كانت تقف أمامي في طابور الدفع الطويل بالمتجر، أمٌ شابة وطفلها الصغير الذي بدأ يتململ من الانتظار. لم تفلح محاولاتها في تهدئته، حتى أعطته، على مضض، هاتفها. في ثوانٍ، سكنت حركته تماماً، وانغمس في عالمه الرقمي الصغير، وأنا أراقب المشهد من بعيد وقد شعرتُ بوخزة حادة من القلق. كانت صورة مصغرة لواقع نعيشه. وهنا، قفز إلى ذهني فجأة شيخ المؤرخين وفيلسوف الاجتماع، عبد الرحمن بن خلدون، وتساءلت: ماذا لو كان يجلس بيننا اليوم ويرى كيف نربي أبناءنا؟
في مقدمته الشهيرة، التي لم تكن مجرد سرد للتاريخ بل تشريحاً عميقاً لجسد العمران البشري، طرح ابن خلدون نظرية أطوار الدولة والمجتمع. يرى أن الأمم، كالكائنات الحية، تمر بمراحل قوة وضعف. تبدأ بـ"طور البداوة والخشونة"، حيث تكون العصبية (روح التضامن والتكاتف) في أوجها، ويكون الأفراد أقدر على تحمل المشاق. ثم، مع اتساع الملك وتحقق الاستقرار، يبدأ "طور الترف والحضارة"، حيث تنعم الأجيال الجديدة بالدلع والرخاء، وتنشأ في ظل دولة تحميها وتوفر لها كل شيء. وهنا مكمن الخطر الذي حذر منه ابن خلدون.
هذا "الترف" الذي وصفه لا يقتصر على البذخ مادي، بل هو حالة ذهنية ونفسية. إنه الابتعاد عن مصادر الخشونة الحقيقية، والاعتماد على ما هو جاهز ومُعد مسبقاً. واليوم، ألا نرى هذا "الترف" يتجسد في أبهى صوره وأكثرها تعقيداً في حياة أبنائنا، الذين أطلق عليهم بعض علماء الاجتماع "الجيل الزجاجي"؟( كما سبق وأشرت إلى هذا في مقال سابق ) جيل نشأ في عالم رقمي فوري، حيث الإجابات تأتي بضغطة زر، والتواصل يتم عبر شاشات باردة، والصداقات تُبنى وتُهدم بـ"إلغاء متابعة". لقد وفرنا لهم، بحسن نية، كل سبل الراحة والأمان، وحجبنا عنهم كل ما قد يسبب لهم مشقة أو إحباطاً، تماماً كما يفعل الملك المترف مع أبنائه في نظرية ابن خلدون.
النتيجة؟ جيلٌ يملك من المعرفة السطحية الكثير، ومن المهارات الحياتية العميقة القليل. جيلٌ يتقن لغة "الكود" و"الخوارزميات"، ولكنه قد يتعثر في كتابة رسالة إدارية متماسكة أو إجراء حوار إنساني عميق وجهاً لوجه. جيلٌ ينهار أمام أول تحدٍ حقيقي أو نقد بنّاء، لأنه لم يختبر "خشونة" التجربة والخطأ، ولم يتذوق حلاوة النجاح بعد مرارة الفشل.
وهنا يأتي دورنا، نحن القابعون في صروح الإدارة التربوية. لقد انشغلنا طويلاً بتطوير المناهج، وتحديث التقنيات، وقياس مؤشرات الأداء، وهي أمور بالغة الأهمية بلا شك. لكننا، في خضم هذا كله، أغفلنا جوهر العملية التربوية الذي أشار إليه ابن خلدون: بناء الإنسان قبل بناء المعرفة. تحولت مدارسنا وجامعاتنا، في كثير من الأحيان، من "مصانع للرجال" إلى مجرد "مراكز لتقديم المعلومات". أصبحنا حراساً لأسوارٍ تحفظ الطلاب داخلها، بدلاً من أن نكون بنائين لجسورٍ تصلهم بالحياة الحقيقية.
إن الإدارة التربوية الحديثة، بكل ما أوتيت من نظريات وأدوات، مدعوة اليوم للقيام بمراجعة جذرية لفلسفتها. علينا أن نعيد "الخشونة المحمودة" إلى بيئاتنا التعليمية. لا أعني بذلك العودة إلى العقاب الجسدي أو القسوة، بل أقصد "خشونة" العقل والروح. يجب أن يتعلم الطالب كيف يبحث عن المعلومة بنفسه لا أن تُلقّم له، وكيف يعمل ضمن فريق لحل مشكلة معقدة، وكيف يتقبل الاختلاف ويدير الحوار، وكيف ينهض بعد كل عثرة وهو أشد قوةً وعزيمة.
نحن بحاجة إلى إدارة تربوية تؤمن بأن دورها لا يقتصر على تحقيق نسبة نجاح 100% في الامتحانات، بل يمتد ليشمل بناء "عصبية" جديدة؛ عصبية الانتماء للمجتمع، والاعتزاز بالهوية، والشعور بالمسؤولية تجاه الآخرين. نحتاج إلى معلمين لا يلقنون الدروس فحسب، بل يمثلون قدوة في الصبر والمثابرة وقوة الشخصية.
إن التحدي الذي يواجهنا ليس في نقص الموارد أو ضعف الإمكانيات، بل في تغيير قناعاتنا كآباء ومربين وإداريين. علينا أن نكف عن التعامل مع أبنائنا ككائنات زجاجية رقيقة، وأن نبدأ في صقلهم ليصبحوا سيوفاً قاطعة، قادرة على شق طريقها في معترك الحياة. قبل أن يأتي يوم، كما حذر ابن خلدون، ينهار فيه "عمراننا" ليس لضعف في بنيانه، بل لهشاشة من ورثوه.
Thu 19 Mar 2026 9:56 am - Jerusalem Time





Share your opinion
ابن خلدون في طابور المتجر