يواجه الشارع الفلسطيني اليوم تساؤلات وجودية ثقيلة في ظل مشهد سياسي معقد يفتقر إلى الإجابات الواضحة. فبينما تنشغل مدينة رام الله بترتيبات المؤتمر الثامن لحركة فتح، تبرز صراعات داخلية محمومة حول شكل القيادة القادمة وتوازنات القوى في مرحلة ما بعد الرئيس محمود عباس.
في المقابل، تتعرض حركة حماس لضغوط إقليمية ودولية غير مسبوقة تهدف إلى دفعها نحو التخلي عن خيار السلاح. وتُسوق هذه الضغوط تحت غطاء ترتيبات أمنية وسياسية جديدة تُقدم كبوابة وحيدة لعملية إعادة إعمار قطاع غزة المدمر.
ويبدو أن القضية الفلسطينية باتت تتراجع في سلم الأولويات أمام هذه الصراعات البينية والضغوط الخارجية. هذا الواقع ليس مجرد انطباع عابر، بل هو توصيف دقيق لحالة التشظي التي بلغت ذروتها عقب الحرب الأخيرة على القطاع، دون وجود مراجعة وطنية شاملة.
داخل أروقة حركة فتح، يتركز النقاش بشكل أساسي حول من سيرث السلطة ومن سيسيطر على مفاصل اللجنة المركزية. لقد تحولت الحركة تدريجياً منذ اتفاق أوسلو من حركة تحرر وطني إلى حزب سلطة مرتبط بمنظومة أمنية واقتصادية معقدة تجعل الحفاظ على الاستقرار أولوية قصوى.
أما المؤتمر الثامن المرتقب، فيبدو في جوهره محاولة لإعادة ترتيب النظام القائم بدلاً من كونه منصة للمراجعة الجذرية. فالمسار الوطني الفلسطيني وصل إلى مأزق تاريخي يتطلب قرارات شجاعة تتجاوز هاجس البقاء في السلطة أو الحفاظ على المكتسبات التنظيمية.
على الجانب الآخر، تبرز معادلة دولية تحاول مقايضة إعادة الإعمار بنزع سلاح المقاومة أو تحييده بشكل كامل. ورغم أن هذا الطرح قد يبدو مغرياً للبعض تحت وطأة الدمار الهائل، إلا أنه يفتقر إلى أي ضمانات حقيقية لإنهاء الاحتلال أو وقف الاستيطان.
إن السؤال الجوهري الذي يتهرب منه الكثيرون هو: ما الذي سيحصل عليه الفلسطينيون مقابل التنازل عن أدوات قوتهم؟ هل هناك مشروع دولة حقيقي يلوح في الأفق، أم أن المطلوب هو مجرد إدارة سكانية منزوعة السيادة تحت الهيمنة الإسرائيلية الكاملة؟
القضية التي صمدت عقوداً بفضل وحدة فكرتها الكبرى، تواجه اليوم خطر التآكل من الداخل في لحظة إقليمية ودولية لا ترحم.
تكمن العقدة الأساسية اليوم في غياب مشروع وطني جامع يعيد تعريف الأولويات الفلسطينية بعيداً عن الفصائلية. فالساحة منقسمة بين سلطة تدير شؤوناً مدنية بلا أفق سياسي، ومقاومة عسكرية محاصرة دولياً وإقليمياً، مما يترك المواطن في حالة تيه.
وتظل إسرائيل هي المستفيد الأكبر من هذا الواقع المأزوم، حيث تواصل تغيير الوقائع على الأرض بوتيرة متسارعة. فبينما ينشغل الفلسطينيون بمعاركهم الداخلية، يستمر الاستيطان في التهام الضفة الغربية وتستمر عمليات تهويد القدس المحتلة بشكل ممنهج.
لقد تحول الحديث الدولي عن حل الدولتين إلى مجرد شعارات دبلوماسية فارغة تُكرر في البيانات الرسمية دون رصيد واقعي. فالممارسات الإسرائيلية اليومية تهدف إلى تقويض أي فرصة لقيام دولة فلسطينية متصلة جغرافياً وذات سيادة حقيقية.
إن الأزمة الحقيقية التي تواجه الفلسطينيين هي أزمة قيادة ورؤية لا تقل خطورة عن وجود الاحتلال نفسه. فمنذ سنوات طويلة، يفتقد الفلسطينيون لمؤسسة وطنية جامعة قادرة على توحيد القرار السياسي وإنتاج استراتيجية مواجهة مشتركة تحمي الثوابت.
ومع اقتراب مرحلة التغيير في قيادة السلطة، تزداد المخاوف من تحول الصراع إلى نزاع على شرعية النظام السياسي ككل. فالمعركة القادمة قد لا تقتصر على الأسماء، بل قد تمتد لتشمل تعريف القضية الفلسطينية ذاتها وما إذا كانت ستبقى قضية تحرر.
الخطر الأكبر الذي يهدد المستقبل ليس الانقسام بحد ذاته، بل هو الاعتياد عليه وتحويله إلى قدر دائم لا يمكن الفكاك منه. فعندما تصبح السلطة غاية والمقاومة معزولة عن السياسة، تتحول القضية من معركة تحرر إلى مجرد أزمة إدارة إنسانية وأمنية.
في الختام، يشعر الكثيرون بأن القضية الفلسطينية مهددة بالتآكل من الداخل بسبب غياب الرؤية الوطنية الموحدة. إن حماية المعنى السياسي لفلسطين تتطلب تجاوز الحسابات الحزبية الضيقة والعودة إلى الجذور كحركة تحرر وطني تواجه تحديات إقليمية ودولية لا ترحم الضعفاء.





Share your opinion
بين أزمة الخلافة وضغوط السلاح.. هل تتآكل القضية الفلسطينية من الداخل؟