Wed 10 Dec 2025 12:43 pm - Jerusalem Time

صدمة في مصر: زيادة كبيرة في إيجارات الأوقاف تهدد آلاف المزارعين

تسببت قرارات هيئة الأوقاف المصرية برفع القيمة الإيجارية للأراضي الزراعية والمباني السكنية والتجارية التابعة لها في صدمة كبيرة لمئات الآلاف من المزارعين الفقراء، الذين يمتلك أغلبهم أقل من فدان، وللأهالي الذين بنوا مساكنهم وأقاموا متاجرهم ومشاريعهم الصغيرة على أراضي الوقف.

أكدت وزارة الأوقاف في بيان لها أن لجنة من خبراء الزراعة بالهيئة كشفت عن وجود خلل كبير في بعض العلاقات التعاقدية والقيم الإيجارية، مما أدى إلى إهدار مال الوقف، وأنه لزم التدخل لإعادة التوازن الشرعي والقانوني المطلوب. وأضافت الوزارة أن القرارات التصحيحية التي اتخذتها اللجنة مبنية على زيارات ومعاينات مستفيضة من لجنة مركزية وإقليمية بالهيئة.

يعتمد نظام الوقف الخيري والأهلي على تجميد الأصل، مثل الأرض والعقار، وتخصيص ريعه لغرض خيري واجتماعي محدد. وقد استخدم هذا النظام في العصرين المملوكي والعثماني لتشييد المدن والمساجد والمدارس والمستشفيات. وبعد عام 1952، تم إلغاء الوقف الأهلي وضم جميع الأصول لإدارة الدولة عبر هيئة الأوقاف، التي تعتبر أحد أضخم الأذرع الاقتصادية في مصر.

اشتكى أهالي قرى وعزب وكفور مصرية من قرار رفع هيئة الأوقاف للقيمة الإيجارية للأراضي التي بحوزتهم وحوزة أسرهم منذ عقود، والتابعة للأوقاف، بمقدار ثلاثة أضعاف مرة واحدة، من حوالي 15 ألف جنيه إلى 45 ألف جنيه دفعة واحدة. كما رفعت الأوقاف القيمة الإيجارية لأراضي البساتين لأكثر من ذلك بكثير، بالإضافة إلى رفع قيم إيجارات المنازل السكنية التي بناها الأهالي طيلة السنوات والعقود الماضية.

بينما يتراوح إيجار الفدان العادي غير المملوك للأوقاف بين 15 و17 ألف جنيه، تتخوف مئات الأسر المقيمة على أراضي الأوقاف منذ عشرات السنين، والتي تقوم بزراعة منطقة وقف "فايقة عزت" بمحافظة الشرقية، من أن تكون هذه القرارات بداية لخطة طردهم من أراضيهم ومنازلهم، بسبب عجزهم عن دفع تلك القيم الإيجارية.

أكد المهندس "سيد. ف" أن هذا القرار يمثل فرصة للدولة لطرد الأهالي من أراضي الوقف، وأنه لا يستطيع أحد من الفلاحين دفع هذه القيم، متسائلا عن نوع الزراعة التي يمكن أن تحقق هذا الربح بعد حساب تكلفة الحرث والحبوب والسماد والري بمياه جوفية لعدم وصول مياه الترع لأغلب الأراضي في الصيف.

يوضح أن أسعار إيجار أراضي الأوقاف شهدت ارتفاعا تاريخيا خلال عهد السيسي. فمنذ عام 2012، كانت قيمة الإيجار حوالي 600 جنيه للفدان، ثم زادت دفعة واحدة في 2014 إلى الضعف مسجلة 1200 جنيه في حوض فايقة عزت، ثم توالت الزيادات إلى 4 آلاف جنيه، وحتى وصلت العام الماضي إلى حوالي 14 ألف جنيه، لترفعها الأوقاف مجددا إلى حوالي 40 ألفا، مما يعني أنه قرار طرد لاستبدال الأهالي بغيرهم بعقود جديدة بقيم إيجارية جديدة.

يلفت إلى أن الأوقاف تقوم بتلك اللعبة منذ سنوات، حيث أنه حال وفاة المستفيد أو المؤجر لأراضيها، توقف التعاقد وتقوم بعمل عقد جديد للورثة بقيمة جديدة أعلى بكثير.

