غاب صديقي الصحفي عن زيارتي في المكتب منذ بدأ الشهر الفضيل، وعندما اتصلت به لأطمئن عليه وأسأل عن أخباره وأسباب غيابه، ردَّ بالقول: هي عادتي كلَّ رمضان. هذا الشهر لا يصلح للنقاشات الصباحية، ولا يصلح للنميمة وتبادل الأفكار، وفي غياب فنجان القهوة والسجائر يكون الكلام مجرد عبث، وتصبح الأفكار فجّة، لا تثير دهشةً ولا يكون المعنى منتظمًا في الحوارات. ثم إنني متكئ على جنح الظلام في الليل، أتنقّل بين الفضائيات وأتابع الأخبار المرعبة التي ترد كل لحظة، وأبقى ساهرًا حتى مطلع الفجر.
فكرتُ في أمرٍ آخر أكتب عنه في مقالتي، فتذكرتُ كلام صديقي، الحرب وأخبارها التي تعصف بنا كلَّ الوقت، وفي لحظة كتابتي لهذا المقال كانت الطائرات تصدر هديرها فوق سمائي، وهي ذاهبة لشنِّ غاراتٍ من لهيبٍ ونار. تُرى من سيموت بعد قصف الطائرات؟ وكم عدد القتلى؟ وما هي أعمارهم وأسماؤهم؟
أراني أجلس خلف مكتبي الخشبي بقلمٍ يجرّب أن يطيعني في الكتابة، لكنه يشعر بعجزي عن رسم سطرٍ واحد كثيف المعني، صمت يشبهني وأنا بكامل عجزي أجلس أمام قلم بحبر أزرق وورق أبيض ينتظر مني الكتابة لكن الكلام ضاع مني، وضعت منه.
لو كتبتُ عن طفلٍ في غزة يضحك فرحًا بشيءٍ ما، أو عن بائعِ العصائر الذي داهم الجنودُ بسطته في السوق القديم ورموا ما عليها من زجاجات في الطريق العام، فقطعوا رزقه وأتلفوا قوتَ أطفاله، أو عن تلك الصبية التي أوقفتها جنديةٌ على الحاجز العسكري، لا لتسألها عن شيءٍ، بل لتنتقم من جمالها وأنوثتها، أو عن ذلك الصبيِّ الذي اعتقله الجنودُ قبل الفجر، وأبرحوه ضربًا قبل أن يقتادوه معهم إلى جهةٍ مجهولة. لو كتبت عن قتلى الحروب وبلادنا التي تعيش بين حرب وحرب، وتحيا لتصرع عدوها قبل أن يصرعها. عن أحلام عجوز قضمت الحروب عمره قبل أن يحقق منها شيئًا، فأصيب بداء النسيان. عن شغف تلك الصحفية البارعة في مطاردة الأحداث، لرصد الحقيقة في أرض الواقع، وعن حقول الشعير التي كانت تنمو على ضفاف وادي الصرار قبل النكبة.
أكتب على حافة الصمت كلامًا.. محوت أكثره، حفظت أقله.
Tue 03 Mar 2026 10:04 am - Jerusalem Time





Share your opinion
الكتابة في زمن الحرب