Wed 10 Dec 2025 9:28 am - Jerusalem Time

تحليل نقدي: الانتقال الديمقراطي في تونس (2011-2021) مسار وأدوار

على الرغم من مرور أكثر من عقد على الثورة التونسية، لا تزال الكتابات النقدية والتوثيقية حولها قليلة مقارنة بحجم التغييرات التي أحدثتها في تونس والعالم العربي، فالمسار الذي بدأ في 2011 كان لحظة تأسيسية أعادت تعريف مفاهيم الدولة والحرية والشرعية، وفتحت الباب أمام أسئلة جديدة حول السلطة والمجتمع والديمقراطية، ومع ذلك، ظل التدوين العلمي لهذا الحدث محدودًا.

هذه الندرة لا تعكس نقصًا في الجهد البحثي والتوثيقي فحسب، بل تعبر أيضًا عن ضعف العلاقة بين الفعل السياسي والكتابة التاريخية في المنطقة العربية، فغالبًا ما يتم تجاوز اللحظات الكبرى دون أرشفتها أو تحليلها، والتوثيق ضرورة سياسية لإنقاذ الثورة من التشويه أو النسيان، وضرورة فكرية لفهم آليات التحول الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، وضرورة تاريخية لحفظ سردية الناس.

إذا كانت تونس قد حافظت على حد أدنى من الاستمرارية المؤسسية بعد الثورة، فإن المسار نفسه كان مليئًا بالمنعطفات، ما يجعل الحاجة إلى تحليل نقدي عميق أكثر إلحاحًا، فالفهم الحقيقي لما آلت إليه الثورة لا يكتمل دون جهد بحثي يوثق الوقائع ويحلل خيارات الفاعلين، وكتابة التاريخ القريب تقوم على قراءة أسباب التعثر بقدر ما تقوم على استعادة لحظات النجاح.

في ظل محدودية الإنتاج البحثي حول المرحلة، ظهرت معضلة إضافية تتمثل في السردية غير المكتملة للإسلام السياسي حول ما جرى بعد الربيع العربي، فهذه التيارات لم تتمكن من إنتاج رواية فكرية محكمة حول تجربتها، لا من جهة التوثيق ولا من جهة المراجعة، والزمن السياسي كان سريعًا، والانتقال من المعارضة إلى الحكم خلق انشغالًا يوميًا لم يترك هامشًا كافيًا للكتابة التأملية أو النقدية.

يمثل كتاب الانتقال الديمقراطي في تونس (2011-2021) محاولة فكرية وسياسية لتفكيك عقد كامل من التجربة التونسية، منذ سقوط نظام بن علي في يناير 2011 إلى التغييرات الجذرية التي شهدتها البلاد بدءًا من يوليو 2021، واختيار العشرية كإطار زمني هو مسعى لفهم الشروط التي جعلت المسار الديمقراطي ممكنًا في بدايته، ثم هشًا ومهددًا في نهاياته، لذلك يأتي الكتاب كمراجعة نقدية مكثفة تحاول فهم بنية الفاعلين وآليات عمل المؤسسات.

تتضاعف أهمية كتاب عز الدين عبد المولى، فالكاتب ينتمي فكريًا إلى العائلة الإسلامية الواسعة، وإلى المدرسة الأكاديمية العربية الحديثة، وهذا الموقع المزدوج يتيح له أن يكتب من داخل التجربة وخارجها في آن واحد، وهذا يمنح كتابه قيمة مضافة في مكتبة ما تزال تعاني من نقص كبير في التدوين العلمي للثورة التونسية.

القراءة التي يقدمها عبد المولى ليست مجرد شهادات أو انطباعات، بل هي محاولة لربط اللحظة الثورية بسياقاتها الاجتماعية والسياسية والفكرية، وتقديم سردية نقدية متوازنة تساعد على فهم لماذا تقدم المسار في بعض المراحل، ولماذا تعثر في مراحل أخرى، وأهمية العمل تكمن في أنه لا يكتب من موقع التبرير ولا من موقع الإدانة، بل من موقع الحاجة إلى الفهم.

