Fri 22 May 2026 10:33 am - Jerusalem Time

الرجل الذي أحيل إلى التقاعد

منذ أن أُحيل إلى التقاعد، بات يقف إلى جانب المعارضة، شديد الانتقاد، غير راضٍ عن شيء، وفي كل مرة نلتقي أسمعه يتهكم على بعض القرارات والسياسات. ثمة شيء يثير فيه هذا الغضب الذي يخفيه وراء كومة الانتقادات، هو بكل تأكيد عتبه الشديد على قرار إحالته إلى التقاعد، فعمره لم يصل السن القانوني، إلا أن المرسوم الأخير كان قد هبط سنوات ليشمل من هم في عمره.

صباح الخير يا صاحبي،

هل أدركت أن الأشياء لا تدوم إلى الأبد؟ وهل فهمت الآن مقولة: لو دامت لغيرك ما وصلت إليك؟ وهل عرفت أن ما كنت تسميها صداقات، ليست أكثر من علاقات مؤقتة ستنتهي بمجرد تقاعدك، وها هي قد توقفت عن السؤال عنك؟

أسمعك تشتمني بصمت، وأنت تسمعني أقول ما لا يعجبك من كلام.

هدِّئ من روعك قليلًا، وردَّ لي تحية الصباح.

حتى الأسبوع الماضي ظل يعتقد أن ورود اسمه في كشف التقاعد مجرد خطأ، وأنهم سيقومون بتعديله فور الانتباه إليه، بيد أنه أيقن أن ذلك لن يحدث بعد أن قام بالاتصال بصديقه المسؤول، الذي تجاهل الرد على اتصاله.

زفر بشدة، وقال: اللعنة عليه، وهو يغلق الهاتف بغضب.

يتدخل صديق آخر ساخرًا وضاحكًا، فيزداد غضبًا صاحبنا المتقاعد حديثًا.

ماذا تفكر، يسأله وينتظر الإجابة.

السفر هو الحل الوحيد، فهذه البلاد لم تعد تناسبنا نحن الأتقياء. هل أنت جاد فيما تقول؟ وهل هذا الوقت متاح للمزاح؟ يجيب. لقد فهمت المعادلة متأخرًا، لكن بعد فوات الأوان فلا تعتب ولا تعاتب، وخذ من حكمة الأجداد ما يدفع عنك الحزن، وما يبعث فيك الأمل، وما يطرد عنك الترهات.

وماذا قالوا؟

أعاد صديقنا ضحكته الساخرة قائلًا: اسأل شات جي بي تي عن حكمة الأحفاد. فما نفع حكمة الأجداد بعد التقاعد!

يزداد غضب الرجل الذي أحيل إلى التقاعد، ويقرر أن يغادر.

وسط واقع متعثر وصعب تصير فكرة النجاة مستحيلة، ويكون كل حوار نذير بؤس وتشاؤم، ومع مرور الأيام فإن مآلات المستقبل تصبح مجهولة غير واضحة، وفي ظل ما يحدث فإن الحكم على الأشياء من زاوية دون النظر إلى الزوايا الأخرى فكرة غير عادلة، وإن كان البعض محقًا في شكواه.

يعود إلى مقعده الدائم في الزاوية التي لا تطل على شيء ليجد نفسه بعد التقاعد متكاسلًا، فاقدًا الشغف، ولا يمل الشكوى والانتقاد. بين الفينة والأخرى يتصفح هاتفه ويطالع الصفحات الالكترونية، وهو يتنقل بين مجموعة واتس آب وصفحات الفيس بوك ومواقع الأخبار.

الرجل الذي أحيل إلى التقاعد، دخل إلى غرفة نومه ونام حتى سمع صوت المنادي للصلاة، فقام وتوضأ وتوجه نحو القبلة في خشوع واستعاذ من شياطين الجن وشياطين الإنس وشياطين الحكومات.

Tags

Share your opinion

الرجل الذي أحيل إلى التقاعد

Newsletter

Be the first to know the most important breaking news as it happens.

Stay up to date with the latest news. Subscribe to our breaking news service delivered to your inbox daily.

By subscribing, you agree to our Terms and Conditions and Privacy Policy.