تتصاعد المخاوف الدولية من انزلاق المنطقة نحو مواجهة عسكرية شاملة بين الولايات المتحدة وإيران، وسط ترقب عالمي لما ستؤول إليه التهديدات المتبادلة. وتبرز قضية إغلاق مضيق هرمز كأداة ضغط استراتيجية قد تؤدي إلى شلل في مفاصل الاقتصاد العالمي، خاصة مع استمرار صعود أسعار النفط مدفوعة بالمخاطر الجيوسياسية المتزايدة.
يعد مضيق هرمز الشريان الحيوي الأهم للتجارة العالمية، حيث يربط الخليج العربي بالمحيط المفتوح عبر ممر ضيق لا يتجاوز عرضه في بعض النقاط 34 كيلومتراً. وتمر عبر هذا الممر المائي نحو 21 مليون برميل من النفط يومياً، ما يمثل ثلث تجارة الخام المنقولة بحراً في العالم، بالإضافة إلى كميات ضخمة من الغاز الطبيعي المسال.
وفي حين تمتلك دول مثل السعودية والإمارات بدائل استراتيجية عبر خطوط أنابيب تصل إلى البحر الأحمر، يجد العراق نفسه في وضع شديد الهشاشة. فالاقتصاد العراقي الريعي يعتمد بشكل شبه كلي على إيرادات النفط التي تمر عبر الموانئ الجنوبية، مما يجعل أي اضطراب في المضيق تهديداً مباشراً لاستقرار الدولة المالي.
وتشير التقديرات الاقتصادية إلى أن إغلاق المضيق سيكلف العراق فقدان نحو 90% من قدراته التسويقية للنفط الخام، مما يدخل الخزينة العامة في نفق مظلم. هذا السيناريو سيضع الحكومة أمام تحدٍ عاجز عن توفير الرواتب والنفقات التشغيلية، في ظل موازنة تعتمد كلياً على التدفقات النقدية النفطية.
ويرى خبراء أن الصادرات العراقية قد تهوي من 3.4 مليون برميل يومياً إلى نحو 210 آلاف برميل فقط، يتم تصدير أغلبها عبر ميناء جيهان التركي. وحتى في حال قفزت أسعار النفط إلى 150 دولاراً للبرميل، فإن العائدات لن تكفي لتغطية أكثر من 14% من التزامات الرواتب الحكومية المتضخمة.
وتواجه بغداد معضلة زيادة الإنفاق العام الذي قفز إلى 117 مليار دولار في عام 2025، مما قلص هوامش المناورة المالية لدى صانع القرار. إن الالتزامات القطعية تجاه قطاع الموظفين والمعاشات تجعل من أي انقطاع في الإيرادات النفطية شرارة لأزمة اجتماعية وسياسية كبرى داخل البلاد.
من الناحية التقنية، فإن اضطرار العراق لتقليص الإنتاج بسبب غياب طاقة الخزن الكافية سيؤدي إلى مشكلات فنية معقدة في الحقول النفطية. ويؤكد متخصصون أن توقف التصدير لعشرة أيام فقط سيراكم ملايين البراميل التي لا تجد مكاناً للاستيعاب، مما يسبب خسائر مادية تتجاوز 6 مليارات دولار في الشهر الواحد.
إغلاق مضيق هرمز لعشرة أيام فقط سيؤدي إلى تراكم 35 مليون برميل دون طاقة خزن، ما يسبب خسائر تتجاوز 6 مليارات دولار شهرياً للعراق.
على الجانب الآخر، أعلن الحرس الثوري الإيراني جاهزيته الكاملة للسيطرة على المضيق أو إغلاقه فور صدور الأوامر العليا، مؤكداً استمرار المراقبة الاستخباراتية. وقد نفذت القوات البحرية الإيرانية مؤخراً مناورات 'السيطرة الذكية'، مما يعكس جدية التهديدات الإيرانية في حال تعرض مصالحها للخطر.
وتعد الأسواق الآسيوية، وعلى رأسها الصين والهند واليابان، الأكثر تأثراً بهذا السيناريو، حيث تستقبل أكثر من 80% من تدفقات النفط المارة عبر هرمز. وتعتمد بكين وحدها على نحو 5.4 مليون برميل يومياً من هذا الممر، مما يجعل أمن المضيق قضية أمن قومي للقوى الاقتصادية الكبرى في آسيا.
أوروبا والولايات المتحدة لن تكونا بمنأى عن التداعيات، حيث تعتمد القارة العجوز بشكل متزايد على الغاز القطري المار عبر المضيق لتعويض الغاز الروسي. كما أن اضطراب سلاسل الإمداد وارتفاع تكاليف الشحن سيؤديان إلى موجات تضخم عالمية تضرب الأسواق الغربية التي تعاني أصلاً من ضغوط اقتصادية.
والمفارقة تكمن في أن إيران نفسها قد تكون من أكبر المتضررين اقتصادياً من قرار الإغلاق، رغم كونه ورقة ضغط سياسية بيدها. فتعطيل الموانئ الإيرانية سيؤدي إلى انهيار قيمة العملة المحلية وتفاقم السخط الشعبي، فضلاً عن وضع طهران في مواجهة مباشرة مع حلفائها المستوردين لنفطها.
إن غياب الحلول الناجعة لتنويع طرق التصدير العراقية طوال العقدين الماضيين جعل من بغداد الحلقة الأضعف في أي صراع إقليمي محتمل. فالمنافذ البديلة الحالية عبر تركيا والأردن لا تمثل سوى 7% من القدرة التصديرية الكلية، وهي نسبة غير قادرة على إسناد موازنة دولة تعيش على 'الذهب الأسود'.
وفي ظل هذا المشهد المعقد، تظل الأسواق العالمية في حالة ترقب حذر، بانتظار أي إشارة لخفض التصعيد أو انفجار الموقف عسكرياً. ويبقى العراق رهينة لموقعه الجغرافي واعتماده الأحادي على النفط، في انتظار معجزات دبلوماسية تجنب المنطقة سيناريو الإغلاق الكارثي.
ختاماً، يمثل مضيق هرمز 'عنق الزجاجة' الذي يتحكم في مصير دول بأكملها، وفي حال تحول التهديد إلى واقع، فإن الخارطة الاقتصادية للمنطقة ستتغير للأبد. وسيكون على المجتمع الدولي التدخل لضمان حرية الملاحة، لتجنب انهيار اقتصادي شامل قد يطال الدول المصدرة والمستهلكة على حد سواء.





Share your opinion
العراق في عين العاصفة.. لماذا يمثل إغلاق مضيق هرمز تهديداً وجودياً لاقتصاد بغداد؟