كشفت تقارير إعلامية أمريكية عن توجه إدارة الرئيس دونالد ترامب نحو اتخاذ خطوة قانونية غير مسبوقة ضد الزعيم الكوبي السابق راؤول كاسترو. وتعتزم وزارة العدل الأمريكية توجيه اتهامات جنائية بحق كاسترو تتعلق بمسؤوليته عن حادثة إسقاط طائرتين مدنيتين في منتصف التسعينيات.
وأفادت مصادر مطلعة في وزارة العدل بأن الإعلان الرسمي عن لائحة الاتهام من المقرر أن يتم في العشرين من مايو الجاري بمدينة ميامي. وتستهدف القضية محاسبة كاسترو، البالغ من العمر 94 عاماً، على قرارات عسكرية اتخذت إبان توليه مناصب قيادية عليا في الدولة الكوبية.
وتعود جذور القضية إلى عام 1996، حينما قامت القوات الجوية الكوبية بإسقاط طائرتين تابعتين لمنظمة 'إخوة الإنقاذ' التي تنشط من الولايات المتحدة. وقد أدى الهجوم في ذلك الوقت إلى مقتل أربعة أشخاص، مما فجر أزمة دبلوماسية حادة بين البلدين استمرت تداعياتها لعقود.
من جانبها، لا تزال الحكومة الكوبية متمسكة بموقفها الدفاعي حيال تلك الحادثة، حيث تعتبر أن إسقاط الطائرات كان إجراءً سيادياً مشروعاً. وتؤكد هافانا أن الطائرات اخترقت المجال الجوي الكوبي بشكل غير قانوني، مما استدعى رداً عسكرياً لحماية أمن البلاد.
ويُعتبر راؤول كاسترو المهندس الحقيقي للمؤسسة العسكرية في كوبا، حيث شغل منصب وزير الدفاع لعدة عقود منذ نجاح الثورة عام 1959. وقد مكنه هذا المنصب من بناء نفوذ واسع داخل مفاصل الدولة والحزب الشيوعي، متجاوزاً مجرد كونه شقيقاً للزعيم الراحل فيدل كاسترو.
لعب راؤول دوراً محورياً في حماية النظام الشيوعي خلال محطات تاريخية فاصلة، أبرزها التصدي لغزو خليج الخنازير المدعوم من واشنطن. كما أشرف على العمليات العسكرية الكوبية الخارجية في القارة الإفريقية، مما عزز مكانته كقائد عسكري صلب في مواجهة الضغوط الأمريكية.
بدأ التحول السياسي الكبير في حياة راؤول عام 2006 عندما تسلم مهام شقيقه فيدل إثر تدهور حالته الصحية. وفي عام 2008، تم تنصيبه رئيساً رسمياً للبلاد، ليبدأ مرحلة جديدة اتسمت بمحاولات حذرة للإصلاح الاقتصادي مع الحفاظ على القبضة السياسية للحزب الواحد.
لائحة الاتهام المرتقبة ضد راؤول كاسترو تعكس تصعيداً جديداً في التوتر المزمن بين واشنطن وهافانا.
ورغم تنحيه عن رئاسة الدولة في عام 2018، إلا أن كاسترو لم يبتعد تماماً عن المشهد السياسي، حيث احتفظ برتبة 'جنرال الجيش'. ويؤكد مراقبون أن نفوذه لا يزال قائماً، حيث يعمل كموجه استراتيجي للرئيس الحالي ميغيل دياز كانيل في القرارات المصيرية.
وتواجه كوبا في الوقت الراهن أزمة اقتصادية طاحنة، دفعت كاسترو للتدخل المباشر في الشؤون التنظيمية للحزب الشيوعي. وفي ديسمبر الماضي، اقترح تأجيل مؤتمر الحزب المخصص لاختيار خليفة للرئيس الحالي، وهو مقترح حظي بموافقة فورية من اللجنة المركزية.
تأتي هذه التحركات القانونية الأمريكية في وقت تثار فيه تساؤلات حول الحالة الصحية للزعيم الكوبي المسن. فقد ظهر كاسترو في احتفالات عيد العمال مطلع الشهر الجاري وهو يعاني من إرهاق واضح، حيث اضطر للجلوس بشكل مفاجئ خلال الفعالية الرسمية.
ويرى محللون أن إحياء هذه القضية الجنائية في هذا التوقيت يحمل رسائل سياسية قوية من إدارة ترامب تجاه النظام في هافانا. فالملاحقة لا تستهدف شخص كاسترو فحسب، بل تسعى لتقويض شرعية القيادة التاريخية للثورة الكوبية أمام المجتمع الدولي.
وتنتظر لائحة الاتهام موافقة هيئة محلفين كبرى في ميامي لتصبح نافذة بشكل رسمي، وهو إجراء يتوقع اكتماله قبل موعد الإعلان الرسمي. وتستعد الجالية الكوبية في ميامي لإحياء ذكرى الضحايا بالتزامن مع صدور القرار القضائي المرتقب.
إن ملاحقة زعيم بحجم راؤول كاسترو تضع العلاقات الأمريكية الكوبية أمام منعطف خطير قد يعيدها إلى مربع المواجهة الصفرية. فبينما تسعى واشنطن لتحقيق 'العدالة' للضحايا، ترى هافانا في هذه الخطوة تدخلاً سافراً في شؤونها الداخلية واستغفالاً للحقائق التاريخية.
ويبقى التساؤل قائماً حول مدى قدرة السلطات الأمريكية على تنفيذ أي حكم قضائي في ظل وجود كاسترو داخل كوبا. ومع ذلك، فإن مجرد صدور لائحة الاتهام سيشكل ضغطاً دبلوماسياً واقتصادياً إضافياً على الدولة التي تعاني أصلاً من حصار ممتد منذ ستة عقود.





Share your opinion
واشنطن تعتزم ملاحقة الزعيم الكوبي راؤول كاسترو جنائياً بتهمة إسقاط طائرات مدنية