Sun 24 May 2026 10:16 am - Jerusalem Time

وجهة نظر... المؤتمر الثامن لحركة "فتح".. بين إرث التاريخ وتحديات الغد

انتهى المؤتمر الثامن لحركة فتح، لكن الأسئلة الكبرى التي يحملها الفلسطينيون في الوطن والشتات لم تنتهِ بعد.
لقد كان هذا المؤتمر أكثر من مجرد استحقاق تنظيمي داخلي لحركة سياسية عريقة، بل شكّل محطة وطنية مفصلية جاءت في واحدة من أخطر اللحظات التي يمر بها المشروع الوطني الفلسطيني منذ عقود طويلة، في ظل حرب مدمرة على غزة، وانسداد الأفق السياسي، وتراجع اقتصادي غير مسبوق، وانقسامات أرهقت المجتمع الفلسطيني وأضعفت ثقته بكثير من مؤسساته وقياداته.
انعقد المؤتمر بين رام الله وغزة والقاهرة وبيروت، في مشهد استثنائي يعكس طبيعة الحالة الفلسطينية نفسها؛ شعب موزع بين الوطن واللجوء والشتات، لكنه ما زال يحاول أن يحافظ على وحدته الوطنية وهويته السياسية رغم كل ما مرّ عليه من نكبات وحروب ومؤامرات ومحاولات اقتلاع.
ورغم كل ما يمكن أن يُقال عن الظروف المعقدة التي أحاطت بالمؤتمر، فإن مجرد انعقاده بهذا الشكل يُعتبر رسالة سياسية وتنظيمية بأن حركة فتح ما زالت قادرة على الحفاظ على حضورها التاريخي، وعلى استيعاب تناقضاتها الداخلية، وعلى إعادة إنتاج ذاتها في أصعب الظروف.
لقد أُدير المؤتمر بحرفية وخبرة سياسية وتنظيمية واضحة من قبل المناضل الفتحاوي الكبير صخر خلوصي بسيسو “أبو خلوصي”، عضو اللجنة المركزية الأسبق، الرجل الذي ينتمي إلى الجيل الذي عاش البدايات الأولى للحركة الوطنية الفلسطينية الحديثة، وتشكل وعيه السياسي والنضالي في القاهرة من خلال اتحاد طلبة فلسطين، إلى جانب رفاق المرحلة الأولى الذين أسسوا الاتحاد العام لطلبة فلسطين في العالم.
انتهى المؤتمر… وفاز من فاز بعضوية اللجنة المركزية والمجلس الثوري، وخسر آخرون المنافسة، بينما بقي عدد كبير من أبناء الحركة خارج الهيئة العامة أو خارج دوائر التأثير التنظيمي، لأسباب مختلفة قد يتفق البعض معها أو يختلفون حولها.
لكن في نهاية المطاف، تبقى الحقيقة الأهم أن حركة فتح لم تكن يومًا مجرد انتخابات أو مواقع أو مقاعد تنظيمية. فتح كانت — وما زالت — فكرة وطنية كبيرة، وحركة تحرر وطني حملت حلم الفلسطينيين لعقود طويلة، وقدمت آلاف الشهداء والأسرى والجرحى والمناضلين في سبيل بقاء القضية الفلسطينية حيّة في وجدان العالم.
لقد أثبتت حركة فتح عبر تاريخها الطويل أنها ليست مرتبطة بأشخاص مهما كانت رمزيتهم أو مكانتهم الوطنية، بل هي حالة وطنية متجددة استطاعت أن تستمر رغم كل العواصف التي مرّت بها القضية الفلسطينية.
فقد رحل من الرعيل المؤسس قادة كبار صنعوا تاريخ الثورة الفلسطينية المعاصرة، واغتيل آخرون على طريق النضال الطويل، ودخلت الحركة في محطات صعبة من الانقسام والحصار والاستهداف السياسي والأمني، ومع ذلك بقيت فتح حاضرة في وجدان الفلسطينيين، واستمرت تتحمل مسؤولية المشروع الوطني الفلسطيني في أصعب الظروف وأشدها قسوة.
وعلى مدار العقود الماضية، دخل إلى الحركة أجيال جديدة، وخرج منها آخرون طوعًا أو نتيجة خلافات سياسية أو تنظيمية أو حتى شخصية، فيما تم استبعاد بعض الكفاءات والقيادات بسبب تباينات في وجهات النظر والاجتهادات المختلفة.
لكن الحقيقة التي يجب أن تُدركها الحركة اليوم، أن المرحلة القادمة تتطلب عقلية استيعاب واحتواء أكثر من أي وقت مضى، لأن قوة فتح التاريخية كانت دائمًا في قدرتها على جمع التناقضات الوطنية تحت سقف واحد، وليس في إقصاء أبنائها أو خسارة كوادرها وخبراتها المتراكمة.
