تشهد العلاقات الإماراتية الباكستانية توتراً غير مسبوق أدى إلى شن سلطات أبوظبي حملة ترحيل واسعة استهدفت آلاف العمال الباكستانيين المنتمين للطائفة الشيعية. وتأتي هذه الخطوة في وقت حساس تواجه فيه إسلام آباد تداعيات اقتصادية ودبلوماسية حادة جراء محاولاتها لعب دور الوسيط في الصراع الإقليمي.
وأفادت مصادر صحفية بأن الإمارات تبدي انزعاجاً واضحاً من موقف باكستان الذي وصفته بالضعيف تجاه الهجمات الإيرانية التي استهدفت أراضيها بالصواريخ والمسيّرات. ورغم محاولات إسلام آباد التوسط بين واشنطن وطهران، إلا أن أبوظبي اعتبرت عدم الإدانة الصريحة والقوية لتلك الهجمات مساساً بأمنها القومي.
ووثقت شهادات لأكثر من 20 عاملاً باكستانياً تعرضهم للاعتقال المفاجئ والاحتجاز قبل ترحيلهم قسرياً خلال الشهر الماضي دون توضيح الأسباب القانونية. وأكد رجال أعمال في الإمارات أن موظفيهم تعرضوا لإلغاء تأشيراتهم بشكل مفاجئ، مما أربك سير العمل في العديد من الشركات المحلية.
وتشير تقديرات رجال دين شيعة في باكستان إلى أن أعداد المرحلين منذ منتصف نيسان/ أبريل الماضي قد بلغت الآلاف، مما يهدد مصدر رزق ملايين العائلات. ويواجه الشيعة في باكستان، الذين يبلغ عددهم 35 مليوناً، ضغوطاً مزدوجة بين العنف الطائفي داخلياً والتبعات السياسية لارتباطهم الروحي بإيران خارجياً.
وفي محاولة لاحتواء الأزمة إعلامياً، نفى المتحدث باسم وزارة الخارجية الباكستانية، طاهر أندرابي، وجود عمليات ترحيل جماعية ممنهجة ضد مواطنيه. وزعم أندرابي أن الحالات المسجلة تتعلق بأفراد ارتكبوا مخالفات قانونية وجرائم جنائية داخل الأراضي الإماراتية، وهو ما نفته شهادات المرحلين والوثائق القنصلية.
من جانبه، اعتبر المحلل السياسي نديم قطيش أن التحركات الباكستانية الأخيرة افتقرت إلى التنسيق الكافي مع الجانب الإماراتي، مما أدى إلى فجوة في الثقة. ويرى مراقبون أن استدعاء الإمارات لقرض بقيمة 3.5 مليار دولار من باكستان يمثل أداة ضغط اقتصادية مباشرة تعكس حجم الاستياء السياسي.
ودخلت السعودية على خط الأزمة عبر تقديم وديعة بمليار دولار لدعم الاحتياطيات الأجنبية الباكستانية، في محاولة لتخفيف وطأة الضغوط المالية الناتجة عن الموقف الإماراتي. ويعكس هذا التحرك التنافس الصامت بين القوى الإقليمية على كسب الولاء السياسي لباكستان في ملفات المنطقة الشائكة.
جريمتنا الوحيدة هي أننا شيعة؛ لم يعطونا أي سبب رسمي للاحتجاز والترحيل المفاجئ.
ونقلت مصادر عن دبلوماسيين سابقين أن الصدمة كانت متبادلة بين الطرفين؛ حيث لم تتوقع الإمارات حياد باكستان في صراعها مع إيران، بينما فوجئت إسلام آباد بحدة الرد الإماراتي. وتعتبر التحويلات المالية للباكستانيين في الإمارات، والتي بلغت 8 مليارات دولار العام الماضي، ركيزة أساسية للاقتصاد الباكستاني المتهالك.
ووصف وزير المالية الباكستاني السابق، مفتاح إسماعيل، الحفاظ على علاقات طيبة مع أبوظبي بأنه أمر حيوي ومصيري لبلاده في ظل الأزمات الراهنة. ومع ذلك، أشار إسماعيل إلى تعقيد الموقف الباكستاني الذي يحاول موازنة علاقاته بين جيرانه الإيرانيين وحلفائه في الخليج العربي.
وفي أقاليم البنجاب وشمال غرب باكستان، بدأت قوافل المرحلين بالوصول وسط قصص مأساوية عن فقدان الممتلكات والمدخرات التي جمعوها عبر سنوات من العمل. وأكد نواب سابقون أن قرى بأكملها تأثرت بعودة مئات الرجال الذين كانوا يعيلون أسرهم من العمل في قطاعات الأمن والخدمات بالإمارات.
وسجلت منظمات حقوقية واجتماعية في إسلام آباد نحو 5000 أسرة مرحلة حتى الآن، محذرة من تنامي النزعة الطائفية في التعامل مع ملف العمالة الوافدة. وأشارت هذه المنظمات إلى أن التواصل مع الحكومة الباكستانية لم يثمر عن نتائج ملموسة نظراً لضعف موقفها التفاوضي أمام المانحين الخليجيين.
وروى عمال مرحلون تفاصيل احتجازهم في مراكز مثل 'العوير'، حيث تم تجريدهم من وثائقهم الرسمية واستبدالها بوثائق سفر طارئة للترحيل الفوري. وأوضح هؤلاء أن التهم الموجهة إليهم في الأوراق الرسمية كانت 'الهروب من الكفيل' أو 'السجن'، وهي تهم وصفوها بالملفقة لتبرير الترحيل السياسي.
ولم تقتصر الإجراءات على العمال البسطاء، بل شملت مديري أعمال وأصحاب استثمارات صغيرة واجهوا صعوبات في تجديد إقاماتهم أو إصدار تأشيرات لموظفيهم الجدد. وربطت تقارير بين هذه الإجراءات وبين حملات مشابهة استهدفت مقيمين إيرانيين في وقت سابق، مما يعزز فرضية الدوافع السياسية والأمنية.
وتحذر مراكز أبحاث دولية من أن باكستان قد تجد نفسها عالقة في صراع نفوذ بين الإمارات والسعودية، خاصة بعد توقيع اتفاقية دفاع مشترك مع الرياض. ويبدو أن التموضع الباكستاني الجديد القريب من طهران والرياض في آن واحد قد أثار حفيظة أبوظبي التي تتبنى سياسة أكثر صرامة تجاه التمدد الإيراني.





Share your opinion
توترات مكتومة: الإمارات ترحل آلاف الباكستانيين الشيعة على خلفية الموقف من إيران