Thu 14 May 2026 4:14 pm - Jerusalem Time

تحليل إسرائيلي: استراتيجية واشنطن تجاه طهران تترنح أمام صمود إيراني

تشير القراءات التحليلية في الأوساط الإسرائيلية إلى أن الجهود الأمريكية الرامية لاحتواء الأزمة مع إيران باتت تواجه تعقيدات غير مسبوقة. ويرى مراقبون أن استراتيجية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وصلت إلى مرحلة من الانسداد السياسي، بعد أن أخفقت الضغوط العسكرية والاقتصادية المكثفة في إجبار طهران على تقديم تنازلات جوهرية تمس جوهر برنامجها النووي أو نفوذها الإقليمي.

وفي هذا السياق، أوضح المحلل الإسرائيلي تسفي برئيل أن التصريحات الحادة التي تصدر عن البيت الأبيض بين الحين والآخر لم تعد تحقق التأثير المطلوب على الأرض. واعتبر برئيل أن هذه التهديدات باتت توصف بأنها مؤقتة ومحدودة المفعول، حيث لم تترجم إلى تغييرات فعلية في السلوك الإيراني الذي يبدو أكثر تماسكاً في مواجهة العواصف السياسية الخارجية.

وتشير المعطيات الحالية إلى أن الإدارة الأمريكية استنفدت معظم أوراق الضغط المتاحة لديها، في وقت لا تزال فيه القنوات الدبلوماسية الخلفية تشهد تبادلاً للرسائل بين طهران وعواصم إقليمية ودولية. وتستعد الأطراف المعنية لسلسلة من الاجتماعات الدولية التي قد تضع حجر الأساس لمسار تفاوضي جديد يحاول تجاوز العقبات الراهنة التي تعترض طريق الحل السلمي.

وتتركز المفاوضات الحالية حول ثلاثة مسارات معقدة، يبدأ أولها بضرورة إنهاء حالة التصعيد الميداني ورفع الحصار الاقتصادي المفروض على طهران. ويتضمن هذا المسار الإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة في الخارج مقابل منح فترة زمنية محددة للتوصل إلى تفاهمات أولية تسبق التوقيع على أي اتفاق شامل ينهي الأزمة.

أما المسار الثاني فيتعلق بالملف النووي، حيث تصر إيران على الاحتفاظ بحقها الكامل في تخصيب اليورانيوم فوق أراضيها كخط أحمر لا يمكن تجاوزه. ومع ذلك، تبدي طهران مرونة تكتيكية محدودة تتعلق بإمكانية نقل أجزاء من مخزونها المخصب أو خفض نسب التخصيب، شريطة أن يكون ذلك ضمن إطار صفقة كبرى تضمن مصالحها الحيوية.

وفيما يخص المسار الثالث، تبرز قضية مضيق هرمز كواحدة من أكثر النقاط خلافية بين الجانبين، حيث تطالب طهران بالاعتراف بسيادتها الكاملة على هذا الممر الملاحي الدولي. وتسعى إيران لفرض رسوم عبور على السفن التجارية، وهو ما تقابله واشنطن برفض قاطع، متمسكة بضرورة دمج كافة الملفات الأمنية والنووية في حزمة تفاوضية واحدة لا تتجزأ.

ويرى المحلل برئيل أن واشنطن ترفض تقديم أي تنازلات مسبقة خشية إضعاف موقفها التفاوضي أمام المفاوض الإيراني الذي يجيد سياسة حافة الهاوية. وتراهن الإدارة الأمريكية في الوقت ذاته على دور صيني محوري قد يبرز خلال اللقاء المرتقب بين ترامب والرئيس الصيني شي جين بينغ، حيث تأمل واشنطن أن تضغط بكين لضمان التزام طهران بالتفاهمات.

ويدخل ترامب هذا المنعطف التفاوضي وهو يفتقر للكثير من أوراق القوة التي كان يمتلكها في السابق، خاصة بعد أن أثبتت إيران قدرة عالية على الصمود أمام العقوبات. فقد نجحت طهران في الحفاظ على وتيرة معينة من صادراتها النفطية، مما مكنها من تجنب سيناريوهات الانهيار الاقتصادي السريع التي كانت تراهن عليها الدوائر الغربية.

وعلى الصعيد العسكري، يلاحظ التحليل تراجعاً واضحاً في احتمالات اندلاع مواجهة شاملة في المنطقة، حيث استبدلت هذه الفرضية بخيارات أكثر محدودية تركز على تأمين الملاحة البحرية. ويأتي هذا التحول بعد تعثر بعض العمليات العسكرية المحدودة نتيجة رفض دول إقليمية المشاركة المباشرة في أي عمل قد يشعل فتيل حرب واسعة لا تحمد عقباها.

ويبرز في الأفق خيار ثالث يتمثل في استراتيجية 'كسب الوقت'، وهي سياسة تقوم على إبقاء الضغوط الاقتصادية قائمة دون الانزلاق إلى الحرب أو الوصول إلى اتفاق نهائي. لكن هذا التوجه يحمل في طياته مخاطر جسيمة، إذ قد يدفع القوى الإقليمية المتضررة من التوتر إلى البحث عن تفاهمات ثنائية مباشرة مع إيران لضمان أمنها الملاحي بعيداً عن المظلة الأمريكية.

إن استمرار الوضع الراهن على ما هو عليه قد يؤدي، حسب رؤية برئيل، إلى تآكل تدريجي في النفوذ الأمريكي في منطقة الشرق الأوسط. فالفشل في فرض حل حاسم على طاولة المفاوضات يعزز من الموقف الإيراني ويجعل من الصعب على واشنطن استعادة زمام المبادرة في ظل التحديات السياسية والاقتصادية المتزايدة التي تواجهها الإدارة.

وتشير التقارير إلى أن الصمود الإيراني لم يكن اقتصادياً فحسب، بل شمل أيضاً قدرة النظام على المناورة السياسية واستغلال التناقضات الدولية بين القوى الكبرى. هذا الواقع الجديد يفرض على صانع القرار في واشنطن إعادة تقييم شاملة لأدوات الضغط المستخدمة، والبحث عن بدائل أكثر واقعية للتعامل مع الطموحات الإيرانية المتنامية.

وفي نهاية المطاف، يبدو أن المشهد يتجه نحو مزيد من السيولة السياسية، حيث تترقب العواصم العالمية نتائج التحركات الدبلوماسية المقبلة. وسيكون لمدى نجاح أو فشل الوساطات الدولية، وخاصة الصينية منها، أثر كبير في تحديد شكل التوازنات القادمة في منطقة الخليج العربي والشرق الأوسط بشكل عام.

ويختم التحليل الإسرائيلي بالتحذير من أن الوقت قد لا يكون في صالح الحلفاء، إذ إن استمرار الجمود يمنح طهران فرصة لتعزيز مكانتها وتطوير قدراتها التقنية والنووية. وبناءً عليه، فإن الحاجة باتت ملحة لصياغة استراتيجية بديلة تتجاوز الشعارات الحادة وتتعامل مع الحقائق الجديدة التي فرضتها إيران على أرض الواقع خلال السنوات الأخيرة.

Tags

Share your opinion

تحليل إسرائيلي: استراتيجية واشنطن تجاه طهران تترنح أمام صمود إيراني

Newsletter

Be the first to know the most important breaking news as it happens.

Stay up to date with the latest news. Subscribe to our breaking news service delivered to your inbox daily.

By subscribing, you agree to our Terms and Conditions and Privacy Policy.