أطلقت الأمم المتحدة تحذيرات شديدة اللهجة من وقوع كارثة إنسانية غير مسبوقة، في حال استمرار العمليات العسكرية والنزاعات في منطقة الشرق الأوسط حتى نهاية شهر حزيران/ يونيو المقبل. وأوضحت المنظمة الدولية أن نحو 45 مليون شخص إضافي قد يجدون أنفسهم في مواجهة مباشرة مع خطر الجوع الحاد، ما يرفع مؤشرات انعدام الأمن الغذائي إلى مستويات وصفتها بالـ 'كارثية'.
يأتي هذا التقرير الصادم بعد عام من رصد منظمة الأغذية والزراعة (فاو) وبرنامج الأغذية العالمي لـ 22 بؤرة جوع ساخنة حول العالم، تتصدرها دول عربية مثل فلسطين والسودان ولبنان وسوريا واليمن. وتضم هذه المناطق ما لا يقل عن 169.6 مليون إنسان يعانون من سوء التغذية الحاد نتيجة تداخل الصراعات المسلحة مع الصدمات الاقتصادية العنيفة.
وأفادت مصادر أممية بأن الجوع المستفحل في هذه الأقاليم يعود إلى عوامل معقدة، أبرزها العنف المنظم والظواهر الجوية المتطرفة الناتجة عن تغير المناخ. وأكد نائب المديرة التنفيذية لبرنامج الأغذية العالمي، كارل سكاو أن استمرار القتال سيؤدي حتماً إلى قفزات جنونية في أسعار المواد الغذائية الأساسية، مما يخرجها عن متناول ملايين العائلات.
ووصف المسؤول الأممي الوضع الراهن بأنه 'تاريخي' من حيث السوء، مشيراً إلى أن نحو 319 مليون شخص يعانون حالياً من انعدام الأمن الغذائي الحاد حول العالم. وشدد على أن هذه الأرقام القياسية تعكس هشاشة النظام الغذائي العالمي التي كانت قائمة حتى قبل اندلاع المواجهات الأخيرة في فبراير الماضي.
وفي ظل هذه الأزمات المتلاحقة، يواجه برنامج الأغذية العالمي تحديات لوجستية وتمويلية غير مسبوقة، حيث سجل تراجعاً ملحوظاً في الدعم المالي مقارنة بالعامين الماضيين. هذا النقص اضطر الوكالة الدولية إلى تقليص عدد موظفيها وتبسيط عملياتها الميدانية، مؤكدة أنها بلغت أقصى طاقتها التشغيلية في ظل الظروف الراهنة.
وأشارت مصادر إلى أن الحرب في الشرق الأوسط تسببت في اضطراب سلاسل الإمداد العالمية وارتفاع تكاليف الشحن والوقود بشكل كبير. هذه العوامل أدت إلى إطالة مسارات النقل وزيادة النفقات اللوجستية، مما عرقل وصول المساعدات الضرورية إلى الفئات الأكثر احتياجاً في مناطق النزاع.
وعلى الساحة اللبنانية، أكد سكاو أن البلاد باتت مركزاً للتداعيات الإنسانية الناتجة عن التصعيد الإقليمي، مع نزوح أكثر من مليون شخص من منازلهم. وأوضح أن نحو 130 ألف نازح لجأوا إلى المدارس ومراكز الإيواء المكتظة، في ظل تصاعد حدة المواجهات العسكرية التي تزيد من تعقيد المشهد الإنساني.
العالم قد يشهد مستويات غير مسبوقة من الجوع، والسيناريو القادم يبدو كارثياً للغاية في ظل تداخل النزاعات مع الأزمات المناخية.
أما في قطاع غزة، فيسابق السكان الزمن لتخزين ما تبقى من سلع أساسية نادرة، وسط إغلاق مستمر للمعابر الحيوية مثل كرم أبو سالم ورفح. وتتذرع سلطات الاحتلال بالأسباب الأمنية لإبقاء هذه المنافذ مغلقة، مما تسبب في نقص حاد في الأدوية والمواد الغذائية الضرورية للبقاء على قيد الحياة.
وحذر المدير الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية من أن عدد الشاحنات التي تدخل غزة حالياً لا يتجاوز 200 شاحنة يومياً، وهو رقم ضئيل جداً مقارنة بالاحتياج الفعلي. وتقدر المنظمات الدولية أن القطاع يحتاج إلى 600 شاحنة يومياً على الأقل لتجنب الوقوع في براثن المجاعة الشاملة التي تهدد كافة السكان.
وفي السودان، يواجه أكثر من 21 مليون شخص، أي ما يعادل نصف السكان تقريباً، خطر الجوع الحاد مع تأكيد وقوع مجاعات في مناطق معزولة. وأدت سنوات القتال المستمر بين الجيش وقوات الدعم السريع إلى تحويل مساحات شاسعة إلى مناطق يصعب وصول فرق الإغاثة الدولية إليها.
وحذرت تقارير أممية من أن المساعدات الغذائية المخصصة للسودان قد تنفد تماماً خلال أشهر قليلة ما لم يتم توفير تمويل إضافي بمئات الملايين من الدولارات. وتسببت الحرب المستمرة منذ ثلاث سنوات في تشريد نحو 14 مليون شخص، مما جعل السودان أحد أكبر أزمات النزوح والجوع في العالم.
وتشير التوقعات الاقتصادية إلى زيادة مرتقبة بنسبة 21% في أعداد الجوعى بمنطقة غرب ووسط أفريقيا، و17% في شرق وجنوب القارة السمراء. ويعتمد السودان مثلاً على استيراد 80% من احتياجاته من القمح، مما يجعل أي ارتفاع في الأسعار العالمية بمثابة حكم بالإعدام على ملايين الأسر.
وفي الصومال، الذي يئن تحت وطأة الجفاف الحاد، سجلت أسعار السلع الأساسية ارتفاعاً بنسبة 20% منذ بدء النزاعات الإقليمية الأخيرة. وتكافح المجتمعات المحلية هناك للبقاء في ظل تدهور القدرة الشرائية وانعدام الموارد المائية، مما يعيد للأذهان صور المجاعات القاسية التي ضربت البلاد في سنوات سابقة.
ختاماً، تؤكد التقارير الدولية أن العالم يقف أمام مفترق طرق خطير يتطلب تدخلاً دولياً عاجلاً لفتح ممرات إنسانية آمنة وتوفير التمويل اللازم. إن غياب الحلول السياسية وتجاهل التحذيرات الأممية قد يؤدي إلى كارثة بشرية تتجاوز قدرة المنظمات الإغاثية على الاحتواء، مما يهدد الاستقرار العالمي برمته.





Share your opinion
تحذيرات أممية من كارثة إنسانية: 45 مليون شخص مهددون بالجوع بسبب اتساع رقعة الصراعات