رفعت الإدارة الأمريكية سقف توقعاتها بشأن إمكانية التوصل إلى تفاهمات سياسية مع طهران، في وقت لا تظهر فيه القيادة الإيرانية أي استعجال للانخراط في اتفاقات سريعة. وأشارت مصادر صحفية إلى أن الرئيس دونالد ترامب يسعى لترسيخ واقع جديد في المنطقة، إلا أن الفجوة بين التصريحات المتفائلة والواقع الميداني المتوتر في الخليج لا تزال تتسع بشكل ملحوظ.
ويرى مراقبون أن تحركات ترامب لا تسير وفق الجداول الزمنية المأمولة، حيث حاول مؤخراً ترتيب تهدئة مؤقتة بين روسيا وأوكرانيا لحماية عرض عسكري في موسكو، لكن الملف الإيراني أثبت أنه أكثر تعقيداً. وتوقفت العمليات الأمريكية الهادفة لكسر الحصار الإيراني في مضيق هرمز بشكل مفاجئ، بالتزامن مع تسريبات حول تقدم في قنوات الاتصال غير المباشرة.
وتتحدث التقارير الواردة من واشنطن عن إعداد وثيقة مبادئ مقتضبة تتألف من صفحة واحدة، تهدف لتكون أساساً لمفاوضات مكثفة تستمر لمدة شهر كامل. ويسعى هذا المسار إلى إنهاء حالة الصراع المسلح التي انطلقت شرارتها في الثامن والعشرين من فبراير الماضي، وجمعت الولايات المتحدة وإسرائيل في مواجهة مباشرة مع إيران.
وعلى الرغم من هذه الأجواء الدبلوماسية، إلا أن الميدان شهد اشتباكات مسلحة بين القوات الأمريكية وعناصر الحرس الثوري الإيراني قرب مضيق هرمز يومي الخميس والجمعة. وحاول البيت الأبيض التقليل من شأن هذه الصدامات العسكرية، مؤكداً أن الحرب لم تُستأنف بشكل كامل، في محاولة للحفاظ على فرص نجاح المسار السياسي المتعثر.
وتشير القراءات التحليلية إلى أن تصريحات الرئيس الأمريكي باتت تواجه تشكيكاً في الأوساط السياسية، نظراً لاستمرار حالة الفوضى الأمنية في ممرات الملاحة الدولية. ويبدو أن الطرفين، واشنطن وطهران، لا يرغبان في الانزلاق نحو مواجهة شاملة ومفتوحة، لكنهما في الوقت ذاته لم يحققا أي خرق حقيقي نحو اتفاق نهائي يرضي الطموحات الأمريكية.
وتؤكد مصادر في المؤسسة الأمنية الإسرائيلية أن نقاط الخلاف الجوهرية لا تزال قائمة دون حلول ملموسة، خاصة فيما يتعلق بحقوق تخصيب اليورانيوم ومصير المخزون الإيراني عالي التخصيب. كما تبرز معضلة رفع العقوبات الدولية وآليات التنفيذ كحجر عثرة أمام أي تقدم، حيث تصر طهران على ضمانات لا تبدو واشنطن مستعدة لتقديمها بالكامل في الوقت الراهن.
وتراقب الأوساط الإسرائيلية بقلق تدهور المؤشرات الاقتصادية داخل إيران، حيث رصدت تقارير تسرباً نفطياً في الخليج يعكس وجود فائض إنتاجي تعجز طهران عن تصديره. وقد أدى هذا الضغط الاقتصادي إلى اندلاع إضرابات في الأسواق المركزية بالعاصمة طهران، مما يعكس تنامي الضغوط الداخلية على النظام الحاكم نتيجة العقوبات الأمريكية المشددة.
الإيرانيون يبدون وكأنهم يستمتعون بإحراج ترامب وإظهار محدودية قدرته على فرض شروطه، مما يضعف تدريجياً من قدرته على الردع.
وفي الجانب العسكري، كشفت تقارير استخباراتية أمريكية عن محدودية تأثير الضربات الجوية التي استهدفت المنشآت الإيرانية في الجولات السابقة. وأوضحت التقديرات أن المواقع النووية الحساسة لم تتعرض لأضرار جسيمة، مما يعني بقاء القدرات التقنية الإيرانية في مستويات تسمح لها بالمناورة والاستمرار في برنامجها المثير للجدل.
كما أشارت البيانات الاستخباراتية إلى تراجع عدد منصات إطلاق الصواريخ الباليستية الإيرانية إلى مستويات تتراوح بين النصف والثلث مقارنة بما كانت عليه قبل التصعيد الأخير. ورغم هذا التراجع، إلا أن الأرقام تظل أقل بكثير من التوقعات الأولية التي سادت في بداية العمليات العسكرية، مما يشير إلى قدرة طهران على إخفاء ترسانتها.
وتزعم مصادر مطلعة أن إيران تستغل فترات الهدوء الجزئي لإعادة ترميم بنيتها التحتية العسكرية والاقتصادية التي تضررت بفعل المواجهات. وتقدر وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية أن النظام الإيراني يمتلك من الموارد ما يكفيه للصمود في وجه الضغوط الحالية لمدة أربعة أشهر إضافية على الأقل، رغم الحصار الخانق.
وفيما يتعلق بهيكلية صنع القرار، تؤكد المعلومات الاستخباراتية استمرار مجتبى خامنئي، نجل المرشد الأعلى، في ممارسة دور محوري داخل أروقة الحكم. ورغم التقارير التي تحدثت عن إصابته واختفائه عن المشهد العام، إلا أنه لا يزال يدير خيوط الاستراتيجية العامة عبر شبكة معقدة من الوسطاء الموثوقين.
ويعتمد نجل المرشد في تواصله مع قادة الحرس الثوري على وسائل تقليدية بعيدة عن الرقابة الإلكترونية، لضمان سرية التحركات في ظل التهديدات الأمنية القائمة. وتتوزع المهام حالياً بين القيادة العليا التي ترسم الخطوط العريضة للمواجهة، وقادة الميدان الذين يتولون إدارة التفاصيل اليومية للأزمة مع القوات الأمريكية.
ويبدو أن الاستراتيجية الإيرانية الحالية تعتمد على استنزاف الوقت وإحراج الإدارة الأمريكية عبر إظهار عجزها عن فرض إرادتها المنفردة. هذا السلوك الإيراني يضعف تدريجياً من قوة الردع الأمريكية في المنطقة، ويجعل من الصعب على ترامب تسويق أي اتفاق مستقبلي كـ 'انتصار ساحق' أمام خصومه السياسيين في الداخل.
ختاماً، تظل المنطقة رهينة التجاذب بين الرغبة الأمريكية في إغلاق الملف الإيراني وبين الإصرار الإيراني على انتزاع مكاسب سيادية واقتصادية غير مسبوقة. ومع استمرار الفجوات في ملفات اليورانيوم والعقوبات، يبقى خيار التصعيد الميداني المحكوم حاضراً كأداة ضغط يستخدمها الطرفان لتحسين شروطهما على طاولة المفاوضات.





Share your opinion
ترامب يرفع سقف الرهانات مع طهران وسط تعقيدات ميدانية وفجوات في التفاوض