تتصاعد حدة الأزمة الاقتصادية في سوق المال والأعمال داخل دولة الاحتلال، إثر التراجعات المتواصلة في قيمة الدولار مقابل الشيكل. وقد دفعت هذه الهزات الارتدادية وزارة المالية إلى فتح نقاشات طارئة ومكثفة لبحث سبل دعم القطاعات المتضررة، وفي مقدمتها قطاع التصدير الذي يواجه مخاطر حقيقية تهدد استمراريته.
وتشير البيانات المالية إلى أن العملة الأمريكية فقدت نحو 8% من قيمتها منذ مطلع العام الجاري، فيما بلغت نسبة الانخفاض الإجمالية خلال عام 2025 أكثر من 18%. هذا التدهور المتسارع وضع سعر الصرف عند حاجز 2.90 شيكل، وهو المستوى الأدنى الذي تسجله العملة الخضراء منذ ما يقارب ثلاثة عقود.
أفادت مصادر اقتصادية بأن وزير المالية، بيتسلئيل سموتريتش، عقد اجتماعات إدارية رفيعة المستوى لتقييم الموقف وتحديد حجم الضرر الواقع على قطاعي الصناعة والتكنولوجيا المتقدمة. واتفق المسؤولون المشاركون في المداولات على أن استقرار الدولار عند هذه المستويات المنخفضة يمثل تحدياً بنيوياً يتطلب تدخلاً حكومياً عاجلاً وغير تقليدي.
وتعزو الأوساط المالية قوة الشيكل الحالية إلى مجموعة من العوامل المتداخلة، أبرزها حالة الهدوء الأمني النسبي وتدفقات النقد الأجنبي الكبيرة إلى السوق المحلية. كما تلعب عمليات التحوط التي تنفذها المؤسسات المالية الكبرى، وفروق أسعار الفائدة بين تل أبيب وواشنطن، دوراً محورياً في تعزيز العملة المحلية على حساب الدولار.
من جانبها، قدمت رابطة المصنّعين قائمة مطالب وصفت بالضخمة لوزارة المالية، تهدف إلى تخفيف وطأة الخسائر التي تتكبدها الشركات. وتتضمن هذه المطالب الحصول على منح مالية مباشرة وتأجيلات ضريبية تقدر بمليارات الشواكل، لتعويض التآكل الحاد في هوامش الربح نتيجة تقاضي الإيرادات بالدولار ودفع المصاريف بالشيكل.
وتسعى الرابطة للحصول على نحو 1.5 مليار شيكل سنوياً في شكل منح متنوعة، بالإضافة إلى ملياري شيكل أخرى كإعفاءات وتأجيلات ضريبية عبر آلية الاستهلاك المعجل. ويرى خبراء أن هذه المطالب تأتي في وقت حرج، حيث تعاني الشركات من فجوة كبيرة بين تكاليف التشغيل المرتفعة والعوائد المتناقصة.
ورغم اعتراف وزارة المالية بخطورة الوضع القائم، إلا أن هناك عقبات قانونية ومالية تحول دون تقديم مساعدات فورية. فالميزانية العامة التي أُقرت قبل شهر واحد فقط، لا تحتوي على أي بنود أو فوائض مالية مخصصة لتمويل حزم إنقاذ بهذا الحجم، مما يضع الحكومة في مأزق حقيقي أمام القطاع الخاص.
التراجع السريع للدولار، بجانب التوقعات باستقراره عند مستوى منخفض، يُشكل مشكلة اقتصادية حقيقية يجب على الدولة معالجتها.
وتواجه الحكومة ضغوطاً مزدوجة، فمن جهة يتزايد تدفق إيرادات الضرائب بشكل يتجاوز التوقعات، ومن جهة أخرى يفرض قانون سقف الإنفاق قيوداً صارمة على كيفية التصرف في هذه الأموال. كما تزيد مطالب المؤسسة الأمنية بزيادة مخصصاتها من تعقيد المشهد، مما يقلص المساحة المتاحة لدعم الشركات الصناعية.
وفي محاولة لإيجاد مخرج، اجتمع سموتريتش مع رئيس رابطة المصنّعين الجديد، أبراهام نوفوغروتسكي، لمناقشة مسودة شاملة من المطالب. وتركزت النقاشات حول إمكانية تعديل بعض المسارات التمويلية القائمة لتوفير سيولة عاجلة للمصانع المتضررة، خاصة تلك التي تعتمد بشكل كلي على الأسواق الخارجية.
وتتضمن المسودة المقدمة زيادة المنح المخصصة لتشجيع الاستثمارات الرأسمالية لتصل إلى 350 مليون شيكل جديد سنوياً. كما تطالب الرابطة بتفعيل برنامج ضمان حكومي للقروض الصناعية بقيمة 150 مليون شيكل، لضمان تدفق الائتمان للشركات الصغيرة والمتوسطة التي تعاني من نقص السيولة.
كما شملت المطالب رصد مبلغ إضافي قدره 100 مليون شيكل لبرنامج "استثمر في إسرائيل"، بهدف جذب استثمارات نوعية تعوض التراجع في القطاعات التقليدية. ويشدد المصنعون على ضرورة استعادة الزخم في مسارات الابتكار التي شهدت تراجعاً ملحوظاً في مخصصاتها المالية خلال الفترة الماضية.
ومن بين البنود الرئيسية، يبرز مطلب تخصيص 250 مليون شيكل سنوياً لمسار منح التصنيع المتقدم، بعد أن انخفضت قيمته من 100 مليون شيكل إلى 35 مليون شيكل فقط. ويرى أصحاب المصانع أن هذا المسار حيوي لضمان تنافسية الصناعة الإسرائيلية في ظل الظروف الاقتصادية العالمية المتقلبة.
وتحذر تقارير اقتصادية من أن استمرار تجاهل مطالب المصدرين قد يؤدي إلى موجة من الإغلاقات أو تسريح العمالة في قطاعات حيوية. فالفجوة بين العملات لم تعد مجرد تذبذب عابر، بل تحولت إلى أزمة هيكلية تهدد ركائز النمو الاقتصادي القائم على التصدير التكنولوجي والصناعي.
يبقى الترقب سيد الموقف في الأوساط المالية، بانتظار ما ستسفر عنه الاجتماعات القادمة بين وزارة المالية وممثلي القطاع الخاص. وفي ظل القيود الميزانياتية الصارمة، يبدو أن الوصول إلى حل يرضي جميع الأطراف يتطلب تنازلات مؤلمة أو إعادة ترتيب شاملة لأولويات الإنفاق الحكومي.





Share your opinion
أزمة الدولار تضرب اقتصاد الاحتلال: مطالب بمليارات الشواكل لإنقاذ المصدرين