Tue 05 May 2026 7:08 am - Jerusalem Time

ترويض الجنون على الخشبة: كيف أعاد محمد صبحي صياغة 'هاملت' الشكسبيرية؟

يُعد تجسيد الفنان محمد صبحي لشخصية 'هاملت' على المسرح في منتصف السبعينيات محطة فارقة في تاريخ المسرح المصري المعاصر. فمن خلال فرقته 'ستوديو الممثل'، قدم صبحي رؤية إخراجية وإعداداً خاصاً للنص الشكسبيري الخالد، محققاً توازناً دقيقاً بين القيمة الفنية الرفيعة والجماهيرية الواسعة. وقد أتاح تصوير هذا العرض للأجيال المتعاقبة فرصة مشاهدة طاقة إبداعية استثنائية لفنان ارتبط وجدانياً بالجمهور عبر عقود من العطاء المسرحي والسينمائي.

تميز أداء صبحي في 'هاملت' بقدرة فائقة على ترويض مفهوم الجنون وتوظيفه درامياً بما يخدم تصاعد الأحداث. فقد نجح في التنقل بين قناع الجنون الذي يرتديه الأمير الدنماركي للمناورة، وبين لحظات الانهيار النفسي الحقيقي والحيرة الوجودية. هذا الأداء جعل المشاهد في حالة تساؤل مستمر حول الحد الفاصل بين التمثيل والواقع داخل الشخصية، وهو ما يعكس أستاذية صبحي وفهمه العميق لأغوار النفس البشرية كما رسمها شكسبير.

لعب التكوين الجسماني لمحمد صبحي في تلك الفترة دوراً جوهرياً في إضفاء المصداقية على شخصية الأمير الشاب المحزون. فبجسده النحيل ومرونته الفائقة، استطاع تطويع حركاته لتتطابق مع الانفعالات الداخلية المتضاربة، من السكون التام الذي يوحي بالموت والوحدة، إلى الانفجارات الحركية العنيفة. ويظهر ذلك بوضوح في مشهد ظهور شبح الأب، حيث تحول جسده إلى كتلة من القلق والاشتعال الحركي تعبيراً عن ثقل أمانة الانتقام.

لم يقتصر تميز العرض على البطل وحده، بل امتد ليشمل طاقماً تمثيلياً أثرى التجربة بأداء رصين ومحترف. فقد قدمت الراحلة نيفين رامز دور 'أوفيليا' بحساسية عالية، بينما جسدت هناء الشوربجي دور الملكة الأم ببراعة رغم صغر سنها آنذاك. كما برز أحمد ماهر في دور العم القاتل 'كلوديوس'، وعماد رشاد في دور 'لايرتس'، مما خلق نسيجاً درامياً متكاملاً تحت قيادة صبحي الإخراجية التي التزمت بروح النص الأصلي.

في الجانب التقني واللغوي، اعتمد صبحي لغة عربية فصيحة ورصينة بعيدة عن التكلف أو الغنائية المبالغ فيها، مما سهل وصول المعاني الفلسفية العميقة للجمهور. ركز الإلقاء على الوضوح والتكثيف الدرامي، خاصة في المونولوجات الشهيرة التي تمثل ذروة المأساة. هذا الأسلوب في الأداء الصوتي ساعد في إبراز التناقضات النفسية لهاملت، وجعل من النص الكلاسيكي مادة حية قادرة على ملامسة قضايا العصر ومنحنيات الواقع.

تجلت عبقرية صبحي الحركية في مشاهد المواجهات المباشرة مع شخوص المسرحية، حيث كانت لغة الجسد تتغير وفقاً لطبيعة العلاقة. فمع 'أوفيليا' نجد حركات مترددة وغير مكتملة تعكس الصراع بين الحب والنفور، بينما يتحول الجسد إلى أداة حصار ومواجهة حادة في مشهد غرفة نوم الأم. أما في مواجهة العم، فقد اتسمت الحركة بالحذر الشديد لخلق مسافة أمان تمنع وقوعه تحت سيطرة القاتل، مما يظهر دقة التخطيط الإخراجي لكل إيماءة.

يعتبر هذا العرض مرجعاً مهماً لطلبة التمثيل والإخراج، حيث يجسد نصائح شكسبير نفسها التي وضعها على لسان هاملت حول فن الأداء. فقد ابتعد صبحي عن الصراخ والزعيق المفتعل، ملتزماً بالأداء السلس حتى في اللحظات العاصفة، ومحققاً التوسط بين الحدة واللين. إن قدرة صبحي على تقديم أعقد النصوص العالمية بأسلوب يستسيغه الجمهور العام تؤكد مكانته كأحد كبار رجال المسرح الذين حافظوا على بريق هذا الفن في فترات حرجة.

ختاماً، تظل مسرحية 'هاملت' برؤية محمد صبحي شهادة على عصر ذهبي للمسرح المصري كان فيه الفنان يمتلك الرؤية الشاملة كمنتج ومخرج وممثل. إن ترويض الجنون على الخشبة لم يكن مجرد أداء تمثيلي، بل كان رحلة لاكتشاف جماليات المسرح وأسراره الكاشفة. وبقاء هذا العمل متاحاً للمشاهدة اليوم يعد استعادة لذكرى فنية غنية تؤكد أن الفن الحقيقي هو الذي يضع مرآة أمام الطبيعة البشرية ليرسم خطوط الزمان الذي نعيش فيه.

Tags

Share your opinion

ترويض الجنون على الخشبة: كيف أعاد محمد صبحي صياغة 'هاملت' الشكسبيرية؟

Newsletter

Be the first to know the most important breaking news as it happens.

Stay up to date with the latest news. Subscribe to our breaking news service delivered to your inbox daily.

By subscribing, you agree to our Terms and Conditions and Privacy Policy.