طبعت الحقبة الاستعمارية ملامح دولة الاستقلال في تونس بصبغة واضحة، حيث تبنت النخبة المتنفذة الحداثة الأوروبية كمرجع وحيد لمحاكمة القوى الأخرى. وفي هذا السياق، برز الصدام بين التيار الإسلامي وخصومه، خاصة عندما حاولت الصحوة الإسلامية الانتظام سياسياً في مطلع الثمانينيات.
أعلنت الحركة الإسلامية في تونس منذ بداياتها التزامها بالخيار الديمقراطي والحريات العامة، مؤكدة على مرجعية الشعب في حسم مسألة الحكم. وقد سعى هذا التيار للتمايز عن المرجعية الإخوانية المشرقية، في محاولة لترسيخ انتسابه الوطني رغم المناخ السياسي العام الذي كان يتجاوز الحدود القطرية.
لم يكن الإسلاميون وحدهم من ارتبطوا بمرجعيات عابرة للحدود، فقد كان الشيوعيون التونسيون متمسكين بالأممية الماركسية كأفق لنضالهم. وبالمثل، نظر القوميون إلى تونس كـ 'قطر عربي' ضمن أمة واحدة، معتبرين الحدود الحالية مجرد صنيعة استعمارية يجب تجاوزها لتحقيق الوحدة.
عقب أحداث 14 يناير، ساد تفاؤل بقدرة الوطنية التونسية على استيعاب الجميع تحت سقف الحرية، وانخرطت القوى المختلفة في أطروحة 'الأمة التونسية'. لكن هذا المناخ لم يدم طويلاً، حيث سرعان ما عادت الانقسامات لتطفو على السطح، وبدأ مسار من التنابذ والنفي المتبادل بين الفرقاء.
يرى مراقبون أن حركة النهضة أظهرت مرونة وقابلية للتطور في خطابها السياسي سعياً لتحصين الثورة من الردة. ومع ذلك، اختار خصومها الدخول في مواجهة وصفت بأنها 'وجودية'، رافضين مد الأيدي الذي قدمه الإسلاميون للاندماج في المشهد السياسي المستقر.
بلغ الاجتهاد السياسي لدى الإسلاميين حد التخلي عن الخطاب الديني التقليدي لصالح لغة سياسية سائدة تضمن لهم المقبولية المجتمعية. إلا أن تحالفات من اليسار الوظيفي وبقايا النظام السابق والقوميين وضعت هدفاً استراتيجياً يتمثل في إخراج النهضة من المعادلة تماماً.
تعتبر إجراءات 25 يوليو في نظر الكثيرين ذروة الجهود التي بذلتها أطراف سياسية ونقابية وإعلامية لتقويض حضور النهضة الانتخابي. وقد كشفت تصريحات واعترافات لاحقة أن الهدف كان منع الحركة من الوصول إلى محطة 2024 الانتخابية بسلام، رغم شرعيتها الصندوقية.
الحجة التي تُستعمل لنفي الوطنية عن الإسلاميين هي ذاتها التي يمكن اعتمادها لنفيها عن الماركسيين والقوميين، فكلها مرجعيات مستوردة في جوهرها.
تتمحور حجة الخصوم في إقصاء النهضة حول وصفها بـ 'الإسلام السياسي' الغريب عن التربة التونسية لاعتماده أدبيات غير محلية. ورغم نجاح الحركة في صياغة أدبيات خاصة بها وتطوير مفهوم 'الإسلام الديمقراطي'، إلا أن ذلك لم يغير من موقف الرافضين لها.
تكمن المغالطة الكبرى في ادعاء خصوم الإسلاميين احتكار النسب للدولة التونسية، في حين أن مرجعياتهم الماركسية واللينينية مستمدة من تجارب أجنبية. فالماركسيون التونسيون ظلوا لعقود امتداداً فكرياً وتنظيمياً لدول مثل الاتحاد السوفياتي أو الصين الماوية أو ألبانيا.
كذلك الحال بالنسبة للتيارات القومية التي لا تعدو كونها امتداداً لأنظمة عسكرية عربية، تتأثر علاقاتها البينية بتقلبات تلك الأنظمة. فالناصري والقذافي والبعثي، كلهم يستندون إلى تنظيرات نشأت خارج السياق التونسي الصرف، ومع ذلك لا تُنزع عنهم صفة الوطنية.
إن إنكار مرجعية النهضة بسبب تأثرها بشخصيات مثل حسن البنا أو سيد قطب يتجاهل حقيقة أن الفكر البشري مشاع كوني. فكما لا يعيب الماركسي استناده لنصوص مترجمة، لا ينبغي أن يعيب الإسلامي استلهام أفكار من مفكرين إسلاميين معاصرين من خارج تونس.
الحقيقة أن جميع المرجعيات السياسية الكبرى في تونس، من ليبرالية ويسارية وقومية، هي مرجعيات 'مستوردة' بمعناها الفكري الواسع. والفرق الوحيد أن المرجعية الإسلامية تظل متصلة بالتراث العربي الإسلامي الذي يسبق عهود الحداثة الأوروبية المفروضة قسراً.
لا يرفض الإسلاميون الحداثة بشكل جذري، بل يسعون للتعامل معها بنقدية بعيداً عن منطق الحتمية التاريخية أو التقديس الأعمى. ومن هنا جاءت مقولة 'الإسلام الديمقراطي' لراشد الغنوشي كمحاولة للتوفيق بين القيم الأصيلة وآليات الحكم الحديثة.
تظل المشكلة الجوهرية في رفض الخصوم الاعتراف بالإسلاميين حتى لو تخلوا عن هويتهم بالكامل وتبنوا الديمقراطية بحذافيرها. لقد ترسخت قناعة إقصائية تعتبر الإسلامية ضداً للديمقراطية بالضرورة، وهو ما يعطل أي حل حقيقي للأزمة السياسية والهوية في البلاد.





Share your opinion
أزمة الهوية والشرعية السياسية في تونس: صراع المرجعيات وإشكالية الإقصاء