د.جمال رفيق العبادي : باحث في العلاقات الدولية
في حال افتراض نجاح الولايات المتحدة وإسرائيل في إلحاق هزيمة استراتيجية بـ إيران وحزب الله، فإن هذا الحدث لا يمكن فهمه بوصفه مجرد انتصار عسكري، بل باعتباره تحولًا بنيويًا في توزيع القوة داخل النظام الإقليمي، يفتح المجال أمام نمط من الهيمنة يستند إلى ما تطرحه أدبيات الواقعية الهجومية من سعي الدول المتفوقة إلى تعظيم قوتها ومنع ظهور أي منافس محتمل. في هذا السياق، تتحول إسرائيل من فاعل إقليمي متفوق إلى مركز ثقل مهيمن، مدعوم بغطاء استراتيجي أمريكي، وقادر على إعادة تشكيل البيئة الأمنية والسياسية للإقليم.
غير أن هذا التحول لا يقود إلى استقرار، حتى في صيغته القسرية، بل يعيد إنتاج ما يُعرف في أدبيات العلاقات الدولية بـ"معضلة الأمن"، حيث يؤدي تعاظم قوة طرف إلى دفع الأطراف الأخرى—حتى الضعيفة منهاإلى البحث عن أدوات مقاومة بديلة. فإضعاف إيران لا يعني إنهاء التهديد، بل قد يؤدي إلى تفكيكه وإعادة توزيعه في أشكال لا تماثلية أكثر تعقيدًا، كما أظهرت تجارب إقليمية سابقة مثل ما أعقب الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، حيث لم يؤدِ إسقاط الدولة إلى الاستقرار، بل إلى إنتاج أنماط جديدة من الفاعلين غير الدولتيين.
ضمن هذا الإطار، فإن سلوك إسرائيل لا يمكن فصله عن عقيدتها الأمنية التي تقوم على مبدأ “الردع الوقائي” أو “الأمن الهجومي”، وهي عقيدة تتجلى بوضوح في الخطاب السياسي لقادتها، وعلى رأسهم بنيامين نتنياهو، الذي يكرر في أكثر من سياق أن أمن إسرائيل لا يتحقق فقط بإزالة التهديدات القائمة، بل بمنع تشكلها مستقبلًا. الإشارات المتكررة إلى تصورات مثل “إسرائيل الكبرى” لا ينبغي فهمها كطرح جغرافي تقليدي بقدر ما تعكس سعيًا لتوسيع المجال الحيوي الأمني، بما يسمح لإسرائيل بالتدخل الاستباقي في بيئات ترى أنها قد تتحول إلى مصادر تهديد.
وعليه، فإن سقوط إيران أو تحييدها لا يمثل نهاية للصراع، بل بداية لمرحلة جديدة تتسم بتوسيع دائرة الاستهداف، حيث قد تنتقل إسرائيل من مواجهة خصم استراتيجي واضح إلى إعادة تعريف التهديدات لتشمل قوى إقليمية صاعدة أو حتى دولًا عربية تسعى إلى قدر من الاستقلال الاستراتيجي. هذا النمط من السلوك يعزز فكرة أن الهيمنة الناتجة ليست ساكنة، بل ديناميكية، تقوم على إعادة إنتاج التهديدات كجزء من آلية الحفاظ على التفوق.
على مستوى بنية النظام الإقليمي، سيؤدي هذا السيناريو إلى إعادة ترتيب التحالفات بشكل متسارع، حيث تزداد قابلية بعض الدول العربية للاندماج في ترتيبات أمنية تقودها إسرائيل، في ظل تراجع البدائل الإقليمية. إلا أن هذا الاندماج لن يكون متكافئًا، بل سيؤسس لعلاقات تبعية أمنية، خاصة في ظل استمرار الاعتماد على الولايات المتحدة كمظلة استراتيجية. وفي هذا السياق، لا يمكن تجاهل دور القوى الدولية الأخرى مثل الصين وروسيا، التي قد تسعى إلى استثمار أي فراغ أو اختلال في التوازن لإعادة إدخال نفسها في معادلات الإقليم، ما يجعل الهيمنة الأمريكية–الإسرائيلية غير مكتملة بطبيعتها.