وكان الافتراض الوطني والأخلاقي قبل انعقاد المؤتمر أن تُبذل جهود أكبر لتحقيق مصالحة فتحاوية داخلية شاملة، تفتح الباب أمام مشاركة أوسع لكل أبناء الحركة، بحيث يشعر كل فتحاوي بأنه شريك حقيقي في صناعة القرار وفي تحمل مسؤولية المرحلة المقبلة، لا مجرد متفرج على المشهد.
وأقول ذلك أيضًا من موقعي الشخصي، فأنا كنت ممن تفاجأوا بعدم وجود اسمهم ضمن الهيئة العامة للمؤتمر، رغم تاريخ طويل من الانتماء والعمل الوطني والمهني في خدمة فلسطين ومؤسساتها.
لكنني لم أتعامل مع الأمر بردة فعل شخصية، ولم أنظر إليه من زاوية المكاسب أو المواقع، لأن قناعتي كانت وما زالت أن حركة فتح أكبر من أي فرد، وأن المشروع الوطني الفلسطيني يستحق منا جميعًا أن نرتقي فوق الاعتبارات الشخصية والتنظيمية الضيقة.
وخلال المرحلة التي سبقت انعقاد المؤتمر، عملت مع أطراف عديدة، وبهدوء ومسؤولية، لمحاولة رأب الصدع والتنسيق بين جهات مختلفة داخل الحركة، انطلاقًا من موقعي المحايد، ومن قناعة راسخة بأنه ليست لي مصلحة شخصية إلا أن تبقى فتح قوية وموحدة وقادرة على حمل المشروع الوطني الفلسطيني بكل طاقتها التاريخية والتنظيمية والشعبية.
لقد كنت وما زلت أؤمن أن داخل الحالة الفتحاوية طاقات وطنية هائلة، وكفاءات سياسية ومهنية وتنظيمية كبيرة، بعضها موجود خارج الإطار الرسمي للحركة اليوم، لكنها ما زالت تحمل الراية الفتحاوية الوطنية بإخلاص ومسؤولية، وتملك القدرة على العطاء وتحمل المسؤولية في هذه المرحلة الحساسة من تاريخ شعبنا الفلسطيني.
ومن هنا، فإن أحد أهم استحقاقات المرحلة القادمة يتمثل في إعادة توسيع المظلة الفتحاوية لتستوعب الجميع، والاستفادة من كل الطاقات والخبرات الوطنية، لأن قوة فتح الحقيقية لم تكن يومًا في الإقصاء، بل في قدرتها التاريخية على احتضان التنوع الوطني الفلسطيني تحت راية واحدة وهدف وطني واحد.
إن الفلسطيني اليوم لا يسأل من فاز بعضوية اللجنة المركزية، بل يسأل: كيف سنوقف نزيف الدم في غزة؟ وكيف سنعيد بناء ما دمرته الحرب؟ وكيف سنحافظ على القدس؟ وكيف سنحمي المشروع الوطني من الانهيار؟ وكيف سنمنع ضياع الجيل الفلسطيني الجديد بين الإحباط والهجرة واليأس؟ وكيف يمكن استعادة ثقة المواطن الفلسطيني بمؤسساته الوطنية والسياسية؟
هذه هي الأسئلة الحقيقية التي تنتظر الإجابة.
إن المستقبل الفلسطيني لن يُبنى بالعواطف وحدها، ولا بالشعارات وحدها، ولا بالماضي وحده مهما كان مجيدًا وعظيمًا.
الماضي يمنحنا الشرعية التاريخية، والحاضر يفرض علينا مواجهة الحقيقة كما هي، أما المستقبل… فيحتاج إلى شجاعة القرار، وصدق المراجعة، وإرادة التغيير.
وفي النهاية، سيبقى السؤال الحقيقي الذي سيحكم على نجاح المؤتمر ونتائجه ليس من نجح ومن خسر… بل: هل استطاعت فتح أن تفتح باب الأمل مجددًا أمام الفلسطينيين؟ وهل ستكون المرحلة القادمة بداية استعادة المشروع الوطني الفلسطيني، أم مجرد محطة أخرى في طريق الأزمات الطويل؟
وحدها الأيام القادمة ستجيب.
عزام عبد الكريم الشوا
غزة – رام الله – فلسطين


Tags

Share your opinion

وجهة نظر... المؤتمر الثامن لحركة "فتح".. بين إرث التاريخ وتحديات الغد

Newsletter

Be the first to know the most important breaking news as it happens.

Stay up to date with the latest news. Subscribe to our breaking news service delivered to your inbox daily.

By subscribing, you agree to our Terms and Conditions and Privacy Policy.