Sat 21 Mar 2026 2:48 am - Jerusalem Time

صراع الهوية والسلطة: العراق بين مؤسسات الدولة ونفوذ الفصائل المسلحة

يواجه المفهوم التقليدي للدولة في العراق تحدياً جوهرياً يتمثل في احتكار القوة، حيث تبرز فجوة عميقة بين النظام الرسمي والفصائل المسلحة التي باتت تشكل سلطة موازية. هذا التداخل الذي بدأ يتجذر منذ عام 2004، وصل إلى ذروته مع تشكيل الحشد الشعبي في عام 2014 لمواجهة تنظيم داعش، ليتحول لاحقاً إلى قوة سياسية وعسكرية مهيمنة.

تنامى دور هذه الفصائل تدريجياً لتخترق مفاصل الدولة الحيوية، مستفيدة من قدراتها البشرية والمالية، فضلاً عن تمثيلها السياسي القوي بامتلاكها 90 مقعداً في مجلس النواب. ورغم تبعيتها الرسمية للقوات المسلحة، إلا أن الواقع الميداني يشير إلى استقلالية كبيرة في اتخاذ القرار وتنفيذ العمليات العسكرية.

شهدت الآونة الأخيرة خروج الأوضاع عن سيطرة حكومة محمد شياع السوداني، تزامناً مع تطورات إقليمية متسارعة شملت اغتيال شخصيات قيادية إيرانية. وانطلقت من الأراضي العراقية هجمات بالصواريخ والطائرات المسيرة استهدفت دولاً مجاورة مثل الكويت والسعودية، بالإضافة إلى استهداف بعثات دبلوماسية داخل البلاد.

أدت هذه الفوضى الأمنية إلى تداعيات دبلوماسية خطيرة، حيث قررت غالبية سفارات دول الخليج العربي مغادرة العاصمة بغداد. وتثير هذه الهجمات تساؤلات حول جدوى تمويل هذه الفصائل من خزينة الدولة في وقت تستهدف فيه المصالح الوطنية والشركاء السياسيين في إقليم كردستان.

استهدفت الهجمات المتكررة منشآت نفطية في البصرة وكركوك، ومستودعات للجيش العراقي في الموصل، مما يعكس حالة من الانفصام بين حماية الدولة وتقويض أركانها. كما امتدت العمليات لتشمل تهديدات إقليمية طالت ميناء صلالة العماني، وهو ما وصفته مصادر إقليمية بالتحرك المشبوه.

في المقابل، يواجه إقليم كردستان ضغوطاً عسكرية يومية قاسية، مما دفع الرئيس مسعود بارزاني لمطالبة الحكومة الاتحادية والإطار التنسيقي بوضع حد لهذه المجموعات. ويرى بارزاني أن استمرار هذه التصرفات يضعف هيبة الدولة ويجعلها في مواجهة مباشرة مع القوى الخارجة عن القانون.

لم تقتصر التهديدات على الداخل، بل وصلت إلى التدخل في الشؤون السورية، حيث وجهت الفصائل وعيداً للرئيس السوري أحمد الشرع. هذا التصعيد الكلامي والميداني وضع حكومة السوداني في موقف حرج، حيث التزمت الصمت المطبق تجاه هذه التجاوزات السيادية.

خلال الأسبوعين الماضيين، تعرضت مدن عراقية عدة منها بغداد والموصل والحلة لديالى لعشرات الضربات الجوية الأمريكية والإسرائيلية. واستهدفت هذه الغارات مواقع تابعة للفصائل، في ظل عجز واضح لمنظومات الدفاع الجوي الحكومية عن التصدي لهذه الاختراقات الجوية المتكررة.

أكدت مصادر ميدانية مقتل المسؤول الأمني لكتائب حزب الله، أبو علي العسكري، في إحدى هذه الغارات، وسط أنباء متضاربة عن مصير الأمين العام للكتائب أبو حسين الحميداوي. ويبدو أن الفصائل تتكتم على بعض الخسائر البشرية لأسباب تتعلق بالروح المعنوية لمقاتليها في الميدان.

ردت الفصائل المسلحة على الضربات الخارجية باستهداف السفارة الأمريكية في بغداد بعشرات القذائف، مما زاد من تعقيد المشهد الأمني. وحاولت القوات الحكومية تفتيش بعض مواقع الحشد في منطقة التاجيات عقب هجوم على معسكر لمكافحة الإرهاب، إلا أنها تراجعت لاحقاً لتجنب الصدام.

يرى مراقبون أن غالبية الطبقة السياسية في العراق تتجاهل هذا الواقع المرير سعياً للحفاظ على مكاسبها السلطوية ورفاهيتها الشخصية. ويحذر سياسيون من أن أي احتكاك مسلح بين القوى الأمنية الرسمية والحشد الشعبي سيقود البلاد إلى فتنة داخلية لا تحمد عقباها.

المعضلة المزمنة في العراق تكمن في ضبابية إدارة المنظومة الأمنية من قبل القوى السياسية التي تفتقر للرغبة الحقيقية في الإصلاح. ويبدو أن المصالح المتبادلة بين الساسة وقادة الفصائل تحول دون بناء مؤسسات عسكرية رصينة تخضع بالكامل لسلطة القانون والدولة.

تجد القوى السياسية، وخاصة الشيعية منها، نفسها في حيرة من أمرها أمام احتمال مواجهة الفصائل التي كانت يوماً حليفة لها. وتعتبر هذه اللحظة نقطة حرجة قد تؤدي إلى مواجهات كسر عظم تهدد استقرار النظام السياسي الذي تشكل بعد عام 2003.

إن استمرار وجود دولة رديفة تمتلك جيشاً موازياً يضرب في صميم المؤسسات الرسمية يمثل التهديد الأكبر لمستقبل العراق. وإذا لم تنجح الحكومة في استعادة احتكار السلاح، فإن الأيام القادمة ستظل محفوفة بالغموض والنتائج الكارثية على سيادة البلاد ووحدتها.

Tags

Share your opinion

صراع الهوية والسلطة: العراق بين مؤسسات الدولة ونفوذ الفصائل المسلحة

Newsletter

Be the first to know the most important breaking news as it happens.

Stay up to date with the latest news. Subscribe to our breaking news service delivered to your inbox daily.

By subscribing, you agree to our Terms and Conditions and Privacy Policy.