Tue 19 May 2026 9:38 am - Jerusalem Time

فورين أفيرز: القواعد الأمريكية عبء أمني على الخليج ودعوات لنظام إقليمي جديد

أكدت مجلة "فورين أفيرز" في تحليل استراتيجي موسع أن المظلة الأمنية الأمريكية التي اعتمدت عليها دول الخليج لعقود طويلة لم تعد توفر الحماية المطلوبة، بل أصبحت عبئاً يضع المنطقة في مرمى النيران. وأشار الباحث ديفيد بي. روبرتس إلى أن القواعد العسكرية المنتشرة في المنطقة تحولت إلى أهداف محتملة تجعل البنية التحتية والمنشآت النفطية الخليجية عرضة لهجمات انتقامية في أي مواجهة بين واشنطن وطهران.

وأوضح التحليل أن الواقع الأمني الجديد بات يفرض على قادة دول الخليج التوقف عن انتظار الحلول من واشنطن، والبدء في رسم مستقبل المنطقة بأنفسهم. واعتبرت المجلة أن استمرار الرهان على الحماية الخارجية يغفل حقيقة أن المصالح الأمريكية قد تتبدل، مما يترك الحلفاء الإقليميين في مواجهة سيناريوهات غير محسوبة سواء عبر التصعيد العسكري أو التفاهمات المنفردة.

ورغم التراجع النسبي في بعض القدرات العسكرية الإيرانية، إلا أن طهران لا تزال تمتلك أدوات ردع مؤثرة وقدرة على تعطيل الملاحة في مضيق هرمز. ويرى المقال أن هذه القدرات تجعل من الضروري البحث عن صيغة تعايش إقليمي تنهي حالة الاستنزاف المستمرة، وتنتقل بالمنطقة من عقلية المواجهة بالوكالة إلى بناء توازنات داخلية مستدامة.

واقترحت المجلة صياغة معاهدة أمنية شاملة تقوم على مبدأ الانسحاب التدريجي والمنظم للقوات الأمريكية من القواعد الرئيسية في قطر والبحرين والإمارات والسعودية والكويت خلال خمس سنوات. وفي المقابل، تلتزم إيران بتقديم تنازلات جوهرية تشمل قيوداً صارمة على برامجها النووية والصاروخية، ووقف سياسات التصعيد الإقليمي تجاه جيرانها.

وشدد التحليل على أن هذا الانسحاب لا ينبغي أن يُفهم كضعف أو هزيمة استراتيجية، بل كخطوة مدروسة لإزالة الذرائع التي تستخدمها طهران لتبرير عقيدتها الردعية. فإزالة الوجود العسكري الأجنبي، الذي تعتبره إيران تهديداً وجودياً، قد يفتح الباب أمام تفاهمات دبلوماسية أكثر استقراراً وشفافية تحت إشراف إقليمي ودولي.

واستعرضت المجلة سوابق تاريخية تؤكد محدودية الاعتماد على القوى الكبرى، مشيرة إلى تخلي بريطانيا عن التزاماتها في القرن الماضي، وصمت واشنطن تجاه أحداث مفصلية مثل سقوط شاه إيران أو الهجمات على منشآت أرامكو في 2019. هذه الدروس تؤكد أن القوى الخارجية تتحرك دائماً وفق حسابات مصالحها القومية الضيقة، وليس بناءً على التزامات دائمة تجاه الحلفاء.

ولفت التقرير إلى واقعة تعرض قطر لهجمات في عام 2025 كدليل إضافي على أن التحالفات العسكرية التقليدية لا تمنع وقوع الضربات في ظل التوترات المتصاعدة. واعتبرت المجلة أن المثال الوحيد الناجح للتدخل الأمريكي في حرب تحرير الكويت عام 1991 كان مرتبطاً بلحظة تاريخية فريدة من الهيمنة الأحادية، ولا يمكن تعميمه كقاعدة أمنية دائمة.

ودعت "فورين أفيرز" دول الخليج إلى ضرورة تطوير قدراتها العسكرية الذاتية، خاصة في مجالات كشف الألغام البحرية والدفاع الجوي والحروب الإلكترونية. وأشارت إلى أن الاعتماد الطويل على الشركاء الدوليين أدى إلى ترهل في العقائد العسكرية المحلية، مما جعل الجيوش تركز على الرسائل الدبلوماسية أكثر من الكفاءة القتالية الفعلية في الميدان.

وأشاد التحليل ببعض النماذج الناجحة مثل عملية الإنزال البرمائي الإماراتية في عدن عام 2015، معتبراً إياها دليلاً على قدرة الجيوش الخليجية على تنفيذ مهام معقدة. ويرى الباحث أن تعميم هذه الكفاءة وتطوير أنظمة اعتراض الطائرات المسيّرة، المستوحاة من التجربة الأوكرانية، يمثلان حجر الزاوية في بناء قوة ردع خليجية مستقلة.

وفيما يخص الملف النووي، اقترح المقال إنشاء إطار إقليمي للتفتيش المتبادل وبناء الثقة، يضم البرامج النووية المدنية الخليجية والإيرانية على حد سواء. هذا التوجه قد يساهم في الحد من العمليات الأحادية ويقلل من دوافع طهران لامتلاك السلاح النووي إذا شعرت بزوال التهديد الوجودي المباشر من القواعد الأجنبية المحيطة بها.

أما بشأن الطائرات المسيّرة، فأوضح التحليل أن الحل يكمن في منظومة تفتيش متعددة الأطراف تفرض قيوداً على المدى والحمولة وتمنع نقل التكنولوجيا للجماعات المسلحة. ويرتبط نجاح هذا المسار بمنطق "الخطوات المتبادلة"، حيث يقابل كل التزام إيراني تخفيف تدريجي للعقوبات الاقتصادية وتقدم في جدول الانسحاب الأمريكي.

وأكدت المجلة أن إيران، رغم أيديولوجيتها، أظهرت براغماتية في محطات تاريخية عديدة عندما كانت الحوافز كافية، مثل اتفاقها مع السعودية في 2023. لذا، فإن الهدف من النظام الأمني المقترح هو جعل تكلفة الحرب مرتفعة على الجميع عبر تحويل الخليج إلى منطقة تكامل اقتصادي تمتلك فيها كافة الأطراف مصالح مباشرة.

وشددت المجلة على ضرورة أن تكون دول الخليج أطرافاً أصيلة في أي مفاوضات مستقبلية، لا مجرد مراقبين، لضمان عدم تحول الاتفاقات إلى تفاهمات ثنائية بين واشنطن وطهران. إن منح الدول الإقليمية دوراً مباشراً في إدارة آليات التحقق والتعاون الاقتصادي هو الضمانة الوحيدة لاستدامة أي معاهدة أمنية قادمة.

وخلص التحليل إلى أن غريزة الاحتماء بالمظلة الأمريكية هي نتاج عادات سياسية قديمة يجب تجاوزها لصالح بناء أمن ينبع من الداخل. فالولايات المتحدة سترحل في نهاية المطاف، والتحدي الحقيقي أمام دول المنطقة هو النجاح في صياغة شروط هذا الرحيل وترتيبات ما بعده، بدلاً من الاضطرار للتكيف مع واقع يفرضه الآخرون.

Tags

Share your opinion

فورين أفيرز: القواعد الأمريكية عبء أمني على الخليج ودعوات لنظام إقليمي جديد

Newsletter

Be the first to know the most important breaking news as it happens.

Stay up to date with the latest news. Subscribe to our breaking news service delivered to your inbox daily.

By subscribing, you agree to our Terms and Conditions and Privacy Policy.