أما بالنسبة للأمن القومي العربي، فإن تداعيات هذا السيناريو تتجاوز البعد العسكري المباشر، لتطال بنيته المفاهيمية ذاتها. فمن حيث أمن الأنظمة، قد يوفر تراجع التهديد الإيراني شعورًا مؤقتًا بالاستقرار، خاصة لدى دول الخليج. لكن من حيث أمن الدولة، يزداد خطر الاختراق السياسي والتكنولوجي في ظل صعود فاعل مهيمن يمتلك تفوقًا نوعيًا. أما على مستوى أمن الإقليم ككل، فإن غياب توازن القوى يفتح المجال أمام إعادة هندسة العلاقات الإقليمية بما يخدم مركز الهيمنة، وليس بالضرورة المصالح العربية الجماعية. وعلى مستوى أمن الهوية، فإن تهميش القضية الفلسطينية وإعادة تعريفها ضمن أطر إنسانية أو إدارية يهدد أحد أهم محددات التماسك الرمزي العربي.
وفي هذا السياق، تُعد القضية الفلسطينية أحد أبرز مؤشرات اختلال النظام الناتج، إذ إن غياب قوة إقليميه بحجم إيران سيؤدي إلى إضعاف قدرتها على الصمود، ويفتح المجال أمام فرض تسويات تتماشى مع الرؤية الإسرائيلية، في ظل بيئة إقليمية أقل قدرة على الرفض. وهو ما يعكس أن الهيمنة لا تقتصر على إعادة توزيع القوة، بل تمتد إلى إعادة تعريف القضايا المركزية في الإقليم.
في المحصلة، لا يؤدي هذا السيناريو إلى استقرار بقدر ما يؤسس لنمط من الهيمنة الديناميكية غير المكتملة، حيث تمتلك الولايات المتحدة وإسرائيل القدرة على فرض الترتيبات، لكنها تفتقر إلى القدرة على إنتاج شرعية مستدامة لها. ونتيجة لذلك، فإن الصراع لا ينتهي، بل يعاد إنتاجه في مستويات أكثر تفككًا وتعقيدًا، عبر فاعلين جدد وأدوات مختلفة، بما يجعل النظام الإقليمي الناتج عرضة لدورات مستمرة من إعادة التوازن، حتى في ظل غياب خصوم تقليديين بحجم إيران.
في المقابل، إذا افترضنا سيناريو فشل الولايات المتحدة وإسرائيل في تحقيق أهدافهما الاستراتيجية، ونجاح إيران وحزب الله في الصمود أو تحقيق شكل من أشكال الانتصار، فإن هذا التطور لا يمكن اختزاله في كونه مجرد تعثر عسكري، بل يمثل تحولًا بنيويًا في ميزان القوى الإقليمي، يكشف حدود القدرة الأمريكية–الإسرائيلية على فرض الهيمنة، ويفتح المجال أمام نمط أكثر تعقيدًا من إعادة توزيع القوة.
غير أن “انتصار” إيران في هذا السياق يحتاج إلى تفكيك تحليلي، إذ لا يتخذ شكلًا واحدًا، بل يتوزع على عدة مستويات متداخلة. فعلى المستوى العسكري، يعني ذلك الحفاظ على القدرة الردعية ومنع الاختراق الاستراتيجي. وعلى المستوى الجيوسياسي، يتجلى في تثبيت النفوذ داخل دوائر إقليمية ممتدة تشمل العراق وسوريا ولبنان. أما على مستوى الفاعلين من غير الدول، فيتمثل في تعزيز دور حلفائها مثل حزب الله بوصفها أدوات ردع غير متماثل. وفي البعد الأيديولوجي، يمنح هذا الصمود إيران شرعية إضافية داخل خطاب “المقاومة”، ما يعزز قدرتها على التأثير الرمزي في الإقليم.
هذا النمط المركب من الصعود لا يؤدي بالضرورة إلى استقرار، بل يعيد إنتاج ما يمكن تسميته بـ"فائض القوة المعاكس"، حيث يثير تعاظم نفوذ إيران ردود فعل إقليمية مضادة تسعى إلى احتوائه أو موازنته. وهنا تتجلى ديناميات توازن القوى، ولكن في بيئة أكثر هشاشة، تتداخل فيها الاعتبارات الجيوسياسية مع الانقسامات الطائفية والاعتبارات الداخلية للدول، ما يفتح المجال أمام صراعات ممتدة وحروب بالوكالة.
