تبرز الضرورة الملحة في العصر الراهن لتبني منهج علمي رصين في فهم مقاصد الشريعة الإسلامية، خاصة في ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها الأمة. ولا يمكن إدراك جوهر النصوص الشرعية بالاكتفاء بظواهرها اللفظية، بل يجب الغوص في حكمتها وغاياتها التي تحقق العدل والمصلحة.
لقد سار العلماء الراسخون منذ عهد الصحابة على منهجية تجمع بين الدلالات اللغوية والقياسية والمقاصدية في استنباط الأحكام. هذا التكامل يضمن تطبيق الشريعة بروحها لا بمجرد أشكالها، مما يحمي الفقه من الانزلاق نحو تأويلات بعيدة عن الحكمة الإلهية ومقاصد الرسالة.
تعتبر مقاصد الشريعة هي الشريعة ذاتها في حقيقتها، وليست عنصراً إضافياً خارجاً عنها. ومن يقف عند الألفاظ دون المعاني والمقاصد فإنه يتمسك بصورة مشوهة للدين، لأن الشريعة قائمة في أساسها على رعاية مصالح العباد في الدنيا والآخرة.
أجمع الفقهاء والأصوليون على أن أحكام الله تعالى لا تخلو من حكمة ومقصود، وأنها معللة بجلب المصالح ودرء المفاسد. وقد حكى سيف الدين الآمدي وابن الحاجب والشاطبي هذا الإجماع، مؤكدين أن التشريع وضع أساساً لاعتبار مصالح الخلق.
إن بعثة الرسل صلوات الله عليهم جاءت لتحقيق غاية كبرى وهي تكميل الخيرات وتقليل الشرور. وتتواطأ النصوص القرآنية والسنة النبوية على أن مجمل المقاصد يدور حول الإصلاح ومنع الفساد في الأرض، وهو ما يظهر جلياً في أوامر العدل والقسط.
تتنوع المصالح في المفهوم الشرعي لتشمل الجوانب الدنيوية والأخروية، والمادية والمعنوية، والفردية والجماعية. وهي لا تنحصر فيما يراه الناس مصلحة فحسب، بل تمتد لتشمل كل ما يحفظ مقصود الشارع ويوافق تصرفات الشريعة الكلية.
قسم العلماء المقاصد إلى ثلاث مراتب هي الضروريات والحاجيات والتحسينيات، ولكل مرتبة مكملاتها. وتأصلت هذه المراتب في القرآن الكريم وتفصلت في السنة النبوية، لتشكل إطاراً مرجعياً يحكم أولويات التشريع والعمل بمقتضياته.
الشريعة مبناها وأساسها على الحكَم ومصالح العباد، في المعاش والمعاد. وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها.
تتمثل الضروريات الخمس في حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال، وهي القواعد التي لا تنتظم الحياة بدونها. وإذا تعرضت هذه الأصول للخطر، فإن الحياة الفردية والجماعية تضطرب وتفسد، لذا كانت هي قطب الرحى في كل تشريع.
أما الحاجيات فهي المصالح التي يرفع وجودها الضيق والحرج عن الناس، وتوفر لهم السعة والطمأنينة في معاشهم. بينما تأتي التحسينيات لتضفي كمالاً وجمالاً على حياة الناس، وهي مرتبة تلي الضروريات والحاجيات في سلم الأولويات الشرعية.
هناك قاعدة ذهبية في الموازنة والترجيح تقضي بتقديم الضروري على الحاجي، والحاجي على التحسيني عند التعارض. فلا يجوز شرعاً ولا عقلاً التضحية بأصل ضروري من أجل مصلحة تحسينية، وبذلك تنضبط قواعد الاجتهاد في النوازل المعاصرة.
تنقسم الأحكام الشرعية إلى مقاصد ووسائل، حيث تتبع الوسائل مقاصدها في الحكم والرتبة. وعناية الشارع بالمقاصد أشد وأعظم، مما يوجب على المجتهد تقديم حفظ الغايات النهائية على الوسائل التي قد تتغير بتغير الأزمان والأحوال.
استنبط العلماء من هذه الرؤية قواعد فقهية كبرى مثل سد الذرائع وفتحها، وكلها تهدف لتحكيم المقاصد. وقد قرر الإمام الشاطبي أن بلوغ مرتبة الاجتهاد يتوقف على فهم المقاصد كمال الفهم والتمكن من الاستنباط بناءً عليها.
دعا العلامة الطاهر بن عاشور إلى جعل المقاصد علماً مستقلاً ليكون نبراساً للمتفقهين ومرجعاً عند اختلاف الأنظار. فالمقاصد تمثل الأدلة الضرورية التي ترفع اللجاج بين الفقهاء وتقرب وجهات النظر في المسائل الخلافية والنوازل الجديدة.
يظل مقصد العدل هو القيمة العليا التي تظهر في كل تفاصيل الشريعة، فأينما وجد العدل فثم شرع الله. إن إقامة القسط بين الناس هي الغاية من إرسال الرسل وإنزال الكتب، وهي المعيار الحقيقي لصحة أي اجتهاد أو تطبيق شرعي.





Share your opinion
المبادئ الأساسية والقضايا الاتفاقية في علم مقاصد الشريعة: رؤية تأصيلية