Thu 14 May 2026 1:14 pm - Jerusalem Time

تحولات أمنية في مضيق هرمز: هل تبدأ أوروبا رحلة الاستقلال عن المظلة الأمريكية؟

تشهد الساحة الدولية تحركات متسارعة تقودها القوى الأوروبية الكبرى لإثبات حضورها العسكري والسياسي في منطقة الشرق الأوسط، بعيداً عن التبعية التقليدية لواشنطن. وقد تجلى هذا التوجه في استضافة المملكة المتحدة وفرنسا لاجتماع موسع ضم وزراء دفاع من أكثر من أربعين دولة لبحث تأمين الملاحة في مضيق هرمز.

يهدف هذا الحراك الدبلوماسي والعسكري إلى تشكيل مهمة دولية قادرة على إعادة فتح الممرات المائية الحيوية أمام التجارة العالمية، خاصة بعد التصعيد الأخير مع إيران. وتحمل هذه الخطوة أبعاداً استراتيجية تتجاوز الأمن البحري، لتصل إلى رغبة القارة العجوز في إعادة رسم موازين النفوذ داخل المعسكر الغربي.

في إطار هذه المهمة، أعلنت وزارة الدفاع البريطانية عن نشر قدرات عسكرية متطورة تشمل المدمرة 'HMS Dragon' ومقاتلات من طراز 'تايفون'. كما تضمنت التعزيزات أنظمة حديثة لمواجهة الطائرات المسيّرة، في خطوة وصفتها لندن بأنها مهمة دفاعية متعددة الجنسيات تهدف لحماية الاستقرار الاقتصادي.

أكد وزير الدفاع البريطاني، جون هيلي أن التحرك الحالي يتسم بالاستقلالية والمصداقية، مشدداً على ضرورة ضمان حرية الملاحة الدولية. وأوضح هيلي أن التنسيق مع فرنسا والحلفاء يعكس إرادة أوروبية في تحمل مسؤوليات أمنية مباشرة في المناطق الساخنة دون انتظار الضوء الأخضر من الولايات المتحدة.

على المقلب الآخر، تعيش العلاقات بين ضفتي الأطلسي حالة من التوتر غير المسبوق، غذتها الخلافات حول الإنفاق العسكري وكيفية التعامل مع الملف الإيراني. وقد زاد قرار واشنطن بسحب خمسة آلاف جندي من ألمانيا من حدة هذه الانقسامات، مما أثار قلقاً واسعاً داخل أروقة حلف شمال الأطلسي.

برر المتحدث باسم البنتاغون، شون بارنيل، خطوة سحب القوات بأنها نتيجة مراجعة شاملة للتموضع العسكري الأمريكي في القارة الأوروبية. إلا أن تقارير إعلامية ربطت القرار بشكل مباشر بالخلافات الشخصية والسياسية بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والمستشار الألماني فريدريش ميرتس.

أفادت مصادر بأن الإدارة الأمريكية اعتبرت التصريحات الألمانية الأخيرة بشأن الأزمة مع إيران 'غير مفيدة'، مما عمق الفجوة بين برلين وواشنطن. هذا التوتر دفع باريس إلى تصدر المشهد كأكثر الأصوات المطالبة بتقليص الاعتماد الأمني على الولايات المتحدة وبناء استراتيجية دفاعية ذاتية.

خلال مؤتمر ميونيخ للأمن، دعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بوضوح إلى إعادة تصميم الأمن الأوروبي بشكل مستقل تماماً. واعتبر ماكرون أن التحولات الدولية المتسارعة تفرض على القارة الأوروبية تحديد معاييرها الأمنية الخاصة وبناء منظومة ردع متكاملة تحمي مصالحها الحيوية.

يرى مراقبون أن هذا الخطاب الفرنسي يكتسب زخماً إضافياً في ظل تصاعد النزعة الانعزالية داخل السياسة الأمريكية المعاصرة. فالمخاوف من تراجع الالتزامات العسكرية الأمريكية في الخارج تدفع العواصم الأوروبية للبحث عن بدائل تضمن أمن الطاقة والممرات البحرية الاستراتيجية.

رغم هذا الطموح نحو 'الاستقلالية الاستراتيجية'، إلا أن الانفصال الكامل عن واشنطن لا يبدو وشيكاً أو ممكناً في المدى المنظور. فالقارة الأوروبية لا تزال تعتمد بشكل جوهري على القدرات الاستخباراتية والتسليحية الأمريكية، فضلاً عن المظلة النووية التي توفرها الولايات المتحدة.

يظل حلف شمال الأطلسي (الناتو) هو العمود الفقري للأمن في القارة، وهو ما يدركه القادة الأوروبيون جيداً رغم تصريحاتهم الحادة. فحتى ماكرون يحرص على التأكيد بأن الاستقلالية المنشودة تهدف لتعزيز 'الركيزة الأوروبية' داخل الحلف وليس الخروج من عباءته بالكامل.

إن ما يشهده العالم اليوم ليس انهياراً للتحالف الغربي، بل هو عملية إعادة توازن معقدة تفرضها الظروف الجيوسياسية الجديدة. فأوروبا تسعى لتوسيع هامش مناورتها، بينما تضغط واشنطن على حلفائها لتحمل أعباء مالية وعسكرية أكبر في مواجهة التحديات العالمية.

يتحول اجتماع لندن بشأن مضيق هرمز إلى اختبار حقيقي لقدرة أوروبا على التحول إلى قوة أمنية فاعلة ومستقلة ميدانياً. فالنتائج التي ستسفر عنها هذه المهمة البحرية ستحدد شكل العلاقة المستقبلية بين القوى الأوروبية والقيادة الأمريكية في ملفات الشرق الأوسط.

يبقى السؤال المطروح في أروقة صنع القرار ببروكسل وباريس ولندن: هل تمتلك أوروبا الإرادة والقدرة على حماية مصالحها وحدها؟ الإجابة على هذا السؤال ستحدد ما إذا كان التحالف الأطلسي سيتطور إلى شراكة متكافئة أم سيظل رهيناً للقيادة الأمريكية المنفردة.

Tags

Share your opinion

تحولات أمنية في مضيق هرمز: هل تبدأ أوروبا رحلة الاستقلال عن المظلة الأمريكية؟

Newsletter

Be the first to know the most important breaking news as it happens.

Stay up to date with the latest news. Subscribe to our breaking news service delivered to your inbox daily.

By subscribing, you agree to our Terms and Conditions and Privacy Policy.