في هذا السياق، لا يمكن فهم سلوك إسرائيل بوصفه انتقالًا بسيطًا إلى موقع الدفاع، بل كحالة من “إعادة التكيّف العدواني”، حيث قد يدفع تآكل الردع إلى تبني استراتيجيات أكثر مخاطرة بهدف استعادة الهيبة الاستراتيجية. فالفشل في الحسم لا يؤدي بالضرورة إلى الانكفاء، بل قد يدفع صانع القرار، بما في ذلك بنيامين نتنياهو، إلى توسيع نطاق العمليات أو إعادة تعريف ساحات الاشتباك، وهو ما يزيد من احتمالات التصعيد بدل احتوائه.
أما على مستوى الوجود الأمريكي، فإن هذا السيناريو يعزز من اتجاهات “إعادة التموضع الاستراتيجي”، حيث تسعى الولايات المتحدة إلى تقليل كلفة الانخراط المباشر دون التخلي الكامل عن الإقليم. غير أن هذا التراجع النسبي يفتح المجال أمام قوى دولية أخرى مثل الصين وروسيا لتعزيز حضورها، سواء عبر أدوات اقتصادية أو عسكرية، ما يساهم في تكريس نمط من التعددية القطبية غير المستقرة.
فيما يتعلق بالنظام الإقليمي، فإن صعود إيران لا يعني انتقالًا إلى هيمنة بديلة، بل إلى حالة من “الفراغ التنافسي”، حيث تتعدد مراكز القوة دون وجود إطار ناظم قادر على ضبط التفاعلات بينها. فإيران، رغم توسع نفوذها، تواجه حدودًا بنيوية، تتعلق بالضغوط الاقتصادية، واتساع رقعة التمدد الجغرافي، والتباينات داخل البيئات التي تنشط فيها، وهو ما يحدّ من قدرتها على تحويل هذا النفوذ إلى نظام إقليمي مستقر.
على مستوى الأمن القومي العربي، تتخذ التداعيات طابعًا أكثر تركيبًا. إذ لا يمكن الحديث عن استجابة عربية موحدة، بل عن أنماط مختلفة من التفاعل. فهناك دول قد تتجه نحو المواجهة أو الاحتواء المباشر للنفوذ الإيراني، خاصة في الخليج، حيث يُنظر إلى هذا الصعود كتهديد لأمن الدولة والنظام. في المقابل، قد تسعى دول أخرى إلى تبني استراتيجيات توازن أو تكيّف، تقوم على إدارة العلاقة مع إيران دون الانخراط في صراع مفتوح. كما توجد دول قد تجد نفسها ساحة لتجاذبات هذا الصراع، ما يزيد من هشاشة أوضاعها الداخلية.
وفي هذا السياق، تتوزع إشكاليات الأمن القومي العربي على عدة مستويات. فعلى مستوى أمن الدولة، تتزايد المخاوف من تشكل قوى ما دون الدوله تكون حليفة لإيران. وعلى مستوى أمن الإقليم، يتعمق الاستقطاب، ما يضعف فرص بناء نظام إقليمي متماسك. أما على مستوى أمن الهوية، فإن تصاعد بعض الأبعاد الطائفية في الصراعات الإقليمية قد يهدد التماسك الداخلي لعدد من الدول.
أما القضية الفلسطينية، فقد تستفيد جزئيًا من هذا التحول، إذ إن صمود إيران ومحورها يعيد إدراجها ضمن معادلات القوة الإقليمية، ويمنحها هامشًا أوسع للمناورة. إلا أن هذا الارتباط يحمل في طياته إشكالية، تتمثل في احتمال تزايد توظيف القضية ضمن صراعات المحاور، بما قد يؤثر على استقلاليتها السياسية.
في المحصلة، لا ينتج هذا السيناريو نظامًا إقليميًا مستقرًا أو بديلًا متماسكًا، بل يفتح المجال أمام حالة من التعددية القطبية الهشة القائمة على فراغ تنافسي، تتداخل فيه مستويات الصراع بين الدول والفاعلين من غير الدول، وتتكرر فيه دورات إعادة التوازن دون الوصول إلى صيغة نهائية للاستقرار.
في ضوء السيناريوهين المحتملين، يصبح المطلوب من الدول العربية، وخصوصًا الخليجية والدول الكبرى، التحرك عبر مشروع عربي موحد قائم على الاعتماد على الذات والتكامل، كاستراتيجية بديلة عن المظلة الأمريكية التقليدية، بحيث تدمج بين الأبعاد العسكرية، التكنولوجية، السيبرانية، التنموية، والهوياتية. هذا المشروع لا يهدف فقط إلى حماية الأمن القومي العربي، بل إلى بناء قوة عربية فاعلة قادرة على التأثير في السياسة الدولية بشكل مستقل، مع تقليل الاعتماد على أي قوة خارجية مهيمنة.
