خيّم الطابع البروتوكولي المتفائل على التصريحات المتبادلة بين الجانبين الصيني والأمريكي خلال زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب إلى بكين. وتعكس هذه الزيارة حالة من الهدوء السياسي الحذر بين أكبر اقتصادين في العالم، رغم تراكم الملفات الخلافية المعقدة التي تنتظر الحسم خلف الأبواب المغلقة.
استضافت قاعة الشعب الكبرى في العاصمة الصينية المحادثات الرسمية، التي تخللتها مراسم شاي وعشاء دولة فاخر حضره وفد أمريكي رفيع المستوى. وضم الوفد وزراء ورجال أعمال بارزين، في مشهد بدا في ظاهره أقرب إلى التقارب الاستراتيجي منه إلى التوتر التقليدي المعتاد بين القوتين.
أعرب الرئيس الأمريكي دونالد ترمب خلال اللقاءات عن تفاؤله بمستقبل العلاقة، مشيراً إلى أن القوتين العظميين ينتظرهما مستقبل رائع ومشترك. ومن جانبه، شدد الرئيس الصيني على أهمية الشراكة، مؤكداً أن التعاون هو السبيل الوحيد لتحقيق الفائدة للطرفين، بينما تؤدي المواجهة إلى أضرار جسيمة.
رغم هذه اللغة الدبلوماسية الناعمة، تظل ملفات الخلاف الجوهرية حاضرة بقوة في جدول الأعمال، وعلى رأسها الرسوم الجمركية والقيود المفروضة على التكنولوجيا. كما تبرز قضية سلاسل الإمداد وملف تايوان كأكثر القضايا حساسية، مما يطرح تساؤلات حول مدى قدرة الخطاب السياسي على ردم الهوة مع الواقع.
أفادت مصادر مطلعة بأن الزيارة لم تخلُ من تفاصيل بروتوكولية دقيقة عكست نوعاً من التوتر المكتوم بين الوفدين. وأشارت المصادر إلى أن الرئيس الأمريكي أبدى انزعاجاً نسبياً في بداية الرحلة بسبب عدم وجود استقبال شخصي له في المطار من قبل نظيره الصيني، وهو ما ألقى بظلاله على انطلاقة الزيارة.
شهدت الاجتماعات جدلاً لافتاً حول إجراءات الحماية الأمنية، بعدما اعترض الجانب الصيني على دخول عناصر الخدمة السرية الأمريكية بأسلحتهم إلى قاعة الاجتماع. وتعتبر المعايير الأمريكية مرافقة الحماية المسلحة للرئيس أمراً غير قابل للتفاوض في كافة تحركاته الخارجية، مما خلق مأزقاً بروتوكولياً مؤقتاً.
التعاون يفيد الجانبين، أما المواجهة فتضر بهما، ويجب أن نكون شريكين لا خصمين.
توصل الطرفان في نهاية المطاف إلى تسوية وسطى تسمح بحضور عناصر الحماية الأمريكية داخل القاعة شريطة عدم حمل السلاح. ويعكس هذا الحل الوسط حجم الحساسية السياسية والسيادية التي تحكم التعامل بين واشنطن وبكين، حتى في أدق التفاصيل اللوجستية المتعلقة بتأمين الزعماء.
في سياق متصل، رصدت عدسات الكاميرات حالة من الازدحام والتدافع بين الفرق الصحفية داخل قاعة الشعب الكبرى أثناء محاولات التغطية. وبذل الأمن الصيني جهوداً مكثفة لتنظيم دخول الإعلاميين، وسط أجواء من الفوضى التي تناقضت مع الصرامة البروتوكولية المعهودة في مثل هذه القمم.
أثار مقطع فيديو لامرأة أمريكية تطلب قصر التغطية على 'البيت الأبيض فقط' جدلاً واسعاً على منصات التواصل الاجتماعي. واعتبر مراقبون أن هذا الإجراء يعكس رغبة الوفد الأمريكي في التحكم الكامل في الرواية الإعلامية وتوثيق لغة الجسد بين الزعيمين بدقة لتصدير صورة معينة للداخل الأمريكي.
تظل العلاقة بين واشنطن وبكين محكومة بتوازنات دقيقة تتقاطع فيها المصالح الاقتصادية الضخمة مع التنافس الجيوسياسي الشرس. وبينما تسعى واشنطن لإدارة ملفات دولية مثل إيران، تركز بكين على ضمان استقرار نموها الاقتصادي، مما يجعل التعاون ضرورة رغم الخلافات العميقة والجذرية.
يبقى ملف تايوان هو الاختبار الحقيقي لاستدامة هذا الهدوء، حيث يحذر الخبراء من تحوله إلى بؤرة صراع مباشر في أي لحظة. وبناءً على ذلك، يرى محللون أن ما يجري في بكين هو 'تهدئة مشروطة' تهدف لتجنب التصادم، دون أن تصل إلى مستوى التقارب الاستراتيجي الحقيقي والدائم.





Share your opinion
قمة بكين: ودّ دبلوماسي بين ترمب وشي وتوترات بروتوكولية خلف الكواليس