يعد مفهوم السيادة الركيزة الأساسية في العلوم السياسية، حيث ينقسم إلى سيادة داخلية تضمن للدولة فرض النظام والتشريعات على إقليمها، وسيادة خارجية تكفل استقلال قرارها بعيداً عن الإملاءات. ورغم أن ميثاق الأمم المتحدة يؤكد على مبدأ المساواة في السيادة، إلا أن الواقع الدولي غالباً ما يتجاهل هذه النظريات لصالح القوة والتوسع.
تاريخياً، اصطدمت طموحات القوى التوسعية بمقاومة الشعوب التي تسعى للحفاظ على ترابها الوطني واستقلال إرادتها السياسية. وتتعدد صور هذه المقاومة لتشمل النضال العسكري، والتحركات الدبلوماسية في المحافل الدولية، وصولاً إلى المقاومة الاقتصادية عبر تعزيز الإنتاج المحلي ومقاطعة منتجات المعتدين.
إن ما تمارسه حركات المقاومة في المنطقة اليوم يمثل التجسيد الفعلي للسيادة الوطنية في مواجهة المشاريع الاستعمارية. وفي الحالة اللبنانية، تبرز النزعة الاستقلالية من خلال فصيل وطني يسد الفراغ الذي قد تتركه الدولة المركزية في مواجهة الأطماع الخارجية والتهديدات المستمرة.
بالعودة إلى التاريخ العربي، نجد أن الحركات الوطنية التي قاومت الاحتلال العسكري كانت تحظى بتقدير شعبي واسع رغم التحديات المعقدة. ففي مصر، انخرطت القوى الوطنية في عمليات ضد الاحتلال وأعوانه، مما مهد الطريق لتغيير النظام السياسي واستعادة الكرامة الوطنية تحت مظلة ترحيب جماهيري.
تنطلق حركات المقاومة في فعلها من فطرة بشرية ترفض القهر والذل والانهزام الحضاري أمام القوة الغاشمة. ومن هذا المنطلق، ترفض هذه القوى التخلي عن سلاحها، معتبرة أن امتلاك أدوات الردع هو حق أصيل للدفاع عن السيادة والكرامة الوطنية ضد أي عدوان محتمل.
في السياق الإقليمي، يبرز التناقض الدولي في التعامل مع الملف الإيراني، حيث تُطالب طهران بوقف برنامجها الصاروخي والنووي السلمي. وفي المقابل، يمتلك خصومها الإقليميون ترسانة نووية عسكرية ووسائل فتك حديثة دون أن يواجهوا ذات الضغوط أو الرقابة الدولية الصارمة.
إن حق امتلاك السلاح الرادع يجب أن يكون مكفولاً لجميع الدول لحماية سيادتها، طالما غابت المعاهدات الدولية العادلة والفعالة. فالواقع الحالي يشير إلى أن القوى الكبرى تسعى لامتلاك القوة المطلقة ومنع الآخرين منها، مما يقوض مفهوم السيادة المتساوية بين الوحدات الدولية.
الاستقلال هو التعبير الفعلي عن مفهوم السيادة الوطنية، وهو ما تمارسه حركات المقاومة في المنطقة في وجه مشروع الاحتلال.
تتسم السياسات الدولية لبعض القوى بالوحشية، حيث تذكرنا الوقائع التاريخية باستخدام الولايات المتحدة للسلاح النووي وإبادة شعوب في فيتنام والعراق. ولا تزال هذه القوى تمارس ضغوطاً هائلة للتحكم في مصائر الشعوب عبر التهديد بالقوة العسكرية المفرطة أو الحصار الاقتصادي.
أما الكيان الصهيوني، فقد نشأ على أنقاض حقوق الشعب الفلسطيني عبر عصابات مارست القتل الممنهج والتهجير القسري. واليوم، تستمر هذه الممارسات عبر حرب إبادة شاملة في قطاع غزة، تهدف إلى استعادة هيبة عسكرية تضررت أمام ضربات المقاومة الفلسطينية.
لقد كشفت الأحداث الأخيرة عن وجه إجرامي غير مسبوق، حيث هدد مسؤولون في حكومة الاحتلال علانية باستخدام السلاح النووي ضد المدنيين. وتترافق هذه التهديدات مع طموحات توسعية معلنة تحت مسمى 'إسرائيل الكبرى'، والتي تستهدف قضم المزيد من الأراضي العربية المجاورة.
تتجاوز جرائم الاحتلال الحدود الجغرافية لفلسطين لتشمل القرصنة البحرية في المياه الدولية وتنفيذ عمليات اغتيال في دول سيادية. هذه الاعتداءات المتكررة على دول الجوار تتم دون مبررات قانونية، مما يضع النظام الدولي أمام اختبار حقيقي لمصداقية قوانينه ومواثيقه.
أمام هذا الواقع الدولي المتأزم، يصبح الفعل المقاوم هو الخيار الوحيد المتبقي لرفض حالة الانبطاح والاستسلام للإرادات الخارجية. إن حركات المقاومة وإيران يتبنون مساراً يهدف إلى انتزاع السيادة الكاملة، وهو مسار يحظى بدعم الشعوب التواقة للتحرر من الهيمنة.
يرتبط دعم مسار المقاومة بمدى استقامته وتوجيه بوصلته نحو العدو الحقيقي الذي يهدد أمن الأمة ومقدراتها. فالمقاومة الحقيقية هي التي تترفع عن الصراعات الداخلية وتجعل من حماية السيادة الوطنية هدفاً أسمى لا يحيد عن طريق التحرر والبناء.
ختاماً إن السيادة ليست مجرد نصوص قانونية في مواثيق الأمم المتحدة، بل هي ممارسة يومية تتطلب القوة والإرادة لحمايتها. وبدون وجود رادع حقيقي، تظل الدول الضعيفة عرضة للانتهاكات، مما يجعل من المقاومة ضرورة وجودية في عالم لا يعترف إلا بالأقوياء.





Share your opinion
السيادة الوطنية في ميزان المقاومة: قراءة في صراع الإرادات الإقليمية