يسلط كتاب 'التحوّط الاستراتيجي في السياسة الإيرانية تجاه الولايات المتحدة' الضوء على نظرية حديثة في العلاقات الدولية، مطبقاً إياها على الحالة الإيرانية المعقدة. الكتاب الذي ألفه الباحثان علا رفيق منصور وأيمن إبراهيم الدسوقي، وصدر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، يقدم تشريحاً دقيقاً لكيفية إدارة طهران لصراعاتها الوجودية مع القوى الكبرى.
تتمحور نظرية التحوّط الاستراتيجي حول اتباع منهج مزدوج يجمع بين 'التوازن الناعم' و'التوازن الرادع'. ويهدف هذا المسار إلى تجنب المواجهات المباشرة غير المتكافئة عبر التعاون الدبلوماسي، وفي الوقت ذاته بناء قدرات عسكرية واقتصادية صلبة تحسباً لأي صدام مسلح محتمل في المستقبل.
يرى المؤلفان أن إيران مارست هذا النوع من التحوّط بشكل جلي خلال مفاوضات البرنامج النووي، حيث سعت لتقليل احتمالات الحرب عبر الاتفاقيات الدولية. ومع ذلك، لم تتوقف طهران عن تعزيز ترسانتها الصاروخية وتوسيع شبكة تحالفاتها الإقليمية كضمانة أمنية موازية للمسار السياسي.
تتجلى ملامح هذه الاستراتيجية في عهد الرئيس الأسبق حسن روحاني، الذي تبنى خطاباً يدعو للتفاعل مع 'العدو' لتخفيف حدة عدائه. هذا التفاعل لم يكن تنازلاً مطلقاً، بل كان مناورة تهدف لتأمين وضع الدولة القائم وتقليل كلفة العقوبات الاقتصادية والضغوط الدولية.
على الصعيد العسكري، استمرت إيران في تطوير صواريخ باليستية بعيدة المدى، مثل صاروخ 'عماد' الذي اختبرته عام 2015. هذا السلوك يعكس جوهر التحوّط؛ فبينما كانت طهران توقع اتفاقات دبلوماسية، كانت ترسل رسائل ردع واضحة بأن قدراتها الدفاعية ليست محل تفاوض.
اقتصادياً، فرضت طهران شروطاً صارمة على المستثمرين الغربيين بعد توقيع الاتفاق النووي، شملت نقل التقنية وتدريب الكوادر المحلية. كانت هذه الإجراءات تهدف لحماية الاقتصاد الإيراني من أي انسحاب مفاجئ للشركات الأجنبية، وهو ما حدث بالفعل لاحقاً عند انسحاب واشنطن من الاتفاق.
داخلياً، تسببت استراتيجية التحوّط في انقسام حاد داخل النخبة السياسية الإيرانية بين تيارين متنافسين. التيار المحافظ رأى في التعاون مع الغرب عبثاً لا طائل منه، بينما دفع التيار الإصلاحي باتجاه فك العزلة الدولية وجذب الاستثمارات الخارجية لتثبيت أركان الدولة.
التحوّط الاستراتيجي هو السير في منطقة وسطى بين القطيعة والتعاون، بهدف تأمين البقاء في عالم من الغموض.
خارجياً، اعتمدت إيران على ما يعرف بـ 'الصراع اللامتماثل' لرفع كلفة أي اعتداء عسكري عليها من قبل الولايات المتحدة أو حلفائها. تمثل هذا في بناء 'حلقة نار' تحيط بالمنطقة، تشمل قوى حليفة في اليمن والعراق وسوريا ولبنان وفلسطين.
في العراق، استثمرت طهران بقوة في دعم فصائل مسلحة متعددة لضمان نفوذها والضغط على الوجود العسكري الأمريكي. أما في لبنان وسوريا، فقد شكل دعم حزب الله والنظام السوري ركيزة أساسية في استراتيجية الردع الإقليمي، رغم الكلفة السياسية والأخلاقية العالية.
القضية الفلسطينية كانت أيضاً جزءاً من هذا التحوّط، حيث قدمت طهران دعماً عسكرياً ومالياً لحركتي حماس والجهاد الإسلامي. هذا الدعم، الذي بلغ ذروته في فترات المواجهة الكبرى، يهدف لتعزيز أوراق القوة الإيرانية في مواجهة الضغوط الإسرائيلية والأمريكية.
يشير الكتاب إلى أن النخبة الإيرانية تتبع آلية تواصل استراتيجية تتأرجح بين رسائل التعاون والتصعيد. هذه 'المراوحة' تهدف لإبقاء الخصم في حالة من الغموض الاستراتيجي، مما يدفعه لإعادة حساباته باستمرار قبل اتخاذ أي قرار بالمواجهة الشاملة.
تكمن أهمية هذا العمل الأكاديمي في كونه يسد نقصاً كبيراً في المكتبة العربية حول فهم آليات صنع القرار في طهران. فهو لا يكتفي بالوصف السياسي، بل يقدم إطاراً نظرياً يفسر لماذا تتصرف إيران بطريقة تبدو أحياناً متناقضة بين الانفتاح والانغلاق.
يخلص المؤلفان إلى أن نجاح استراتيجية التحوّط يُقاس بمدى قدرتها على منع وقوع اعتداء مباشر على الأراضي الإيرانية. وفي ظل التوترات الراهنة، يبقى القارئ أمام تساؤل مفتوح حول مدى صمود هذه السياسة أمام الضغوط القصوى والتحولات الجيوسياسية المتسارعة.
يعد الكتاب مرجعاً مهماً للباحثين في الشؤون الإقليمية، حيث يقدم خريطة واضحة للتحالفات الإيرانية وأدواتها في بلوغ أهدافها. إن فهم 'التحوّط' يساعد في تفسير الكثير من الأزمات المشتعلة في المنطقة، من مضيق باب المندب وصولاً إلى شرق المتوسط.





Share your opinion
التحوّط الاستراتيجي الإيراني: قراءة في موازنات طهران بين الدبلوماسية والردع العسكري