على المستوى العسكري، يجب إنشاء هيئة عسكرية عربية موحدة، تنسق بين الدول لوضع خطط دفاع جماعية، تشمل الدفاع الجوي والصاروخي، وأنظمة الحرب غير المتكافئة، بما في ذلك الحرب السيبرانية والهجمات غير التقليدية. هذا التكامل العسكري يوفر الردع الجماعي ويعزز استقلالية القرار العربي، ويمنع أي محاولة لإعادة فرض الهيمنة الخارجية، سواء في سيناريو الانتصار الإسرائيلي–الأمريكي أو صمود إيران ومحورها. في السيناريو الأول، تكون الأولوية لتعزيز الدفاع وحماية البنية التحتية الحيوية، بينما في السيناريو الثاني، تركز الجهود على التوازن الاستراتيجي والردع الإقليمي.
على المستوى التكنولوجي والعلمي، يجب إنشاء شبكات أبحاث عربية موحدة، تشمل الابتكار في الصناعات الدفاعية والمدنية، الذكاء الاصطناعي، الطاقة، النقل والاتصالات، والأمن السيبراني. يهدف هذا إلى بناء قدرات مستقلة وقادرة على مواجهة التهديدات الرقمية والعسكرية، مع الربط بين الجامعات والمراكز البحثية والقطاع الصناعي. ويجب أن يصاحب ذلك استثمار طويل المدى في التعليم العالي والبحث العلمي لتعزيز القدرة على الابتكار، بما يضمن للعرب حضورًا فاعلًا في التقنيات المتقدمة والقدرة على المنافسة الدولية.
على المستوى التنموي والاقتصادي، يشمل المشروع تعزيز التكامل الاقتصادي العربي، عبر إنشاء أسواق مشتركة للطاقة والتجارة والصناعة، وتطوير البنى التحتية الاستراتيجية بشكل مشترك، مع استراتيجيات تكامل تنموي مشابهة لتجارب الاتحاد الأوروبي أو مجلس التعاون الخليجي، بما يضمن الاعتماد على الذات وتقليل التأثر بالضغوط الخارجية. هذا التكامل الاقتصادي يدعم القدرة العسكرية والعلمية ويعزز مرونة الدول العربية أمام أي تغير في ميزان القوى الإقليمي.
على المستوى الهوياتي والسياسي، يجب تعزيز الهوية العربية–الإسلامية الجامعة، مع إدماج الأقليات في إطار دستوري يضمن المواطنة المتساوية وحقوق الإنسان. هذا التماسك الداخلي يساهم في صياغة مشروع عربي متكامل قادر على مواجهة أي محاولات للتفتيت أو الهيمنة، ويخلق خطابًا موحدًا يمكن استخدامه في السياسة الدولية لتأكيد الاستقلالية والشرعية الجماعية للدول العربية.
علاوة على ذلك، يجب بناء تحالفات خارجية على أساس الندية والاحترام المتبادل، مع رفض التبعية لأي قوة خارجية. هذا يشمل تطوير شراكات استراتيجية مع قوى دولية غير مهيمنة، مثل روسيا والصين، لتعزيز قدرة العرب على التأثير في موازين القوى دون فقدان الاستقلالية. كما يتطلب المشروع وضع خطط تقييم المخاطر الداخلية والخارجية، تشمل الانقسامات السياسية، الفروقات الاقتصادية بين الدول، والتحديات الناتجة عن نفوذ إيران وإسرائيل، لضمان قابلية التنفيذ وفعالية الاستراتيجيات.
في المحصلة، يشكل هذا المشروع العربي الموحد إطارًا استراتيجيًا متكاملًا، يربط بين القدرات العسكرية، الابتكار التكنولوجي، التنمية الاقتصادية، الهوية الجامعة، والسياسة الخارجية المستقلة. إنه يسمح للدول العربية بالحفاظ على الأمن القومي، تعزيز القوة الذاتية، وتحقيق تأثير فاعل في السياسة الدولية، سواء في مواجهة سيناريو الانتصار الإسرائيلي–الأمريكي أو صمود محور إيران، مع التأكيد على أن الاعتماد على الذات والتكامل العربي هما الركيزتان الأساسيتان لأي استقرار طويل المدى في المنطقة
باحث في العلاقات الدولية
Tue 24 Mar 2026 10:30 am - Jerusalem Time





Share your opinion
قراءة جيوسياسية لمستقبل المنطقة والأمن القومي العربي