تتصاعد حدة التكهنات بشأن احتمالية تعرض الأراضي الإيرانية لهجوم بري واسع النطاق، خاصة مع استمرار التوترات الإقليمية ودخول المواجهات العسكرية مراحل متقدمة. وأمام هذه التهديدات، كشفت مصادر عسكرية عن تبني طهران لهيكل دفاعي أطلقت عليه وصف 'الفسيفسائي'، وهو نظام غير مركزي يعتمد على وحدات إقليمية مستقلة قادرة على العمل بمعزل عن القيادة المركزية.
يعتمد هذا النظام الدفاعي المعقد على تقسيم البلاد إلى 31 وحدة إقليمية تتطابق مع التقسيم الإداري للمحافظات، مما يمنح القادة الميدانيين صلاحية اتخاذ قرارات تكتيكية فورية. وتضم كل منطقة مستودعات مسبقة التجهيز من العتاد والذخيرة، لضمان استمرارية القتال حتى في حال انقطاع الاتصال بالعاصمة أو تدمير مراكز القيادة الهرمية.
ويتكون الهيكل الدفاعي، وفقاً لما نقلته مصادر إعلامية، من ثماني طبقات متمايزة صُممت خصيصاً لمواجهة العدوان الخارجي، مع تنسيق وثيق بين الحرس الثوري والجيش النظامي. وتهدف هذه التشكيلات إلى التصدي لهجمات المروحيات وعمليات الإنزال الجوي والبري، وتحويل أي تقدم للقوات المعادية إلى استنزاف مستمر في العمق الإيراني.
تعتبر قوات النخبة والقوات الخاصة خط الدفاع الأول والأقوى في هذه المنظومة، حيث تتولى مهام التعامل مع التهديدات المتقدمة والإنزالات المفاجئة. وتبرز في هذه الطبقة القوة الخاصة البحرية التابعة للحرس الثوري والمغاوير البحرية، التي تتمركز بشكل استراتيجي في الجزر والسواحل والمناطق الحساسة لصد أي هجوم من جهة البحر.
في الطبقتين الثانية والثالثة، تبرز ألوية الهجوم الجوي المعروفة بـ 'الهوابرد'، إلى جانب الفرق الجبلية والميكانيكية المدعومة بوحدات مدرعة ثقيلة. وتوفر هذه القوات غطاءً جوياً مباشراً عبر الطيران الحربي والمروحيات، مما يمنحها قدرة عالية على المناورة السريعة وتنفيذ دفاع مرن يتغير وفقاً لمجريات المعركة الميدانية.
أما الطبقة الرابعة، فتركز بشكل أساسي على تأمين الجبهة الداخلية وحماية المدن والمراكز الحضرية الكبرى من محاولات التسلل أو التخريب. وتتولى وحدات شرطة نخبوية متخصصة تابعة لقوى الأمن الداخلي هذه المهمة، حيث تعمل على إحباط أي نشاط معادي داخل النسيج العمراني وضمان استقرار المناطق الحيوية خلال فترات الحرب.
وتبرز في المستويات اللاحقة كتائب عسكرية ذات خبرات قتالية ميدانية واسعة، مثل كتائب الإمام الحسين وكتائب الإمام علي، التي تمتلك تجهيزات ثقيلة وقدرات عالية على تثبيت خطوط الدفاع. وتعمل هذه الوحدات كقوة صد رئيسية تمنع العدو من تحقيق اختراقات عميقة في الأراضي الإيرانية، وتعتمد على تكتيكات قتالية مجربة في صراعات سابقة.
الدخول إلى طبقات الدفاع الإيرانية يجعل الخروج منها مستحيلاً، والتصور بأن المواجهة ستكون مع جبهة واحدة متماسكة هو خطأ سطحي.
وتمثل الطبقة السابعة مخزوناً بشرياً وعسكرياً هاماً، حيث تضم قدامى المحاربين من قوات 'الباسيج' الذين يمتلكون خبرة ميدانية طويلة في التعامل مع مختلف الظروف القتالية. هؤلاء المقاتلون يشكلون ركيزة أساسية في نقل الخبرات للمتطوعين الجدد وإدارة العمليات الدفاعية في المناطق الريفية والحدودية الوعرة.
وفي الطبقة الثامنة والأخيرة، تأتي التعبئة الشعبية الشاملة التي تضم حالياً نحو مليون فرد مسلح ومنظم في المناطق الحدودية المهددة. وتشير المصادر إلى أن هذا العدد مرشح للارتفاع إلى عشرة ملايين متطوع في حال إعلان النفير العام، مما يجعل أي غزو بري يواجه كتلة بشرية هائلة مدربة على حرب العصابات والدفاع عن المناطق السكنية.
إلى جانب التشكيلات البشرية، جهزت إيران ساحات المعركة المحتملة بحقول ألغام ذكية متطورة في مواقع الإنزال المتوقعة لعرقلة تقدم قوات المارينز. كما تم تزويد وحدات المشاة بأنظمة دفاع جوي محمولة على الكتف لمواجهة المروحيات، بالإضافة إلى آلاف المجموعات المتنقلة التي تستخدم الدراجات النارية والشاحنات الصغيرة لضمان سرعة الحركة.
وتلوح طهران باستخدام ترسانتها من الصواريخ الدقيقة قصيرة المدى، وتحديداً عائلة صواريخ 'فاتح'، لضرب تجمعات القوات الغازية وخطوط إمدادها الخلفية. وتعتمد الاستراتيجية الإيرانية على استدراج القوات المعادية إلى معارك مدن طاحنة أو تضاريس جبلية قاسية، حيث تفقد الجيوش التقليدية ميزة التفوق التكنولوجي والغطاء الجوي المكثف.
أكد مسؤول عسكري إيراني أن هذا الهيكل متعدد الطبقات ليس مجرد نظام دفاعي سلبي، بل هو مجمع هجومي مستقل مصمم لتدمير القوات المعتدية وأسر جنودها. وأوضح أن التصور بأن المواجهة ستكون مع جبهة واحدة متماسكة هو خطأ استراتيجي، حيث سيجد المعتدي نفسه في مواجهة آلاف الجبهات الصغيرة والمستقلة في آن واحد.
أثارت هذه الاستعدادات العسكرية تفاعلاً واسعاً على منصات التواصل الاجتماعي، حيث اعتبر محللون أن التركيز على الغزو البري التقليدي قد يكون تحليلاً قاصراً في ظل الحروب الحديثة. وأشاروا إلى أن إيران تعتمد مفاهيم الحرب غير المتكافئة والردع الصاروخي كأدوات أساسية لمواجهة أي تفوق عسكري تقليدي قد تمتلكه القوى الدولية.
ختاماً، يرى مراقبون أن النظام الدفاعي الطبقي الذي تتبعه طهران يهدف إلى خلق حالة من الردع تمنع اتخاذ قرار الغزو البري من الأساس. فدمج العمليات الخاصة مع التعبئة الشعبية الواسعة، واستخدام التكنولوجيا الصاروخية في إطار دفاعي محلي، يجعل من تكلفة أي مغامرة عسكرية برية باهظة الثمن وغير مضمونة النتائج.





Share your opinion
استراتيجية 'الفسيفساء' الدفاعية: كيف تستعد إيران لسيناريو الغزو البري؟