تظل جهود التنمية الوطنية في الدول النامية رهينة للتقلبات الاستراتيجية والتكنولوجية الكبرى التي يشهدها العالم. إن أي تغيير في الرسوم الجمركية أو اندلاع أزمة بين القوى العظمى يترك أثراً فورياً وعميقاً على اقتصاديات الدول الأقل نمواً، مما يفرز واقعاً جديداً من الرابحين والخاسرين في الساحة الدولية.
برزت فيتنام كأحد أكبر المستفيدين من حرب الرسوم الجمركية بين واشنطن وبكين، حيث سجلت صادراتها إلى الولايات المتحدة قفزة نوعية بنسبة 53% خلال عام 2025. وقد تركزت هذه الزيادات في قطاعات الإلكترونيات والأثاث والملابس، حيث بلغت قيمة التبادل التجاري في شهر يناير 2026 وحده نحو 19 مليار دولار، مما يعكس تحولاً في سلاسل التوريد العالمية.
في المقابل، استغلت الهند المناخ المتوتر لتعزيز مكانتها في سوق الهواتف النقالة المصدرة لأمريكا، محاولةً الحفاظ على توازن ميزانها التجاري. ورغم الضغوط والعقوبات الناتجة عن شرائها للنفط الروسي، إلا أن نيودلهي ودولاً أخرى مثل ماليزيا وبنغلاديش استطاعت اقتناص فرص نمو في قطاعات محددة مع شركاء دوليين رئيسيين.
الشريك الموثوق الوحيد اليوم هو الاقتصاد المحلي والصناعة الوطنية، فالاعتماد على الذات بات مطلباً حيوياً لا شعاراً سياسياً.
على الجانب الآخر، تبدو قائمة الخاسرين أطول وأكثر قتامة، خاصة في دول الجنوب التي تعاني من تفاقم أزمة المديونية العالمية. ووفقاً لتقارير دولية، فإن خدمة الدين باتت تستنزف موارد أكثر من 3.4 مليار شخص، متجاوزة الإنفاق على قطاعات حيوية كالتعليم والصحة، تزامناً مع تراجع القدرة التنافسية لثلث الشركات الإفريقية تقريباً.
ولم تكن الدول الصناعية الكبرى بمنأى عن هذه الهزات، إذ فقد الاتحاد الأوروبي نحو 60% من فائضه التجاري مع الولايات المتحدة نتيجة السياسات الحمائية والرسوم. هذا الضغط دفع الأوروبيين لفتح أسواقهم بشكل أكبر أمام الصين رغم المخاطر الجيوسياسية، بينما اضطرت دول إفريقية لتغيير استراتيجياتها لمواجهة التغلغل الاستثماري الصيني في الصناعات الاستخراجية.
إن حالة التفتت الاستراتيجي التي يعيشها العالم اليوم تفرض على الدول تبني خيارات الاعتماد على الذات كضرورة قصوى للبقاء. فالمكاسب التي تحققها دول مثل فيتنام قد تتحول إلى تهديدات في حال فرضت واشنطن عقوبات جديدة، مما يجعل تشجيع المنتج المحلي وتأمين الجبهة الاقتصادية الداخلية هو السبيل الوحيد لمواجهة الأزمات القادمة.





Share your opinion
خارطة الرابحين والخاسرين في ظل التوترات الجيواستراتيجية العالمية