يقول الحاج "حمدي. ر": "أزرع قطعتين من أراضي الأوقاف بمساحة 12 و13 قيراطا، (فدان إيجاري)، أدفع بعد موسم القمح 7 آلاف جنيه إيجارا عن النصف الأول من العام و7 أخرى بعد موسم الأرز، وفي النهاية أعمل أنا وأبنائي وزوجتي بلا أجر طوال العام".

ويضيف: "كنا نعطي التجار المحصول ونحصل منه على التقاوي والأسمدة ولكن هذا العام رفض التجار شراء محصول الأرز لأن مخازنهم مملوءة به، وطالبونا بدفع ثمن تقاوي القمح، التي لا نملك مالا لشرائها"، متسائلا: "فكيف لنا أن ندفع قيمة إيجارية 3 أضعاف؟، وهل الحكومة سترفع سعر المحاصيل؟"، مؤكدا أنها "فقط سترفع الإيجار وثمن البذور والسماد والجاز"، مشيرا إلى أن "صفيحة الجاز أصبح ثمنها 400 جنيه لا تكفي ريتين للأرض الزراعية".

كشف أحد مسؤولي وزارة الأوقاف عن تغيير جذري في سياسة وتوجهات هيئة الأوقاف وتوجيهات الوزارة بهذا الشأن، قائلا: "التعامل منذ سنوات مع مشروعات وأراضي واستثمارات وأملاك الأوقاف يقوم على الاستثمار وتحقيق أكبر فائدة من الوقف، وكل مدير وإدارة ومديرية مطالبون بكشف حساب أرباح أكثر بكثير من عام لآخر، مع وجود الحوافز للموظفين".

ويوضح أن "الجديد في الأمر، أنه مال وقف بالفعل ولكنه للاستثمار وليس لله كما كان الاعتقاد والسياسات القديمة"، موضحا أن "هناك مصروفات كبيرة على الأوقاف منها الصرف على المساجد (بناء وإصلاح وفرش وفواتير خدمات كهرباء ومياه ورواتب)، ورواتب الموظفين بالوزارة والهيئة، إلى جانب خطة الاستثمار التي تحتاج أموالا ضخمة، وبينها مشروعات سكنية وزراعية واستصلاح أراض وتشجير أراضي صحراوية، وغيرها".

ويؤكد أن "من يحدد قيمة الإيجار هي لجان فنية تابعة للهيئة والأساس لديها هو التسعير وفقا للقيم الإيجارية السائدة في ذات منطقة الوقف"، مشيرا إلى أن "الفدان المقترح رفع إيجاره إلى 40 و45 ألف جنيه هذه هي قيمته الإيجارية في ذات المنطقة، ما ينطبق على قيمة إيجار المحلات والورش والمصانع الصغيرة وحتى البيوت السكنية التي يبنيها الأهالي"، مؤكدا على صحة معلومة "تنازل الأهالي عن بيوتهم التي بنوها حديثا للهيئة ودفع قيم إيجارية تزيد سنويا وفقا للمنطقة".

منذ وصول السيسي للحكم عام 2014، أصدر توجيهات واتخذ قرارات وغير قوانين الوقف، بما يخدم رؤيته لتحويل الوقف إلى مشروعات استثمارية تخدم الدولة المصرية أولا، وتساهم في خفض عجز الموازنة، وفق تصريح لرئيس الوزراء الأسبق شريف إسماعيل، ما تسبب في تفريغ مفهوم الوقف الأصلي، بكونه عملا خيريا.

قبل استيلاء السيسي على الحكم في مصر منتصف 2013، كانت غالبية الأراضي والمباني المؤجرة بنظام الإيجار القديم تخضع لقيم إيجارية رمزية، ففي العام 2012 وما سبقه، كان الإيجار السنوي للفدان الزراعي يتراوح بين 500 إلى 1500 جنيه، فيما كانت إيجارات المحلات والمساكن تُقدر بعشرات أو بضع مئات من الجنيهات شهريا.

لكن شهدت الفترة ما بعد عام 2014 صدور قرارات المراجعة المستمرة للقيمة الإيجارية، حيث طبقت الهيئة زيادات وصلت في بعض الحالات إلى 500 بالمئة وحتى 2000 بالمئة على القيمة الإيجارية القديمة.

على سبيل المثال، ارتفعت قيمة إيجار الفدان الواحد في مناطق الدلتا أو الصعيد لتصل إلى ما يراوح بين 6000 إلى 15000 جنيه سنويا أو ما يعادل القيمة السوقية لمثل تلك الأراضي.

