أفادت تقارير صحفية عبرية بأن المؤسسة الأمنية والإعلامية في إسرائيل تواجه صعوبة متزايدة في استيعاب طبيعة التحول الراهن في المواجهة مع إيران. وأوضحت المصادر أن الحرب لم تعد تقتصر على الصدام العسكري المباشر، بل انتقلت بشكل مكثف إلى الفضاء الرقمي والمعرفي الذي بات ساحة المعركة الأساسية.
وتشير صحيفة 'معاريف' إلى أن طهران بدأت بتطبيق نموذج مستوحى من استراتيجية 'الفيت كونغ' التي استُخدمت في حرب فيتنام ضد الولايات المتحدة. وتعتمد هذه الرؤية على إدراك استحالة التفوق في مواجهة عسكرية تقليدية، والتركيز بدلاً من ذلك على تقويض شرعية الخصم من الداخل عبر الحرب النفسية.
الهدف الاستراتيجي الإيراني، بحسب التحليل العبري، لا يرمي إلى تدمير القوات العسكرية في الميدان فحسب، بل يسعى إلى هزيمة الإرادة السياسية والشعبية في الدول الداعمة لإسرائيل. ويتم ذلك من خلال استهداف الرأي العام العالمي، وتحديداً الجمهور الأمريكي، لدفعه نحو اتخاذ مواقف مناهضة للسياسات الإسرائيلية.
وتستغل طهران حالة الاستقطاب السياسي الحاد داخل الولايات المتحدة، معتبرة إياها ثغرة أمنية ونقطة ضعف يمكن النفاذ منها. ولا تسعى الدعاية الإيرانية إلى ترويج الأيديولوجيا الدينية، بل تركز على تعميق الانقسامات المجتمعية ودفع الفئات المحايدة نحو تبني خطاب معادٍ للحرب.
ومن أبرز ملامح هذا التطور التكنولوجي هو استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي لإنتاج محتوى دعائي متطور يحاكي الثقافة الشعبية الغربية. وتبرز حملة 'ليغو راب' كأحد الأمثلة التي وظفتها إيران لتصوير القادة الغربيين في قوالب ساخرة تجذب فئات الشباب والمراهقين.
تعتمد هذه المقاطع المصورة على شخصيات 'الليغو' الشهيرة مصحوبة بموسيقى راب رائجة، مما يجعلها تبدو كمنتج ثقافي أمريكي عفوي. هذا التمويه يهدف إلى اختراق الدفاعات النفسية للمشاهد الذي قد يرفض الدعاية المباشرة، لكنه يتقبل المحتوى الساخر الذي ينتشر بسرعة البرق.
وتؤكد المصادر أن المحتوى الإيراني الرقمي يتصرف وكأنه نتاج لمعارضة داخلية في الولايات المتحدة أو أوروبا، مما يمنحه مصداقية زائفة لدى المتلقي. هذا النجاح في التخفي يسمح للرسائل الإيرانية بالتغلغل في صلب الخطاب العام عبر منصات التواصل الاجتماعي دون إثارة ريبة الرقابة.
الحملة انتقلت من المجال المادي إلى الفضاء الرقمي والمعرفي، حيث تُخاض معركة معقدة للتأثير على الرأي العام العالمي.
إن القدرة الإيرانية على إنتاج مواد تلبي الاحتياجات العاطفية للجمهور المستهدف تعكس تطوراً كبيراً في فهم سيكولوجية الجماهير. فبدلاً من الخطابات التقليدية، يتم استخدام 'الميمات' والمقاطع القصيرة التي تثير السخرية من الحلفاء الغربيين لإسرائيل وتظهرهم بمظهر الضعف.
ويرى المحللون في تل أبيب أن هذه المعركة المعرفية تمثل تحدياً وجودياً، لأنها تؤثر على التحالفات الاستراتيجية طويلة الأمد. فإضعاف الدعم الشعبي في واشنطن يعني بالضرورة تقليص هامش المناورة العسكرية والسياسية لإسرائيل في المنطقة، وهو ما تسعى إليه إيران بذكاء.
وتشير الصحيفة إلى أن التكنولوجيا الرقمية وفرت لإيران 'سلاحاً غير متماثل' يعوض الفجوة في القوة العسكرية التقليدية. فبواسطة خوارزميات الذكاء الاصطناعي، يمكن توجيه رسائل مخصصة لكل فئة اجتماعية في الغرب بناءً على اهتماماتها وتوجهاتها السياسية.
هذا النوع من الحروب الهجينة يجعل من الصعب تحديد مصدر الهجوم أو التصدي له بالوسائل الدفاعية التقليدية. فالمحتوى الذي يبدو ترفيهياً في ظاهره يحمل في طياته رسائل سياسية عميقة تهدف إلى شيطنة التحركات العسكرية الإسرائيلية وتصويرها كعبء على دافع الضرائب الغربي.
وتضيف المصادر أن إيران نجحت في بناء منظومة إعلامية رقمية تعمل على مدار الساعة لتغذية الروايات المناهضة لإسرائيل. وتعتمد هذه المنظومة على سرعة الاستجابة للأحداث الميدانية وتحويلها فوراً إلى مواد بصرية جذابة تنتشر عالمياً قبل صدور الرواية الرسمية المضادة.
إن اختيار مكعبات 'الليغو' تحديداً يعكس دهاءً في التصميم، كونها مرتبطة بذاكرة الطفولة والبراءة، مما يقلل من حدة الحذر لدى المشاهد. وعندما يتم دمج هذه الرموز مع موسيقى الراب، يصبح المحتوى 'ترند' عالمي يصعب محاصرته أو حذفه من المنصات الرقمية.
في الختام، تحذر الأوساط العبرية من أن إسرائيل قد تجد نفسها منتصرة في بعض المعارك الميدانية، لكنها تخسر المعركة الأكبر على وعي الشعوب. فالسلاح الإيراني الجديد لا يقتل الأجساد، بل يفكك التحالفات ويغير القناعات، وهو ما يمثل ذروة نموذج 'الفيت كونغ' في العصر الرقمي.





Share your opinion
صحيفة عبرية: إيران توظف الذكاء الاصطناعي ونموذج 'الفيت كونغ' لتقويض إسرائيل رقمياً