عادت قضية الهوية المصرية لتتصدر المشهد العام عقب خطبة عيد ألقاها الدكتور سيد عبد الباري، أحد كبار مسؤولي وزارة الأوقاف، والتي تضمنت دعاءً غير مألوف في الأدبيات السنية المصرية. هذا الحدث لم يكن مجرد واقعة دينية عابرة، بل فجر نقاشاً عميقاً حول محاولات حسم سؤال الهوية الذي ظل عالقاً منذ أحداث يناير 2011، حيث تتقاذف التيارات السياسية اتهامات طمس هوية 'المحروسة'.
لقد مثّل الدعاء الذي استغاث بـ 'فاطمة وأبيها وبعلها وبنيها' مفاجأة للكثيرين، ليس فقط لمحتواه التوسلي، بل لكونه استدعى صيغاً تُنسب تاريخياً للمذهب الشيعي. ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس رغبة في إيجاد نمط تدين يختلف جذرياً عن أطروحات جماعة الإخوان المسلمين والتيارات السلفية، وهو ما دفع البعض لتبني هذا الخطاب على سبيل المكايدة السياسية.
تاريخياً، حاولت بعض النخب المصرية إحياء الهوية الفرعونية كبديل للهوية العربية والإسلامية، إلا أن هذه المحاولات لم تلقَ قبولاً شعبياً واسعاً. ومع فشل 'الفرعنة' في حشد الجماهير، يبدو أن هناك اتجاهاً رسمياً لتبني 'التصوف' كظهير ديني للدولة، وهو ما يظهر في تصدير شخصيات دينية معينة تتبنى رؤى صوفية تتصادم أحياناً مع الموروث السلفي التقليدي.
اللافت في الأزمة الأخيرة هو موقف القوى اليسارية والقومية التي دافعت عن دعاء خطيب العيد، رغم موقفها المبدئي المعلن ضد خلط الدين بالسياسة. هذا التناقض يشير إلى أن 'الهوى السياسي' هو المحرك الأساسي للمواقف، حيث يُقبل توظيف الدين إذا كان يخدم التوجهات الحالية ويساهم في إقصاء الخصوم الأيديولوجيين.
بالعودة إلى جذور العلاقة بين التيارات الإسلامية وإيران، نجد أن التهم كانت تُوجه سابقاً للإخوان بالتقارب مع طهران لتحريض دول الخليج ضدهم. واليوم، تنعكس الآية حيث تجد بعض النخب الموالية للسلطة نفسها في خندق الدفاع عن صيغ دينية شيعية المنشأ، مما يربك المشهد السياسي ويثير تساؤلات حول مستقبل العلاقات الإقليمية.
مصادر مطلعة تشير إلى أن المؤسسة الأمنية المصرية كانت دائماً حذرة من التمدد الشيعي، ووصل الأمر في سنوات سابقة إلى التضييق على الموالد الصوفية خشية أن تكون بوابة للتشيع. ومع ذلك، يبدو أن الحاجة السياسية الحالية لخلق 'هوية بديلة' قد دفعت لتجاوز بعض هذه الخطوط الحمراء بشكل مؤقت أو تكتيكي.
إن التدين المصري التقليدي، الذي يقوم على حب آل البيت، يختلف جوهرياً عن التوظيف السياسي لهذا الحب في صراعات السلطة. فالمصريون بطبعهم يميلون للتصوف السني الهادئ، لكن إقحام صيغ دعاء خلافية في مناسبات رسمية كصلاة العيد يحول العبادة إلى رسالة سياسية مشفرة تستهدف أطرافاً في الداخل والخارج.
الأمر كله سياسة لا دين، حتى طلعة فخر الدين الباري هي رسالة سياسية لمستهدف بها، والهدف هو البحث عن هوية تميزهم عن تدين الإسلام السياسي.
السؤال الذي يطرح نفسه الآن يتعلق بمصدر هذا الدعاء؛ إذ لم يسبق لعلماء الأزهر الكبار أو أقطاب الصوفية المعروفين مثل الدكتور أحمد عمر هاشم استخدام هذه الصيغة. غياب المصدر في كتب التراث السني المعتمدة يعزز فرضية الاستدعاء السياسي المتعمد، ويهدف لإحداث قطيعة مع الخطاب الديني الذي ساد في العقود الماضية.
منذ عقود، ظلت العلاقة بين الإخوان والثورة الإيرانية تتسم بالحذر، حيث سعى التنظيم للحفاظ على شعرة معاوية مع دول الخليج. واليوم، يجد التنظيم نفسه في موقع المتفرج على خصومه وهم يتبنون أدبيات دينية كانت تُستخدم ضدهم كأدوات اتهام، مما يكشف عن سيولة كبيرة في المواقف السياسية والدينية.
إن محاولة بناء هوية وطنية على أنقاض خلافات مذهبية أو تاريخية، مثل استحضار صراع طومان باي وسليم الأول، يعكس حالة من التيه الثقافي. فالهوية لا تُصنع بقرار إداري أو بدعاء في خطبة، بل هي نتاج تراكم حضاري طويل لا يمكن اختزاله في مكايدة سياسية عابرة ضد تيار أو جماعة.
السلطة القائمة في مصر تبدو وكأنها وجدت ضالتها في 'تصوف' من نوع خاص، يبتعد عن مدرسة الأزهر التقليدية ويميل نحو ابتكار طرق ومناهج جديدة. هذا التوجه، الذي يقوده بعض المشايخ المثيرين للجدل، يهدف لإنتاج 'إسلام رسمي' يكون طوع بنان الدولة في مواجهة أي حراك ذو خلفية دينية معارضة.
وعلى الرغم من هذا الانفتاح الظاهري على الصيغ الصوفية القريبة من التشيع، إلا أن الرؤية الأمنية العميقة تظل هي المتحكم في المشهد. فالدولة التي منعت الموالد سابقاً لأسباب صحية أو أمنية، لن تسمح لهذا التوجه بأن يتجاوز حدود 'المكايدة السياسية' ليصل إلى مرحلة الاختراق العقائدي المنظم.
في نهاية المطاف، يظل الخلط بين الدين والسياسة في مصر لعبة خطرة لا تقتصر نتائجها على طرف دون آخر. فاستخدام المنابر لتمرير رسائل سياسية تحت غطاء ديني يفتح الباب أمام صراعات هويّة لا تنتهي، ويجعل من الخطاب الديني مادة للاستقطاب بدلاً من أن يكون جامعاً للناس.
لقد استقر المشهد أخيراً على محاولة فرض هوية صوفية الطابع، لكنها تظل هوية قلقة تبحث عن شرعية تاريخية ودينية. وبينما ينشغل الساسة بتأويل الدعاء، يبقى الشارع المصري متمسكاً بفطرته الدينية التي تحب آل البيت والصحابة معاً، بعيداً عن حسابات القصور ودهاليز السياسة.





Share your opinion
جدل الهوية والدين في مصر: دعاء 'فاطمة وأبيها' يثير تساؤلات حول التوظيف السياسي للتصوف