يوضح عبدالعال، أن "القيمة الإيجارية تختلف حسب الموقع (أراضي زراعية، مباني سكنية، مبان تجارية) وطبيعة العلاقة التعاقدية بين إيجار قديم وعقد جديد"، ويلفت إلى أن "الزيادة التي طبقتها الأوقاف بالسنوات الأخيرة تكشف عن تحول سياسة الهيئة المالية بتجاوز مرحلة القيمة الإيجارية الرمزية إلى تطبيق القيمة السوقية، ما أحدث زيادة كبيرة بإيرادات الهيئة".

يؤكد مراقبون أن ما تحققه الأوقاف من إيرادات يأتي لتوجيهات السيسي، برفع القيم الإيجارية، مشيرين إلى أنه وجه في 23 آب/ أغسطس 2020، بـ"عدم إبرام وتجديد عقود هيئة ووزارة الأوقاف إلا بالقيمة التجارية الفعلية الحالية العادلة (السوقية) سواء كان العقد بيعا أو تأجيرا أو حق انتفاع".

نتيجة لذلك قفزت إيرادات هيئة الأوقاف مسجلة نحو 3 مليارات جنيه في 2024، وبالنصف الأخير من العام الماضي وحده سجلت إجمالي متحصلات إيرادات الهيئة 1.566 مليار جنيه، بزيادة 27 بالمئة عن المستهدف، وبزيادة 30.54 بالمئة مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.

تشير الأرقام لزيادة كبيرة بإيرادات الهيئة التي بلغت على سبيل المثال 2.035 مليار جنيه بالعام المالي 2021/ 2022، بزيادة قدرها 216 مليون جنيه عن العام المالي 2020/ 2021.

تشير أرقام أعلنها مسؤولو الأوقاف عامي 2023 و 2024، إلى أن القيمة السوقية لأصول الأوقاف المصرية تتعدى 3 تريليونات جنيه، بينما أعلن السيسي، بالعام 2018، عن وجود 114 ألف قطعة وقف بأصول تقدر بـ180 مليار جنيه، إلى جانب حوالي نصف مليون فدان زراعي وبساتين.

يأتي توجه هيئة الأوقاف برفع القيم الإيجارية بهذا القدر في الوقت الذي يتخوف فيه مراقبون من أن تكون أراضي الأوقاف ضمن خطة حكومية لبيعها أو طرحها على مستثمرين في ظل توجه حكومي لبيع الأصول العامة والشركات الحكومية وطرح أراضي طرح نهر النيل بالقاهرة والمحافظات.

في تموز/ يوليو 2016، قرر السيسي، تشكيل لجنة لحصر أموال هيئة الأوقاف برئاسة رئيس الوزراء الأسبق إبراهيم محلب، من أراض، ومبان، ومشروعات، ومساهمات بشركات.

في تشرين الثاني/ نوفمبر 2016، أصدر الوزير السابق مختار جمعة القرار (رقم 274) بما يسمح لهيئة الأوقاف التصرف ببعض الأصول بالبيع عبر المزاد العلني أو استبدالها بأراضي أخرى لبناء مشروعات تحتاج إليها الحكومة.

في كانون الأول/ ديسمبر 2017، وجّه السيسي، بضرورة تحقيق الاستفادة المثلى من أصول وممتلكات الأوقاف، مع حصر وتقييم تلك الممتلكات بشكل شامل، وتبني هيئة الأوقاف فكرا استثماريا متطورا.

في العام 2022، أقر البرلمان مشروع قانون الوقف الخيري، "صندوق الاستثمار الخيري بوزارة الأوقاف"، برئاسة رئيس الوزراء، وبهدف دعم أجهزة الدولة في إقامة وتطوير المشروعات الخدمية والتنموية والبنية التحتية، بحسب مادتيه الأولى والثانية.

في أيار/ مايو الماضي، وجه رئيس الحكومة مصطفى مدبولي، بحصر أراضي وممتلكات هيئة الأوقاف للدخول في شراكات مع القطاع الخاص لـ"تعظيم الاستفادة منها"، مؤكدا أنها تخضع لقانون خاص ولا يمكن بيعها.

Tags

Share your opinion

صدمة في مصر: زيادة كبيرة في إيجارات الأوقاف تهدد آلاف المزارعين

Newsletter

Be the first to know the most important breaking news as it happens.

Stay up to date with the latest news. Subscribe to our breaking news service delivered to your inbox daily.

By subscribing, you agree to our Terms and Conditions and Privacy Policy.