حذر خبراء ومؤرخون من أن السياسات العسكرية التي تنتهجها الولايات المتحدة، وآخرها التصعيد ضد إيران، تساهم بشكل مباشر في تآكل ما تبقى من ثقة لدى المواطنين الأمريكيين تجاه الحكومة الفدرالية. وأوضح جوليان إي. زيلزر، أستاذ التاريخ في جامعة برنستون أن الحروب المتعاقبة منذ حقبة فيتنام كانت العامل الأبرز في خلق فجوة عميقة بين الشعب وصناع القرار في واشنطن.
وأشار التحليل الذي نشرته مجلة 'فورين بوليسي' إلى أن الرئيس دونالد ترامب اتخذ خطوات تصعيدية ضد إيران بالتنسيق مع إسرائيل دون تقديم مبررات متسقة أو الحصول على تفويض من الكونغرس. هذا السلوك يكرر أنماطاً سابقة من إدارة الأزمات العسكرية التي تتجاهل الشفافية، مما يؤدي بالضرورة إلى زيادة ارتياب الجمهور في مؤسسات الدولة.
تاريخياً، كانت ثقة الأمريكيين في حكومتهم قوية جداً في أعقاب الحرب العالمية الثانية وبرامج 'الصفقة الجديدة' التي أطلقها فرانكلين روزفلت. ففي عام 1958، بلغت نسبة الذين يثقون في قدرة واشنطن على فعل 'الشيء الصحيح' نحو 73%، وهي نسبة تعكس إيماناً بقدرة الحكومة على تحقيق الإنجازات الاقتصادية والعسكرية.
بدأ هذا الإرث بالانهيار مع كارثة حرب فيتنام في ستينيات القرن الماضي، حيث شعر الرأي العام بأن الإدارة لا تقول الحقيقة بشأن سير العمليات العسكرية. ومع تصاعد الاحتجاجات المناهضة للحرب، بدأت الصحافة في كشف الفجوة بين التصريحات الرسمية والواقع الميداني المرير الذي كانت تواجهه القوات الأمريكية.
جاءت لحظة التحول الكبرى في عام 1968 عندما أعلن المذيع الشهير والتر كرونكايت أن الحرب وصلت إلى طريق مسدود، داعياً إلى التفاوض بدلاً من السعي وراء نصر وهمي. هذا الموقف الصحفي الجريء عزز من شكوك الشارع الأمريكي وأضعف مصداقية الرئيس ليندون جونسون الذي كان يروج لانتصارات غير موجودة.
في عام 1971، وجه نشر 'وثائق البنتاغون' ضربة قاضية للمصداقية الحكومية، حيث كشفت هذه الوثائق السرية المسربة عن تاريخ طويل من الخداع المتعمد بشأن التدخل في فيتنام. وأظهرت الوثائق أن الرؤساء المتعاقبين ضللوا الشعب والكونغرس حول أهداف الحرب وفرص النجاح فيها، مما خلق جرحاً وطنياً لم يندمل.
لم تتوقف سلسلة التضليل عند فيتنام، بل امتدت لتشمل فضيحة 'إيران-كونترا' في عهد إدارة ريغان خلال الثمانينيات. فقد كشفت التحقيقات عن بيع أسلحة لإيران سراً وتحويل العائدات لدعم متمردين في نيكاراغوا، في انتهاك صارخ للحظر الذي فرضه الكونغرس، مما أكد أن السلطة التنفيذية تعمل أحياناً خارج إطار القانون.
إن العقود الخمسة من الأكاذيب وشن الحروب أدت لولادة أمة ساخرة، لا تثق بأي شيء تفعله الحكومة، بل وتشكك في دوافعها.
حتى في لحظات الانتصار العسكري السريع، مثل عملية 'عاصفة الصحراء' عام 1991، لم تخلُ الأمور من ادعاءات كاذبة لتبرير الحرب. فقد روجت إدارة بوش الأب لقصص ملفقة حول انتهاكات جسيمة، تبين لاحقاً أنها كانت جزءاً من حملة بروباغندا لحشد الدعم الشعبي لعمل عسكري واسع النطاق في الخليج.
لكن الضربة الأكثر قسوة للثقة العامة جاءت مع غزو العراق عام 2003، حين زعمت إدارة جورج بوش الابن وجود أسلحة دمار شامل وصلات بتنظيم القاعدة. ورغم تجنيد مسؤولين ذوي مصداقية مثل كولن باول للترويج لهذه الحجج، إلا أن الواقع أثبت زيفها بالكامل بعد بدء الغزو، مما ترك إرثاً من المرارة والتشكيك.
يرى زيلزر أن هذه العقود من الأكاذيب أنتجت 'أمة ساخرة' تشكك في كل ما يصدر عن واشنطن، وهو مناخ استثمره الجمهوريون لتعزيز أجندتهم الداعية لتقليص دور الحكومة. وفي المقابل، وجد الديمقراطيون أنفسهم في موقف صعب وهم يحاولون الدفاع عن دور الدولة في مجتمع بات ينظر إليها بريبة وتوجس.
التصعيد الأخير مع إيران يضيف فصلاً جديداً لهذا السجل الحافل بالغموض، حيث اعتمدت إدارة ترامب على حجج متغيرة وادعاءات متناقضة. فالمزاعم التي دُحضت حول امتلاك طهران لصواريخ تهدد الأراضي الأمريكية ساهمت في إضعاف الموقف الرسمي بدلاً من حشد الدعم له، مما يعمق أزمة الثقة.
إن غياب الحوار الصريح مع الكونغرس وعدم عرض القضايا المصيرية للنقاش العام يجعل من العمليات العسكرية تبدو وكأنها قرارات فردية تفتقر للشرعية الشعبية. هذا النهج لا يهدد الاستقرار الدولي فحسب، بل يقوض التماسك الداخلي الأمريكي من خلال تدمير الرابط الأخلاقي بين الحاكم والمحكوم.
خلص التحليل إلى أن استعادة ثقة الأمريكيين تتطلب أكثر من مجرد وعود انتخابية، كما حدث مع جيمي كارتر الذي وعد بعدم الكذب وفشل في تغيير المسار. إنها تتطلب مراجعة شاملة لكيفية اتخاذ قرارات الحرب والسلام، والتوقف عن استخدام التضليل كأداة للسياسة الخارجية، وهو أمر يبدو بعيد المنال في ظل الاستقطاب الحالي.
في نهاية المطاف، تظل الحروب 'غير المبررة' هي الثقب الأسود الذي يبتلع مصداقية المؤسسات الأمريكية، حيث يرى المواطن أن دماء الجنود وأموال الضرائب تُهدر في صراعات تُبنى على أنصاف الحقائق. وبدون تغيير جذري في الشفافية، ستستمر الولايات المتحدة في مواجهة أزمة هوية وطنية تغذيها الشكوك في نزاهة قيادتها.





Share your opinion
فورين بوليسي: كيف أجهزت الحروب و'أكاذيب الإدارات' على ثقة الأمريكيين بواشنطن؟