أفادت تقارير صحفية فرنسية بأن الانخراط الأمريكي مع إسرائيل في المواجهة العسكرية ضد إيران قد منح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين فرصة استراتيجية واقتصادية لم تكن في الحسبان. واعتبرت المصادر أن هذه التطورات وفرت لموسكو متنفساً حيوياً في حرب الاستنزاف التي تخوضها في أوكرانيا، مما أربك حسابات القوى الغربية التي كانت تراهن على خنق الاقتصاد الروسي.
وذكرت المصادر أن الرئيس الروسي أبدى ارتياحه خلال لقاءات مع قادة قطاع الطاقة، حيث سخر من المحاولات الأوروبية المستمرة منذ سنوات للاستغناء عن الغاز والنفط الروسي. وأكد بوتين أن توفر الطاقة بأسعار تنافسية يظل أداة جذب سياسية قوية لا يمكن للدول الصناعية تجاهلها طويلاً، خاصة في ظل الأزمات الراهنة.
جاءت هذه الصدمة النفطية في توقيت مفصلي للاقتصاد الروسي، الذي كان يعاني من ضغوط العقوبات وسقوف الأسعار التي فرضتها مجموعة السبع. ومع ارتفاع أسعار الخام عالمياً، بدأت الضغوط على المالية العامة الروسية في التراجع، مما سمح لموسكو بإعادة توازن ميزانيتها التي تتطلب سعراً لا يتجاوز 59 دولاراً للبرميل.
وأوضحت التحليلات أن وصول سعر البرميل إلى عتبة 100 دولار قد غير المعطيات الميدانية والسياسية بالكامل، حيث ارتفعت قيمة نفط الأورال الروسي لمستويات قياسية. وتشير البيانات إلى أن كل زيادة طفيفة في الأسعار تساهم بشكل مباشر في رفع معدلات النمو الروسي، مما يمنح الكرملين قدرة أكبر على المناورة المالية.
ويخطط الكرملين لاستغلال هذه الفوائض المالية الضخمة في دعم المصارف الحكومية الكبرى لتمكينها من استيعاب الديون العامة المتزايدة. كما تهدف موسكو إلى توجيه جزء كبير من هذه العوائد لتعزيز التمويل المخصص للصناعات الدفاعية، وهو ما يضمن استمرارية العمليات العسكرية في الجبهة الأوكرانية لفترة أطول.
واعتبرت المصادر أن التعديلات التي أجرتها واشنطن على سياسة العقوبات، والتي سمحت بمرور شحنات نفطية عبر شبكات معينة، قد خدمت المصالح الروسية بشكل غير مباشر. هذا التوجه أضعف حالة التضامن الغربي، وأعطى دفعة قوية للدعاية الروسية التي تروج لفشل الغرب في الالتزام بقراراته الاقتصادية الصارمة تجاه موسكو.
وفي سياق متصل، وجه بوتين دعوات مبطنة للشركات الأوروبية لاستئناف التعاون الطاقي بعيداً عن التجاذبات السياسية، مشدداً على أن الغاز الروسي يظل الأرخص مقارنة بالغاز المسال الأمريكي. ويبدو أن هذه الرسائل بدأت تجد صدى لدى بعض القادة الأوروبيين الذين يواجهون ضغوطاً داخلية بسبب ارتفاع تكاليف المعيشة والطاقة.
كل زيادة بمقدار 10 دولارات في سعر النفط تضيف حوالي 0.7 نقطة نمو للاقتصاد الروسي، بينما تتوازن الميزانية عند 59 دولاراً للبرميل.
وتبرز المجر كأحد الأصوات المطالبة بضرورة استئناف تدفق النفط الروسي عبر خط أنابيب 'دروغبا'، مستخدمة هذا الملف كأداة للتفاوض داخل الاتحاد الأوروبي. كما ظهرت أصوات في بلجيكا تدعو لإبرام اتفاقات عملية مع موسكو تضمن الوصول إلى مصادر طاقة بأسعار معقولة لتأمين القطاعات الصناعية المهددة بالركود.
ولا تقتصر الاستفادة الروسية على الجانب المالي فقط، بل تمتد لتشمل الجانب العسكري الاستراتيجي نتيجة استنزاف منظومات الدفاع الجوي الغربية في الشرق الأوسط. فالحاجة لحماية القواعد والمصالح في المنطقة قلصت من حجم الدعم العسكري الموجه لأوكرانيا، خاصة فيما يتعلق ببطاريات 'باتريوت' الحيوية لصد الهجمات الصاروخية.
ومع ذلك، يرى مراقبون أن هذا الانتعاش الروسي قد يكون مؤقتاً ومرتبطاً باستمرار التوتر الإقليمي، حيث إن أي تهدئة في الشرق الأوسط ستؤدي فوراً لهبوط الأسعار. كما تعاني البنية التحتية النفطية في روسيا من نقص حاد في الاستثمارات التكنولوجية الغربية، مما يهدد قدرتها الإنتاجية على المدى الطويل.
وتواجه روسيا تحديات داخلية موازية، حيث يؤدي ارتفاع أسعار الطاقة إلى زيادة معدلات التضخم المحلي، مما يضطر البنك المركزي للإبقاء على أسعار فائدة مرتفعة جداً. هذا الوضع يضغط على الاستهلاك الخاص والاستثمارات غير العسكرية، مما يخلق حالة من عدم التوازن في هيكلية الاقتصاد الروسي المعتمد على الحرب.
وخلصت التقارير إلى أن واشنطن، من خلال إشعال أو إدارة الأزمات في الشرق الأوسط، تساهم دون قصد في تخفيف الخناق الاقتصادي عن خصمها في موسكو. هذا التناقض الاستراتيجي يمنح بوتين ما وصفته المصادر بـ 'الانتصار التكتيكي'، الذي قد يطيل أمد الصراع في شرق أوروبا لسنوات إضافية.
في نهاية المطاف، تظل أسواق الطاقة هي المحرك الأساسي للسياسات الدولية الكبرى، حيث تتداخل مصالح الدول المصدرة مع صراعات النفوذ الإقليمي. ورغم العقوبات، أثبتت الأزمة الحالية أن الجغرافيا السياسية للنفط لا تزال قادرة على قلب الموازين وتوفير مخارج غير متوقعة للقوى الخاضعة للحصار الاقتصادي.





Share your opinion
لوموند: حرب الشرق الأوسط تمنح بوتين "مفاجأة إلهية" لتمويل حربه في أوكرانيا