شهدت الساحة الثقافية العربية اليوم الخميس إعلان لجنة تحكيم الجائزة العالمية للرواية العربية عن فوز الكاتب الجزائري سعيد خطيبي بالمركز الأول في دورتها التاسعة عشرة لعام 2026. وقد جاء هذا التتويج عن روايته الموسومة بـ «أغالب مجرى النهر»، والتي صدرت عن دار هاشيت أنطوان في العاصمة اللبنانية بيروت.
وأوضحت لجنة التحكيم، التي يحظى نشاطها برعاية مركز أبو ظبي للغة العربية في دولة الإمارات أن العمل الفائز يمثل رحلة أدبية عميقة تغوص في ثنايا التاريخ الجزائري المعقد. وأشارت اللجنة في مسوغات منح الجائزة إلى أن الرواية نجحت في رصد الإرهاصات التي سبقت حقبة العشرية السوداء بأسلوب سردي يتسم بالسلاسة والتدفق.
وفي بيانها الرسمي، وصفت اللجنة العمل بأنه يقدم شذرات من لوحة غائمة تتطلب من القارئ إعادة تركيبها لفهم اللحظات التاريخية المتفلتة التي مرت بها البلاد. واعتبر النقاد أن خطيبي استطاع من خلال نصه اختزال معانٍ إنسانية وسياسية عميقة ترتبط بالهوية والذاكرة الوطنية الجزائرية.
تتمحور أحداث الرواية حول مسارين متوازيين في مدينة الجزائر العاصمة، حيث تبرز شخصية طبيبة عيون متهمة باستخدام قرنيات مسروقة من الموتى لعلاج مرضاها. وتتعقد الحبكة الدرامية مع اتهام هذه الطبيبة بقتل زوجها، مما يفتح الباب أمام تساؤلات أخلاقية وقانونية متشابكة داخل النص الروائي.
أما المسار الثاني فيتتبع قصة والد الطبيبة، وهو مقاتل سابق في صفوف المقاومة الجزائرية يجد نفسه في مواجهة اتهامات قاسية بالخيانة الوطنية. ومن خلال هذا التداخل بين الشخصيتين، يستعرض الكاتب تحولات المجتمع الجزائري وصراعاته الداخلية عبر أجيال مختلفة.
تمتد الحقبة الزمنية التي تغطيها الرواية من سنوات الحرب العالمية الثانية وصولاً إلى تسعينيات القرن العشرين، وهي الفترة المعروفة بالعشرية السوداء. ويسلط النص الضوء على أعمال العنف والمواجهات الدامية التي دارت بين الجماعات المتشددة وأجهزة الدولة، موثقاً أثر تلك الصراعات على النسيج الاجتماعي.
وكانت المنافسة قد احتدمت في فبراير الماضي بعد وصول خمس روايات من الجزائر والعراق ولبنان ومصر إلى القائمة القصيرة للجائزة. وقد تولت لجنة تحكيم مكونة من خمسة أعضاء، برئاسة الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، مهمة تقييم الأعمال واختيار الرواية الأحق باللقب لهذا العام.
الرواية رحلة آسرة عكس مجرى التاريخ، تتسلل بسلاسة في إرهاصات ما حدث في الجزائر قبيل العشرية السوداء.
وعلى صعيد المكافآت المالية، يحصل كل كاتب وصل إلى القائمة القصيرة على مبلغ 10 آلاف دولار أمريكي تقديراً لتميز عمله الأدبي. وبموجب الفوز بالمركز الأول، تضاف 50 ألف دولار أخرى إلى رصيد سعيد خطيبي، مع التزام الجائزة بترجمة الرواية إلى لغات عالمية عدة.
وفي كلمة مسجلة بثت عبر الإنترنت، أشار ياسر سليمان، رئيس مجلس أمناء الجائزة، إلى أن الظروف الراهنة حالت دون إقامة الحفل التقليدي في العاصمة الإماراتية. وأوضح أن العادة جرت على إعلان النتائج بالتزامن مع معرض أبوظبي الدولي للكتاب، إلا أن المستجدات فرضت تغييراً في الخطط.
وعزا سليمان تعذر إقامة الفعالية في موعدها المعتاد إلى الأوضاع الأمنية المتوترة في منطقة الخليج العربي نتيجة تداعيات حرب إيران. وأكد أن هذه الظروف الاستثنائية أدت رسمياً إلى تأجيل انعقاد معرض أبوظبي للكتاب حتى شهر سبتمبر المقبل، بدلاً من موعده الربيعي المعتاد.
يُذكر أن الجائزة العالمية للرواية العربية تعد من أرفع الجوائز الأدبية في المنطقة، وقد ذهبت في سنواتها الأخيرة لمبدعين من مختلف الأقطار العربية. ومن بين الأسماء التي حصدت اللقب سابقاً الأردني جلال برجس والليبي محمد النعاس، مما يعكس تنوع المدارس الروائية الفائزة.
كما شهدت الدورات الماضية حضوراً فلسطينياً لافتاً بفوز الروائي الأسير باسم خندقجي، بالإضافة إلى تتويج المصري محمد سمير ندا في نسخ سابقة. وتستمر الجائزة في أداء دورها كمنصة رئيسية لتسليط الضوء على الإبداع السردي العربي وتقديمه للجمهور العالمي عبر الترجمة.
ويعد فوز سعيد خطيبي إضافة هامة للمدونة الروائية الجزائرية التي طالما تميزت بقدرتها على معالجة القضايا التاريخية والسياسية بجرأة فنية. وقد لاقى الخبر ترحيباً واسعاً في الأوساط الثقافية العربية، معتبرين أن الرواية الفائزة تشكل إضافة نوعية للمكتبة العربية المعاصرة.
ختاماً، يترقب القراء صدور النسخ المترجمة من «أغالب مجرى النهر» للتعرف على الرؤية الفنية التي قدمها خطيبي حول تاريخ بلاده. وتظل الجائزة، رغم التحديات الأمنية والسياسية في المنطقة، منارة ثقافية تسعى لتعزيز الحوار الأدبي وتكريم المبدعين العرب في شتى بقاع الأرض.





Share your opinion
سعيد خطيبي يقتنص الجائزة العالمية للرواية العربية 2026 برواية «أغالب مجرى النهر»