ومن باع الغاز ومن صمت في الوقت الذي كان فيه الصمت يعني الموافقة على الجريمة.

Tags

Share your opinion

أسطول الصمود في مواجهة الحصار: حين تسبق الشعوب إرادة الأنظمة

Newsletter

Be the first to know the most important breaking news as it happens.

Stay up to date with the latest news. Subscribe to our breaking news service delivered to your inbox daily.

By subscribing, you agree to our Terms and Conditions and Privacy Policy.