تأتي الاغتيالات الأخيرة التي طالت رموزاً بارزة في النظام الإيراني، وعلى رأسهم علي لاريجاني وقائد قوات الباسيج، كضربة استخباراتية قاسية تكشف عمق الاختراق الذي عمل عليه الموساد لسنوات طويلة. ورغم أن هذه العمليات تعكس نقطة ضعف مميتة في الجانب الأمني، إلا أنها لا ترسم الصورة الكاملة للمشهد، حيث تظهر طهران صموداً لافتاً في حماية بنيتها العسكرية الأساسية وقدرتها على تعويض القيادات بشكل فوري.
تعتمد الاستراتيجية الإيرانية في مواجهة التفوق الجوي الأمريكي الإسرائيلي على استغلال المساحات الجغرافية الشاسعة وتنوع التضاريس، بالإضافة إلى الاعتماد الكلي على الصناعات الدفاعية المحلية. وقد برزت فاعلية المسيرات المتطورة والصواريخ الفرط صوتية في الرد على الهجمات، رغم تدمير آلاف المواقع في البنية التحتية، مما يجعل حسم المعركة من الجو أمراً بعيد المنال بالنسبة لواشنطن وتل أبيب.
يواجه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب معضلة حقيقية في إدارة هذا الصراع، حيث يصطدم بغياب طرف يفاوضه داخل بنية نظام معقدة وصلبة أيديولوجياً. وتتزايد الضغوط الداخلية في الولايات المتحدة مع ارتفاع أسعار الطاقة وتصاعد المعارضة الشعبية للحرب، مما يضع شعار 'أمريكا أولاً' في اختبار حقيقي أمام الانغماس الكامل في الأهداف الإسرائيلية التي قد لا تخدم المصالح الأمريكية المباشرة.
على الصعيد الاقتصادي، نجحت طهران في فرض سيادتها على مضيق هرمز، وهو الشريان الحيوي الذي يمر عبره خمس المعروض العالمي من النفط والغاز. هذا التقييد أدى إلى ارتباك في الأسواق العالمية وأحرج الإدارة الأمريكية التي فشلت في حشد تحالف دولي واسع، في ظل امتناع دول كبرى في الناتو عن المشاركة، واستثمار الصين للهزة الاقتصادية لتعزيز نفوذها بعيداً عن الرغبات الأمريكية.
النظام الإيراني لا يسقط بنيران السماء مهما بلغت ضراوة الغارات، ولا بمفاجآت الاغتيال المبرمجة التي تعجز عن تفريغ دولاب الدولة.
تظل خيارات العدوان البري محفوفة بمخاطر دموية عالية، حيث تمتلك قوات الحرس الثوري والجيش عقيدة قتالية استشهادية تجعل من أي غزو بري مغامرة غير مأمونة العواقب. ويرى مراقبون أن اللجوء لعمليات الكوماندوز أو الاستعانة بقوى انفصالية لن يغير من حقيقة تماسك الكتلة الصلبة للنظام، التي أبدت استعداداً لخوض المواجهة حتى الرمق الأخير دون تقديم تنازلات سياسية جوهرية.
بالتوازي مع الجبهة الإيرانية، تشتعل المواجهة في جنوب لبنان حيث يستعيد حزب الله تكتيكات حرب العصابات لمواجهة الحشود الإسرائيلية الضخمة. ورغم الكلفة البشرية العالية والنزوح المليوني، إلا أن المقاومة تواصل استنزاف قوات الاحتلال وتدمير آلياته، مستخدمة أجيالاً جديدة من الصواريخ التي تمطر العمق الإسرائيلي، مما يعزز من مفهوم وحدة الساحات في مواجهة المشروع الأمريكي.
في الختام، تظهر نتائج الميدان أن الحروب غير المتناظرة لا تُحسم دائماً لصالح الطرف الأكثر تسليحاً، بل لصالح الطرف الأكثر قدرة على التحمل والإيمان بقضيته. ومع استمرار النزيف في كافة الجبهات، يبدو أن أهداف التحالف الأمريكي الإسرائيلي في إسقاط النظام أو فرض الاستسلام تصطدم بواقع ميداني يرفض الانكسار، مما يجعل نهاية الصراع مفتوحة على احتمالات معقدة.





Share your opinion
قراءة في موازين القوى: لماذا يواجه التحالف الأمريكي الإسرائيلي استعصاءً في الجبهة الإيرانية؟