بهذا المعنى، يملأ الكتاب فجوة حقيقية في المكتبة العربية، سواء على مستوى التوثيق أو على مستوى التحليل الفكري والسياسي، ويقدم نموذجًا لما ينبغي أن تكون عليه الكتابة العربية الجديدة حول الثورات والتغييرات الكبرى: كتابة علمية، نقدية، مسؤولة، وواعية بأن التاريخ لا يكتبه إلا من يملك الشجاعة على النظر في مرايا الأمل والانكسار معًا.

يبدأ الكاتب باستعادة اللحظة التأسيسية الأولى التي أعقبت الثورة، حيث امتزج الأمل العارم بتوقعات كبرى حول التأسيس لنظام سياسي جديد، ومع أن البلاد نجحت في إجراء انتخابات حرة واختيار مجلس تأسيسي وكتابة دستور جديد، فإن المؤلف يلفت إلى أن البنية العميقة للدولة لم تتغير بالسرعة المطلوبة، وأن هذا الخلل البنيوي عاد ليؤثر على كل مراحل الانتقال.

يبرز الكتاب أن التجربة التونسية لم تتعثر بسبب صراع إسلامي-علماني فقط، بل لأن المشهد الحزبي نفسه كان هشًا ومفتتًا، وغير قادر على إنتاج تحالفات حكومية مستقرة، وهذا التشظي جعل الحكومات المتعاقبة أسيرة التوازنات أكثر من كونها فاعلة في حل الأزمات، ومنطق "التوافق" كان حلًا مؤقتًا لإدارة الصراع وليس هندسة واضحة للديمقراطية، ومع مرور الوقت، تحول التوافق إلى آلية تعطل قدرة النظام السياسي على اتخاذ قرارات جريئة.

يحلل الكتاب بعمق أداء الفاعلين الإسلاميين ممثلين أساسًا في حركة النهضة، ويرى أن قوتهم التنظيمية جعلتهم لاعبًا محوريًا في السنوات الأولى، لكن اختياراتهم البراغماتية لاحقًا أضعفتهم لدى جزء من قواعدهم، وكذلك لدى خصومهم، فقد وجدت النهضة نفسها بين ضغط الهوية السياسية ومتطلبات الحكم، ما جعل خطابها يتبدل أكثر من مرة، وأدخلها في سلسلة من التنازلات التي لم تؤد إلى إدماجها الكامل في المنظومة ولا إلى الحفاظ على مشروعها الأصلي.

يتناول الكاتب دور القوى العلمانية، وخاصة نداء تونس الذي مثل رهانًا كبيرًا لاستعادة التوازن السياسي بعد 2014، لكنه سرعان ما انهار بسبب الانقسامات الداخلية، وهذا الانهيار سمح بتوسع رقعة الفوضى الحزبية، وأدخل البلاد في سلسلة من الحكومات غير المستقرة، ويقدم الكتاب هنا قراءة نقدية لمقاربات هذه النخب، التي رأت في الصراع مع النهضة هدفًا استراتيجيًا بدل أن تجعله جزءًا من مشروع بناء الدولة.

في تحليل أعمق للفاعلين غير الحزبيين، يمنح الكتاب مساحة خاصة لدور المجتمع المدني واتحاد الشغل، فالاتحاد لعب دورًا محوريًا في الوساطة خلال أزمات 2013، وأثبت أن الانتقال الديمقراطي لا يمكن أن ينجح دون فاعلين اجتماعيين مستقلين قادرين على فرض خطوط حمراء، ومع ذلك، يشير الكاتب إلى أن تدخل الاتحاد والنقابات، رغم ضرورته، ساهم في إعاقة الإصلاح الاقتصادي بسبب تضارب المصالح بين المطالب الاجتماعية وضرورات التوازن المالي.

مع التقدم نحو نهاية العشرية، يربط الكتاب بين التدهور الاجتماعي-الاقتصادي وبين التراجع السياسي، فالبطالة وتآكل القدرة الشرائية والعجز المالي والفساد وتضارب المصالح كلها عناصر غذت شعورًا عامًا بأن المسار الديمقراطي لم ينتج تحسنًا ملموسًا في حياة الناس، وهذا الإحباط الشعبي شكل الأرضية التي صعد عليها قيس سعيد بانتخابات 2019، مستفيدًا من نفور المواطن من الطبقة السياسية بأكملها، ومن رغبة عميقة في "سلطة قوية" قادرة على الحسم.

