Fri 15 May 2026 10:43 am - Jerusalem Time

فخ الذاكرة الانتقائية: كيف تعيد الفوضى تلميع وجوه الاستبداد؟

تثير ظاهرة الحنين الشعبي للأنظمة التي وُصفت لعقود بالقمع والبطش تساؤلات عميقة حول سيكولوجية الشعوب بعد الثورات. فما إن تسقط الأنظمة السلطوية وتدخل البلاد في دوامة من الاضطرابات، حتى يبدأ البعض بالترحم على عهود كانت توصف بالسوداوية.

شهدت دول مثل ليبيا والعراق ومصر درجات متفاوتة من هذا الحنين، حيث تحول رموز النظام السابق في نظر شريحة من الناس من أدوات قمع إلى شخصيات تحظى بالتقدير. هذا التحول لا يرتبط فقط بالرغبة في الاستقرار، بل يمتد إلى إعادة تلميع شخصيات تورطت مباشرة في انتهاكات حقوق الإنسان.

في الحالة الليبية، يبدو المشهد أكثر تعقيداً وحدة، حيث لم يعد الأمر مقتصرًا على الحنين لرأس النظام، بل شمل أدواته التنفيذية. ورغم وجود تسجيلات توثق التحريض على العنف ضد المدنيين، إلا أن بعض هذه الشخصيات تُستقبل اليوم في بعض المدن استقبال الفاتحين.

سجلت العاصمة طرابلس مؤخراً واقعة صادمة خلال مراسم الإعلان عن التقرير السنوي لهيئة الرقابة الإدارية. حيث جرى تكريم شخصيات ارتبطت بتاريخ دموي إبان حقبة العقيد معمر القذافي، وقُدمت للجمهور بوصفها رموزاً وطنية ساهمت في بناء مؤسسات الدولة.

من أبرز الأسماء التي أثارت الجدل كان عبد القادر البغدادي، المتهم بالمساهمة في سياسات السجن والترهيب وقمع الحركة الطلابية في السبعينيات. ويعد هذا التكريم مؤشراً خطيراً على محاولة غسل سمعة رموز الحقبة السابقة وتجاوز تضحيات الحركات الاحتجاجية.

أما الصدمة الكبرى فتمثلت في تكريم هدى بن عامر، المعروفة بلقب 'الشناقة'، والتي ارتبط اسمها بالإعدامات العلنية في بنغازي. لا تزال صورة تعلقها بجسد الشهيد الصادق الشويهدي أثناء شنقه محفورة في الذاكرة الليبية كأحد أبشع مشاهد القمع السياسي.

إن وصول المجتمع إلى مرحلة تكريم شخصيات التصقت بآلة القمع لا يمكن اعتباره مجرد خطأ بروتوكولي عابر. بل هو مؤشر نفسي واجتماعي يعكس رغبة في الهروب من واقع الفوضى الحالي عبر تجميل قبح الماضي وتجاهل جرائمه.

يفسر المحللون هذا السلوك بطبيعة المراحل الانتقالية الفاشلة التي تعقب سقوط الأنظمة الديكتاتورية. فحين يعجز البديل عن بناء دولة عادلة ومستقرة، يبدأ المواطن في إعادة تقييم الماضي من زاوية الأمن والخدمات الأساسية فقط.

تصبح ذاكرة الناس انتقائية تحت ضغط الأزمات المعيشية وتدهور الوضع الاقتصادي وانتشار السلاح. فيتذكر المواطن استقرار التيار الكهربائي وهيبة الدولة، بينما يسقط من حساباته عمداً ذكريات السجون والتعذيب والإعدامات الميدانية.

هذا النمط من 'تبييض الاستبداد' ليس حكراً على المنطقة العربية، فقد ظهر سابقاً في روسيا تجاه حقبة ستالين، وفي أمريكا اللاتينية تجاه الحكم العسكري. القاسم المشترك دائماً هو تعثر التجارب الديمقراطية في تقديم نموذج ناجح يلبي تطلعات الناس.

يجب التأكيد على أن فشل المرحلة الحالية لا يمنح صك براءة للجرائم السابقة، ففساد الحاضر لا يبرر استبداد الماضي بأي حال. إن المقارنة يجب أن تظل قائمة بين الدولة المستبدة والدولة الناجحة العادلة، وليس بين الفوضى والقمع.

إن الاستقرار الحقيقي لا يُقاس بغياب الفوضى الظاهرية فقط، بل بمدى احترام كرامة الإنسان وسيادة القانون. وحين يتحول الوطن إلى 'مزرعة خوف' يديرها الجلادون، فإن هذا الاستقرار يكون هشاً ومبنياً على أنقاض العدالة المفقودة.

إن فشل المجتمعات في بناء نموذج ديمقراطي متماسك يمنح الاستبداد فرصة ذهبية للعودة من الباب الخلفي. هذه العودة لا تتطلب دائماً دبابات عسكرية، بل قد تتم عبر 'تطبيع أخلاقي' وإعادة صياغة مشوهة للذاكرة الوطنية.

في نهاية المطاف، يبقى الوعي الجمعي هو الحصن الأخير ضد عودة الطغيان بوجوه جديدة أو قديمة. وعلى القوى السياسية الحالية أن تدرك أن عجزها عن تحقيق العدالة هو الوقود الحقيقي الذي يغذي الحنين إلى عهود الظلام.

Tags

Share your opinion

فخ الذاكرة الانتقائية: كيف تعيد الفوضى تلميع وجوه الاستبداد؟

Newsletter

Be the first to know the most important breaking news as it happens.

Stay up to date with the latest news. Subscribe to our breaking news service delivered to your inbox daily.

By subscribing, you agree to our Terms and Conditions and Privacy Policy.