فرق هائل بين التجربة الممكنة، والمحاولة التي تؤدي إلى الكارثة، تمامًا كما هو الفرق بين المغامرة المحسوبة، والمهاترة التي تفضي إلى الهلاك. وإذا أردنا أن ننهض من بين السحق والخراب، وخطط التهجير وطمس الهوية، فأول متطلبات النهوض هو التفكير بوعيٍ مدركٍ لضرورة التوقف عن العبث، والطرب للغو الكلام الباهت الذي لا ينقذ طفلًا يموت بردًا في العراء داخل خيمة رثة لا تؤمّن الدفء ولا تمنع تسرب مياه الأمطار. وهذه هي الحكمة التي لا تزال غائبة عن البعض الذي يزاحم في شعاراته وأوهامه، خاصةً من أولئك المصابين بالانفصام عن حقيقة الواقع، أو الذين يريدون مواصلة تسويق الوهم على هذا النحو الأحمق.
إن واقع غزة وما وصلت إليه بعد عامين وأكثر من شهرين يستدعي عدم تكرار التجارب التي لم تمنح الناس الأمن والأمان، ولم تحفظ أرواحهم وممتلكاتهم. لهذا فإن المطلوب اليوم، وسط هذا الواقع الرث، هو التحلي بالحكمة بعيدًا عن الخطابات الرنانة التي تدغدغ مشاعر البعض، لكنها في الحقيقة لا تستطيع أن تحمي الناس من ويلات الخراب ومن عمليات القصف، بل إنها تجلب إليهم المزيد من الدمار والحطام. كما أن الواقع يفرض شروطه بضرورة التحلي بالفكرة القادرة على النهوض من هذا السحق، وألا تبقى أقدار الناس وحياتهم رهنًا لفكرة أو لقطة، وكأن ما يحصل مشهد سينمائي يمكن إعادته وتكراره. فهذا الدم الذي يسيل في غزة ليس ماءً، بل دم الأهل والأبناء والأصدقاء والجيران، وهذا يستدعي توقف الذباب عن نشر الفتن وبث الوهم، فما حدث ويحدث كارثة بكل معاني الكارثة، وإبادة فاقت كل معتقد، وما من ثمن أكبر من هذا الثمن الذي جعل غزة أرضًا غير صالحة للعيش، ومكانًا فاقدًا لأهلية الحياة.
الواقع الصعب الذي يعيشه الناس ليس أمرًا محتملًا، وحجم الدمار والخراب الكبير الذي أفقد أهل غزة كل شيء، لا يمكن وصفه على أنه مغامرة، بل إن الكارثة الحقيقية هي ألا تصمت تلك الأفواه التي تردد فقط الخطابة والشعار، وتبيع الوهم في سوق نخاسة بعض القنوات والفضائيات، وألا تبقى تدور في دائرة اتساع رقعة الكارثة، وأن تحكّم ضميرها (إن كان لها ضمير)، وألا تبقى تخرج عبر الفضائيات تحلل كذبًا وافتراءً ووهمًا لقاء حفنة من الأموال، فالناس في غزة عُذّبوا بما لا تطيق عليه نفس، ولا يقدر عليه أحد، موتًا وقصفًا وبردًا وجوعًا وبترًا وحرقًا ونزفًا ورعبًا وقهرًا.
آن لغزة أن تستريح، أيها العالم.
Wed 31 Dec 2025 9:24 am - Jerusalem Time
ما بعد الكارثة
بهاء رحال





Share your opinion
ما بعد الكارثة