تشهد المنطقة تحولات متسارعة وضعت باكستان في واجهة المشهد السياسي كلاعب إقليمي مفاجئ، حيث برزت إسلام آباد كوسيط حيوي بين طهران وواشنطن. هذا الدور الجديد أثار جملة من المخاوف لدى أوساط الاحتلال الإسرائيلي، التي بدأت تراقب بحذر تنامي النفوذ السياسي والعسكري الباكستاني في قلب الشرق الأوسط.
وذكرت تقارير عبرية أن إسرائيل اعتادت لسنوات طويلة على أدوار الوساطة التقليدية التي تقودها دول عربية مثل قطر وعُمان ومصر. إلا أن دخول باكستان على خط الاتصالات المباشرة بين إيران والولايات المتحدة شكل مفاجأة استراتيجية للمؤسسة الأمنية والسياسية في تل أبيب، نظراً لثقل باكستان العسكري والنووي.
وتشير المصادر إلى أن اختيار باكستان كمضيف رئيسي للمحادثات جاء بعد تراجع أدوار وسطاء آخرين بسبب حساسيات إقليمية أو ضغوط ميدانية. وقد وصفت دوائر بحثية إسرائيلية هذا التحول بأنه تفعيل لخيار كان مطروحاً منذ سنوات طويلة، لكنه لم يُستخدم بفعالية إلا في المرحلة الراهنة تحت ضغط التصعيد العسكري.
من الناحية التاريخية، تؤدي إسلام آباد دور الوسيط الهادئ بين واشنطن وطهران منذ نحو عقدين، خاصة في الملف النووي الإيراني الشائك. كما تتولى باكستان رعاية المصالح القنصلية الإيرانية في الولايات المتحدة منذ عام 1980، مما منحها قناة اتصال مستقرة وموثوقة لدى الطرفين المتنازعين.
ويرى مراقبون أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يميل للاعتماد على الدور الباكستاني في المرحلة الحالية، معتقداً أن الباكستانيين يمتلكون فهماً أعمق للعقلية الإيرانية. هذا التوجه الأمريكي يعزز من مكانة إسلام آباد الإقليمية ويمنحها أوراق ضغط إضافية في ملفات الصراع الدائرة في المنطقة.
على الصعيد الداخلي، تفرض الحرب وتداعياتها أثماناً باهظة على باكستان، مما دفعها للتحرك الدبلوماسي المكثف لتجنب الانفجار. فقد اضطرت السلطات لإغلاق المدارس والتحول للتعليم عن بُعد لفترات طويلة، في محاولة للسيطرة على الأوضاع الأمنية والاجتماعية المتوترة نتيجة الصراع الإقليمي.
وتخشى القيادة الباكستانية من انعكاس التوترات الإقليمية على النسيج الاجتماعي الداخلي، خاصة مع وجود ثاني أكبر تجمع شيعي في العالم على أراضيها. وترتبط هذه الأقلية بعلاقات وثيقة مع إيران، مما يجعل أي مواجهة مباشرة بين طهران والقوى الإقليمية تهديداً مباشراً للاستقرار الداخلي في باكستان.
باكستان لا تعتبر إسرائيل جزءاً من المجال الشرعي، بل ترى نفسها دولة تسعى لتوحيد العالم الإسلامي في مواجهة القوى غير الإسلامية.
وفي سياق التحالفات، عززت اتفاقية الدفاع الموقعة بين باكستان والسعودية في سبتمبر الماضي من تموضع إسلام آباد في المعسكر العربي والخليجي. وقد ترافق هذا التعاون العسكري مع دعم مالي سعودي كبير ساهم في إنعاش الاحتياطات النقدية الباكستانية وسط أزمة تضخم خانقة تعصف بالبلاد.
وتستخدم باكستان التزاماتها الأمنية تجاه دول الخليج كأداة للمناورة والضغط على الجانب الإيراني لتقديم تنازلات سياسية. وتجد طهران نفسها أمام معادلة صعبة، حيث تدرك أن استمرار التصعيد قد يدفع باكستان للانخراط بشكل أعمق في أي تحرك عسكري خليجي دفاعي.
ورغم ميلها الواضح للجانب الأمريكي والسعودي، تحاول باكستان الحفاظ على توازن دقيق يمنع الصدام المباشر مع جارتها إيران. هذه القدرة على المناورة بين الأطراف المتناقضة هي ما يمنح الدبلوماسية الباكستانية ميزة تنافسية قد تعجز عنها دول إقليمية أخرى في الوصول إلى تفاهمات مستدامة.
وفيما يخص الموقف من إسرائيل، تؤكد التقارير أن العداء للاحتلال متجذر في الهوية الاستراتيجية والسياسية لباكستان. وتنظر إسلام آباد إلى نفسها كقوة تسعى لتوحيد العالم الإسلامي، ولا تعترف بشرعية وجود الكيان الإسرائيلي في المنطقة، وهو ما تعبر عنه تصريحات مسؤوليها بشكل متكرر.
وقد أثارت تصريحات وزير الدفاع الباكستاني التي هاجم فيها إسرائيل بشدة خلال جولات التفاوض غضباً واسعاً في مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي. واعتبرت تل أبيب تلك التصريحات 'فضيحة' تتنافى مع ادعاءات الحياد التي تحاول باكستان تسويقها في دورها كوسيط دولي.
ويبرز دور المؤسسة العسكرية الباكستانية كلاعب حاسم في صياغة هذه السياسة الخارجية، حيث يتمتع الجيش بنفوذ واسع يتجاوز الحكومة المدنية. ويقود قائد الجيش عاصم منير جهوداً دبلوماسية مكوكية، حاملاً رسائل بين العواصم الكبرى لترتيب جولات التفاوض المقبلة وإنهاء حالة الحرب.
في الختام، يبدو أن المؤسسة العسكرية التي شكلت ملامح السياسة الداخلية الباكستانية لعقود، تسعى الآن لفرض رؤيتها على الصعيد الدولي. ومن خلال دفع واشنطن وطهران نحو اتفاق شامل، تأمل باكستان في تأمين مصالحها الاستراتيجية والاقتصادية بعيداً عن نيران الحروب الإقليمية المشتعلة.





Share your opinion
لماذا يخشى الاحتلال الإسرائيلي تعاظم الدور الباكستاني في الشرق الأوسط؟