Tue 28 Apr 2026 12:20 pm - Jerusalem Time

توازنات القوقاز: لماذا اختارت أذربيجان وإيران التهدئة رغم الحوادث العسكرية؟

برزت في الآونة الأخيرة مخاوف جدية من انزلاق العلاقات بين أذربيجان وإيران نحو مواجهة عسكرية مباشرة، خاصة في ظل تصاعد التوترات الإقليمية واتساع رقعة الصراعات في الشرق الأوسط. ورغم وقوع حوادث ميدانية وتصعيد لفظي متبادل، آثر الطرفان الانخراط في قنوات دبلوماسية هادئة، مدفوعين بحسابات معقدة تتعلق بالمصالح المشتركة والتوازنات الداخلية الحساسة.

ويرى خبراء في الشؤون الجيوسياسية أن وجود جالية أذربيجانية ضخمة داخل الأراضي الإيرانية يمثل عامل ضغط وتهدئة في آن واحد، حيث تدرك طهران أن أي صدام مع باكو قد يثير اضطرابات داخلية واسعة. ومع استمرار الحرب وتغير موازين القوى، يجد جيران إيران أنفسهم مضطرين للتعامل مع تداعيات الصراع الجديد بحذر يمنع امتداد النيران إلى منطقة القوقاز.

وعلى الرغم من الهشاشة التي تتسم بها العلاقات بين أرمينيا وأذربيجان، إلا أن البلدين سعيا حتى الآن للحفاظ على موقف محايد تجاه الصراعات الكبرى المحيطة بهما. ومع ذلك، لم تخلُ المنطقة من احتكاكات خطيرة، كان أبرزها ما جرى في مطلع مارس الماضي حينما اخترقت طائرات مسيرة إيرانية الأجواء الأذربيجانية واستهدفت منشآت حيوية.

وقد طال الهجوم الجوي مطار ناخيتشيفان الدولي في الجمهورية ذاتية الحكم التابعة لأذربيجان، بالإضافة إلى تقارير عن إصابة مدرسة في منطقة شكاراباد، مما أسفر عن إصابات بين المدنيين وأضرار مادية جسيمة. ورغم خطورة الحادثة، إلا أن رد الفعل في باكو وطهران لم يتجاوز التصعيد اللفظي المؤقت، ليعقبه حوار دبلوماسي مكثف حال دون تفاقم الأوضاع.

وفي خطوة لتعزيز بناء الثقة وتقليل حدة التوتر، اختارت الحكومة الأذربيجانية انتهاج مسار المساعدات الإنسانية بدلاً من الرد العسكري. وأرسلت باكو مئات الأطنان من المواد الغذائية والإمدادات الطبية إلى المناطق الإيرانية المتضررة، مستهدفة بشكل خاص السكان في المحافظات الشمالية التي يقطنها الأذربيجانيون، تزامناً مع مناسبات دينية واجتماعية.

وتشير التقارير إلى أن استمرار هذا الهدوء النسبي يعتمد بشكل كبير على مستقبل المواجهة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى. كما يلعب أمن الملاحة في مضيق هرمز دوراً محورياً في تحديد بوصلة العلاقات الثنائية، حيث تراقب باكو عن كثب أي تطور قد يؤدي إلى جولة جديدة من القتال الشامل.

تاريخياً، تعود العلاقات الرسمية بين البلدين إلى نهاية عام 1991 عقب استقلال أذربيجان، ومنذ ذلك الحين شهدت العلاقة تذبذباً بين التعاون والريبة. وقد أنشأت باكو مجموعات عمل برلمانية لتعزيز التواصل، إلا أن قضية الملايين من الأذربيجانيين الذين يعيشون في محافظات مثل أردبيل وزنجان تظل ملفاً شائكاً في حسابات الأمن القومي الإيراني.

وتخشى السلطات في طهران من تنامي النزعات القومية أو المطالب بالحكم الذاتي بين الأقليات العرقية، مما يدفعها أحياناً لتبني نهج قمعي تجاه استخدام اللغة والتقاليد الأذربيجانية. هذا القلق الأمني يضاعف من حساسية أي تقارب بين باكو والقوى الغربية، حيث تنظر إيران إلى هذه التحركات بعين الريبة والشك الدائمين.

إلى جانب التحديات السياسية، تعاني المناطق الشمالية في إيران من أزمات بيئية حادة، أبرزها جفاف بحيرة أرومية الذي خلق أزمة مياه خانقة للسكان المحليين. هذه الأزمات تزيد من الضغوط على الحكومة الإيرانية التي كانت تفكر بالفعل في نقل العاصمة من طهران، مما يجعلها أقل رغبة في فتح جبهة صراع خارجية جديدة مع جارتها الشمالية.

وفي سياق متصل، حذر باحثون في مؤسسات دولية من أن النظام الإيراني قد يتجه نحو مزيد من التشدد الداخلي عقب انتهاء العمليات العسكرية الخارجية. ويرى محللون أن عقلية 'البقاء' قد تدفع طهران لفرض إجراءات قمعية مشددة لضمان عدم حدوث انتفاضات شعبية أو محاولات انقلاب مدني في ظل الدمار الاقتصادي الذي خلفته الحرب.

وتسري شائعات حول محاولات دولية لتعبئة الأقليات العرقية داخل إيران، مما يعزز من فرضية تبني سياسات أكثر قسوة تجاه المجموعات التي يشتبه في عدم ولائها المطلق للمركز. وفي ظل انقطاع الإنترنت المتكرر، يصعب على المراقبين الدوليين الحصول على معلومات دقيقة حول حجم الانتهاكات أو الأنشطة القمعية التي قد تستهدف الأذربيجانيين أو غيرهم.

أما بالنسبة لمستقبل العلاقات بين طهران وباكو، فإن الكلمة الفصل ستكون لمسار الصراع الإقليمي العام وقدرة الطرفين على ضبط النفس. باكو من جانبها ستواصل السعي للبقاء بعيداً عن محاور الحرب، بينما تدرك طهران أن فتح ساحة عسكرية في القوقاز سيكلفها الكثير في وقت تواجه فيه ضغوطاً هائلة على جبهات متعددة.

في نهاية المطاف، يبقى المدنيون في كلا البلدين هم الحلقة الأضعف في هذه المعادلة الجيوسياسية المعقدة. ورغم المساعدات الإنسانية والجهود الدبلوماسية، فإن المعاناة الناجمة عن التوترات السياسية والأزمات البيئية لا تزال تلقي بظلالها على حياة الملايين، في انتظار استقرار دائم قد لا يكون قريباً في ظل الظروف الراهنة.

Tags

Share your opinion

توازنات القوقاز: لماذا اختارت أذربيجان وإيران التهدئة رغم الحوادث العسكرية؟

Newsletter

Be the first to know the most important breaking news as it happens.

Stay up to date with the latest news. Subscribe to our breaking news service delivered to your inbox daily.

By subscribing, you agree to our Terms and Conditions and Privacy Policy.