شهدت أروقة مجلس النواب المصري حالة من الغضب الواسع خلال جلسة مناقشة الحساب الختامي لموازنة السنة المالية المنتهية، حيث تصدرت سياسات الاقتراض المتزايدة مشهد النقاشات. ورغم الانتقادات الحادة التي وجهتها أحزاب المعارضة والمستقلون، مرر المجلس اتفاقية قرض جديد مع الجانب الياباني بقيمة 100 مليار ين مخصصة لاستكمال أعمال الخط الرابع لمترو الأنفاق.
وتشير البيانات الرسمية التي نوقشت خلال الجلسة إلى ارتفاع مقلق في حجم الدين الخارجي، الذي سجل نحو 163.9 مليار دولار بنهاية الربع الأخير من العام الماضي. ويعكس هذا الرقم زيادة مطردة مقارنة بالأعوام السابقة، حيث قفز الدين بنحو 8.8 مليارات دولار خلال عام واحد فقط، مما يضع ضغوطاً هائلة على الاحتياطيات النقدية والسياسة المالية للدولة.
وحذر النائب ضياء الدين داوود من وصول الاقتصاد إلى مرحلة "قنبلة الدين"، مشيراً إلى أن خدمة الديون باتت تلتهم وحدها نحو 65% من إجمالي استخدامات الموازنة العامة. وانتقد داوود غياب الجدية في ترشيد الإنفاق الحكومي، ضارباً المثل بزيادة عدد المستشارين في بعض الوزارات الخدمية والاستثمارية رغم الوعود بالتقشف.
من جانبه، أكد النائب عاطف المغاوري، رئيس الهيئة البرلمانية لحزب التجمع أن الحساب الختامي كشف عن خلل هيكلي عميق في إدارة الاقتصاد القومي. وأوضح أن الاعتماد المفرط على القروض لسداد التزامات سابقة يعيق أي فرصة لتحقيق تنمية حقيقية، خاصة وأن الأجور لا تنال سوى 34% من الإنفاق العام بسبب التضخم المتصاعد.
وفي مداخلة نارية، وصف النائب محمد عبد العليم داوود ما ورد في تقارير الجهاز المركزي للمحاسبات بأنه يرقى لمرتبة "الجرائم ضد المال العام". واعتبر أن السياسات الحالية تجعل الدولة تعمل لصالح البنوك الأوروبية والدائنين الخارجيين، بينما يتحمل المواطن البسيط الكلفة عبر الضرائب المرتفعة وغلاء المعيشة المستمر.
وكشف نواب المعارضة عن أرقام صادمة تتعلق بخسائر الهيئات الاقتصادية، حيث بلغت خسائر 11 هيئة نحو 16 مليار جنيه من أموال دافعي الضرائب. كما أشاروا إلى أن إجمالي الخسائر المرحلة لـ 25 هيئة اقتصادية وصل إلى 267 مليار جنيه، وهي مبالغ كان يمكن توجيهها لتحسين قطاعات الصحة والتعليم المتهالكة.
وانتقد البرلماني فريد البياضي تحول بعض الهيئات الحكومية إلى ما وصفه بـ "البلاعات المالية" التي تستنزف موارد الدولة دون تقديم عوائد ملموسة. وتساءل البياضي عن مستقبل الاقتصاد في ظل وصول الدين العام إلى 95% من إجمالي الناتج المحلي، معتبراً أن الاستمرار في هذا النهج يمثل تهديداً مباشراً للأجيال القادمة.
نحن نعمل لحساب الخارج وبنوك أوروبا، نقترض قروضاً يسددها الشعب المصري بزيادة الضرائب والأسعار وفرض الجباية.
وفي سياق متصل، لفت النائب حسن عمار إلى وجود قروض دولية تم الحصول عليها بالفعل دون أن يتم استغلالها في المشروعات المخصصة لها، مما يراكم فوائد وعمولات ارتباط بلا طائل. وأكد أن المواطن المصري لا يشعر بأي أثر إيجابي لهذه المليارات المقترضة على مستوى الخدمات الأساسية أو جودة الحياة اليومية.
وتطرق النواب أيضاً إلى تعثر مشروعات قومية كبرى، مثل وجود 19 محطة للطاقة الشمسية تعاني من عيوب فنية حالت دون تشغيلها لسنوات طويلة. واعتبروا أن هذه النماذج تعكس سوء التخطيط وإهدار المال العام في مشروعات لا تدخل الخدمة رغم تحمل الدولة لأعباء تمويلها الخارجية.
وعلى الجانب الآخر، دافع عاصم الجزار، وكيل مجلس النواب، عن الأداء الحكومي معتبراً أن الحساب الختامي يعكس جهداً كبيراً في ظل ظروف دولية وإقليمية معقدة. ورأى الجزار أن الموازنة الحالية تنجح في الحفاظ على الاستقرار المالي للدولة، وإن كانت لا تزال تكافح لصناعة انطلاقة اقتصادية كبرى بسبب الالتزامات المتراكمة.
وأوضح الجزار أن التحدي الحقيقي يكمن في ضرورة تحقيق معدلات نمو تفوق وتيرة نمو الدين العام، وهو أمر يتطلب تغييرات جذرية في هيكل الاستثمار. وأشار إلى أن جزءاً كبيراً من رأس المال المحلي يتجه نحو الاستثمار العقاري غير المنتج، بدلاً من توجيهه إلى القطاعات الصناعية والتصديرية التي تخلق قيمة مضافة.
وطالب وكيل المجلس بضرورة اتخاذ قرارات قد تبدو قاسية لإعادة هيكلة الحوافز الاقتصادية وتشجيع التحول نحو الاقتصاد الإنتاجي. وأكد أن معالجة الاختلالات تتطلب مراجعة شاملة للتشريعات القائمة، بما في ذلك قوانين الإيجار القديم، لضمان كفاءة السوق وجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة بعيداً عن أدوات الدين.
ورغم هذه التبريرات، أصر نواب المعارضة على رفض الحساب الختامي، مؤكدين أن رضا المواطن وقدرته على تلبية احتياجات أسرته هما المعيار الوحيد لنجاح أي سياسة اقتصادية. وشددوا على أن المال العام أمانة تستوجب المحاسبة الدقيقة، خاصة في ظل تقارير رقابية تكشف عن ثغرات واسعة في أوجه الإنفاق.
واختتمت الجلسة بالموافقة الرسمية على الحساب الختامي بأغلبية الأصوات، مع التوصية بضرورة التزام الحكومة بتنفيذ ملاحظات البرلمان والجهاز المركزي للمحاسبات. وتبقى أزمة الديون الخارجية الملف الأكثر سخونة في المشهد المصري، وسط ترقب لمدى قدرة الحكومة الجديدة على كبح جماح الاقتراض وتنشيط القطاعات الإنتاجية.





Share your opinion
سجال حاد في البرلمان المصري حول "قنبلة" الديون الخارجية وخسائر الهيئات الاقتصادية