Sun 17 May 2026 7:22 pm - Jerusalem Time

أزمة مضيق هرمز تعيد إحياء 'الغاز الحيوي': هل تنقذ مخلفات الماشية أمن الطاقة العالمي؟

أعادت الحرب التي اندلعت في أواخر فبراير الماضي بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، صياغة أولويات الطاقة العالمية. ومع تحول تهديدات إغلاق مضيق هرمز إلى واقع ملموس، وجد العالم نفسه أمام معضلة حقيقية تمثلت في نقص حاد في الإمدادات وارتفاع جنوني في التكاليف، مما دفع نحو البحث عن بدائل غير تقليدية.

يعد مضيق هرمز الشريان الأهم للطاقة عالمياً، حيث يتدفق عبره نحو خمس استهلاك النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم. وقد أدى الحصار المزدوج والقيود الملاحية إلى شلل كبير في حركة الشحن، مما تسبب في استنزاف المخزونات العالمية بوتيرة غير مسبوقة منذ عقود طويلة، وفقاً لتقارير الوكالة الدولية للطاقة.

في ظل هذه الأزمة، برز 'الغاز الحيوي' كطوق نجاة للفئات الأكثر ضعفاً التي لم تعد تحتمل تكاليف الوقود التقليدي. وتعتمد هذه التقنية على استخلاص الطاقة من المواد الحيوية والمخلفات الزراعية وروث الحيوانات، وهو ما يمثل عودة إلى الجذور البدائية لكن بأدوات تقنية حديثة تضمن الاستدامة.

أفادت مصادر بأن إمدادات النفط العالمية سجلت انخفاضاً حاداً بمقدار 1.8 مليون برميل يومياً خلال شهر أبريل وحده. هذا التراجع دفع إجمالي الخسائر منذ بداية النزاع إلى مستويات قياسية، مما هدد أمن الطهي والتدفئة لمليارات البشر في الدول النامية الذين يعتمدون على الغاز المسال.

تعتبر الهند نموذجاً رائداً في تحويل هذه الأزمة إلى فرصة، حيث تملك واحدة من أكبر ثروات الماشية في العالم. وقد دعا رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي مواطنيه إلى ترشيد الاستهلاك والتوجه نحو إنتاج الغاز الحيوي على نطاق واسع لتحقيق أهداف الحياد الكربوني والاعتماد على الذات.

تعتمد العملية في القرى الهندية على تخمير روث الأبقار داخل خزانات مغلقة لإنتاج غاز الميثان، الذي يستخدم مباشرة في الطهي. ولا تقتصر الفائدة على الطاقة فحسب، بل تمتد لتشمل إنتاج سماد عضوي عالي الجودة يساعد المزارعين على تحسين محاصيلهم وتقليل الاعتماد على الأسمدة الكيماوية المستوردة.

انتقلت التجربة الهندية من النطاق الريفي الصغير إلى مستوى الصناعة الوطنية بقرارات حكومية ملزمة. فقد فرضت السلطات دمج الغاز الحيوي في شبكات الغاز المنزلي ووقود المركبات بنسب تصاعدية، مع استثمار ملايين الدولارات في محطات إنتاج ضخمة لتقليل فاتورة الواردات النفطية.

في فلسطين، وتحديداً في قطاع غزة، لم يكن اللجوء للغاز الحيوي ترفاً بيئياً بل ضرورة للبقاء تحت حصار إسرائيلي خانق ممتد منذ عام 2006. وقد نجح مزارعون فلسطينيون في ابتكار وحدات منزلية لتحويل المخلفات العضوية إلى غاز طهي، متحدين بذلك منع دخول الوقود المتكرر.

الحالة السورية شهدت أيضاً تجارب مماثلة في المناطق الريفية، لا سيما في محافظة إدلب، حيث لجأ الأهالي لحفر آبار لإنتاج الغاز من روث الماشية. وساهمت هذه المبادرات المحلية في تخفيف وطأة أزمة الطاقة التي خلفتها سنوات الحرب الطويلة والدمار الذي لحق بالبنية التحتية.

تشير تقديرات الوكالة الدولية للطاقة إلى أن إمكانات الإنتاج المستدام للغاز الحيوي يمكن أن تغطي ربع الطلب العالمي على الغاز الطبيعي. ورغم أن المساهمة الحالية لا تتجاوز 1% من السوق، إلا أن التوقعات تشير إلى نمو متسارع مع توجه دول الجنوب لتصدر هذا القطاع الحيوي.

يواجه قطاع الطاقة الحيوية تحديات تقنية واقتصادية تتعلق بآليات جمع المخلفات وصيانة الوحدات الصغيرة في المناطق الفقيرة. ومع ذلك، يرى الخبراء أن قيمته الحقيقية تكمن في تنويع مصادر الطاقة وتقليل الارتباط بالممرات البحرية الملتهبة التي تتأثر بالصراعات الجيوسياسية.

إن العودة إلى حلول الماضي، مثل استخدام روث الأبقار، تكشف عن مفارقة في العصر الحديث الذي يعجز عن تأمين احتياجاته الأساسية وقت الأزمات. فالعالم الذي بنى شبكات طاقة معقدة يجد نفسه مضطراً للبحث عن حلول محلية بسيطة توفر الحد الأدنى من مقومات الحياة.

لا تملك الأبقار مفاتيح السلام أو القدرة على فتح مضيق هرمز المغلق، لكن مخلفاتها باتت تشكل جزءاً من معادلة الأمن القومي لعدة دول. هذا التوجه يعكس رغبة عالمية في فك الارتباط بالوقود الأحفوري الذي أصبح سلاحاً في يد القوى المتصارعة.

في نهاية المطاف، يبقى الغاز الحيوي رمزاً للصمود في وجه الأزمات الكبرى، سواء كانت حروباً إقليمية أو حصارات اقتصادية. وهو يقدم دليلاً على أن الابتكار البشري قادر على استغلال أبسط الموارد المتاحة لتجاوز تداعيات الصراعات الدولية الكبرى.

Tags

Share your opinion

أزمة مضيق هرمز تعيد إحياء 'الغاز الحيوي': هل تنقذ مخلفات الماشية أمن الطاقة العالمي؟

Newsletter

Be the first to know the most important breaking news as it happens.

Stay up to date with the latest news. Subscribe to our breaking news service delivered to your inbox daily.

By subscribing, you agree to our Terms and Conditions and Privacy Policy.