شهدت منصات التواصل الاجتماعي في المغرب والعالم العربي موجة واسعة من التفاعل والجدل، عقب انتشار قصيدة مغناة نُسب أداؤها للفنانة الموريتانية الراحلة ديمي بنت آبه. وتحمل القصيدة نقداً لاذعاً للمنتوج الدرامي الذي تعرضه القنوات التلفزيونية المغربية خلال شهر رمضان المبارك، واصفة إياه بالهابط.
ووجهت كلمات القصيدة اتهامات مباشرة لما أسمته 'أجندات خارجية'، مشيرة بوضوح إلى دور دولة الإمارات في تمويل محتوى إعلامي يهدف إلى تغريب الشاشة المغربية. واعتبر النص الشعري أن هذه الإنتاجات تسعى لتشويه صورة المجتمع والمساس بالثوابت الهوية والدينية والثقافية للمملكة.
وتضمنت القصيدة مقاطع شعرية قوية تعبر عن رفض ترويج 'التفاهة والمجون'، حيث جاء في أحد أبياتها: 'باعوا الهوية والتراث بدرهم واستبدلوا نور اليقين بعتمة'. ويعكس هذا البيت حجم الاستياء من تحويل الفن إلى أداة تجارية تخدم مصالح سياسية خارجية على حساب القيم المحلية.
وبلغ الخطاب النقدي ذروته بالإشارة الصريحة إلى الإمارات والكيان الإسرائيلي، مما أثار انقساماً حاداً بين المتابعين حول دقة هذه الاتهامات. ويرى مراقبون أن القصيدة تلمح إلى دور تمويلي مشبوه يدعم خطاباً ثقافياً غريباً عن طبيعة المجتمع المغربي المحافظ بطبعه.
وفي سياق متصل، تقاطعت هذه الانتقادات مع موقف الناقد المغربي عبد الحق الصنايبي، الذي حلل واقع الإنتاجات الرمضانية عبر منصات رقمية. وتساءل الصنايبي عما إذا كانت هذه الأعمال قد تحولت إلى معول لهدم كيان الأسرة المغربية وتهميش التاريخ الوطني المجيد لصالح نماذج مستوردة.
وأوضح الصنايبي في تحليله أن بعض المسلسلات باتت تتجاهل العمق التاريخي للمغرب، وتركز بدلاً من ذلك على تقويض القيم الأسرية. وهذا الطرح ينسجم تماماً مع ما جاء في القصيدة التي حذرت من محاولات طمس الهوية الوطنية واستبدالها بمحتوى يفتقر للقيم.
وحقق المقطع الصوتي انتشاراً هائلاً على منصات الفيديو، حيث حصد آلاف التعليقات من مستخدمين في دول عربية مختلفة مثل الجزائر والسودان والعراق والسعودية. وأبدى الكثيرون إعجابهم بجرأة الكلمات وقدرتها على ملامسة الواقع الثقافي المأزوم الذي تعيشه بعض الشاشات العربية.
باعوا الهوية والتراث بدرهم واستبدلوا نور اليقين بعتمة
وفتح انتشار القصيدة باب التساؤلات حول هوية كاتب النص الحقيقي، حيث لم يتم الكشف عن اسمه حتى الآن. وتأرجحت التخمينات بين أن يكون الشاعر مغربياً مطلعاً على تفاصيل السياسة المحلية، أو موريتانياً نظراً لارتباط الصوت بالفنانة بنت آبه.
واستحضرت القصيدة في أبياتها فترات زاهية من تاريخ المغرب السياسي، بدءاً من دول المرابطين والموحدين وصولاً إلى العلويين. ويهدف هذا الاستحضار التاريخي إلى إبراز البعد الحضاري والديني للمغرب في مواجهة ما وصفته القصيدة بمحاولات التغريب المعاصرة.
من جانب آخر، أثيرت شكوك تقنية حول مصدر العمل الفني، حيث رجح بعض المتابعين أن يكون الأداء نتاج تقنيات الذكاء الاصطناعي. وتأتي هذه الشكوك لكون الفنانة ديمي بنت آبه قد فارقت الحياة في عام 2011، أي قبل سنوات طويلة من إنتاج هذه الأعمال الدرامية المنتقدة.
ورغم عدم حسم الجدل حول حقيقة الصوت، إلا أن الرسالة السياسية والثقافية للقصيدة وصلت بقوة إلى الجمهور المستهدف. ولم تصدر أي جهة رسمية أو إنتاجية تعليقاً مؤكداً حول الجهة التي تقف وراء إنتاج هذا العمل المثير للجدل في هذا التوقيت الحساس.
ويرى مؤيدو ما جاء في القصيدة أنها تمثل 'صرخة ثقافية' ضرورية للدفاع عن القيم الاجتماعية والأخلاقية في وجه موجة الانفتاح غير المدروس. في المقابل، اعتبرها منتقدون خطاباً متشدداً يهاجم حرية الإبداع الفني ويحصر النقاش في زوايا ضيقة.
وتعكس هذه الضجة حجم الحساسية الشعبية تجاه المحتوى الدرامي الرمضاني في المغرب، والذي يحظى بنسب مشاهدة عالية جداً. كما تبرز الدور المتنامي لمنصات التواصل الاجتماعي في تحويل النقاشات الفنية إلى قضايا رأي عام تتجاوز الحدود الجغرافية للدول.
ويبقى الجدل قائماً حول تأثير التمويل الخارجي على استقلالية القرار الثقافي والإعلامي في المنطقة العربية. وتظل هذه القصيدة، سواء كانت حقيقية أو مصنعة تقنياً، وثيقة تعبر عن حالة من القلق الشعبي تجاه مستقبل الهوية الوطنية في ظل العولمة الإعلامية.





Share your opinion
قصيدة مثيرة للجدل تهاجم دراما رمضان المغربية وتتهم الإمارات بتمويل 'تغريب الشاشة'