يصل السرد في الكتاب إلى محطة 25 يوليو 2021، التي يصفها باعتبارها لحظة مفصلية أنهت مرحلة وفتحت أخرى، ولا يقدم المؤلف أحكامًا جاهزة، بل يضع الحدث في سياقه التاريخي: عجز حكومات متعاقبة، برلمان بلا فعالية، صراعات حادة، وتآكل الشرعية، ويرى الكاتب أن ما حدث كان نتيجة تراكمات بنيوية، لكنه يحذر من أن "الحلول الاستثنائية" وحدها لا تنتج ديمقراطية بل قد تؤسس لمسار جديد غامض المعالم إذا لم تُبنَ على قواعد دستورية واضحة.

الكتاب ليس سردًا تاريخيًا فقط، بل دعوة لإعادة التفكير في شروط الديمقراطية نفسها: كيف يمكن لنظام سياسي أن ينجح إذا كانت مؤسساته ضعيفة؟ وكيف يمكن لحياة حزبية مفككة أن تنتج حكومات مستقرة؟ وكيف يمكن لمجتمع يعاني من فجوات اجتماعية واقتصادية أن يحتضن انتقالًا ديمقراطيًا طويل المدى؟ هذه الأسئلة يطرحها الكاتب دون تجميل، ويقترح في ختام عمله مجموعة من الدروس العملية، أهمها ضرورة إصلاح النظام الانتخابي، وتقوية الثقافة السياسية، وإعادة بناء الدولة الاجتماعية، وإعادة ضبط العلاقة بين السلطات على أساس توازني واضح.

في النهاية، يقدم عز الدين عبد المولى عملًا يعيد وضع التجربة التونسية في سياقها الواقعي بعيدًا عن الأساطير، فيبرز مكاسبها دون مبالغة، ويكشف عللها دون تهويل، وهذا العرض الممتد يجعله كتابًا مرجعيًا لكل من يريد فهم كيف صعد حلم الديمقراطية التونسية، وكيف تعثر، وكيف يمكن له أن يجدد إن وجدت الإرادة السياسية والشروط المؤسسية لذلك.

مقاربة مرحلة الانتقال الديمقراطي في تونس من داخلها فقط لا تكفي وحدها لاستيعاب تعقيدات التجربة، فقراءة التجربة بمعزل عن إطارها الإقليمي والدولي قد تؤدي إلى استنتاجات غير دقيقة، إذ لا يمكن فصل ديناميات الداخل عن تأثيرات الخارج، ولا يمكن فهم صعود الفاعلين أو تراجعهم دون إدراك شبكة العلاقات العابرة للحدود التي شكلت ضغطًا مستمرًا على المسار التونسي.

غياب ضبط المفاهيم بدقة يجعل كثيرًا من القراءات عرضة للانزلاق نحو التعميم أو الحكم الأخلاقي بدل التحليل الموضوعي، فالنقاش حول الثورة لا يزال مفتوحًا: هل كانت قطيعة مع النظام السابق أم استمرارًا له بأدوات جديدة؟ وهل كان الانتقال مسارًا تراكميًا أم سلسلة من التسويات الهشة؟ ومن دون تحديد واضح لهذه المفاهيم، يصبح من الصعب تقييم النجاح أو الفشل.

أهمية كتاب عز الدين عبد المولى تكمن في أنه خطوة أخرى في مسار طويل من القراءة والمراجعة والتفكير، خطوة تعيد فتح النقاش حول ما جرى، وما لم يجر بعد، وما يجب أن يجري كي لا يتحول الحلم الديمقراطي إلى مجرد ذكرى جميلة أو ندم جماعي، إنه كتاب يذكر بأن كتابة التاريخ ليست فعلًا محايدًا، بل مسؤولية سياسية وأخلاقية تجاه المستقبل، وأن الثورة تبقى مشروعًا قابلًا للتجدد ما دام هناك من يكتب عنها، ويحللها، ويسعى إلى إنقاذها من النسيان ومن التبسيط معًا.

Tags

Share your opinion

تحليل نقدي: الانتقال الديمقراطي في تونس (2011-2021) مسار وأدوار

Newsletter

Be the first to know the most important breaking news as it happens.

Stay up to date with the latest news. Subscribe to our breaking news service delivered to your inbox daily.

By subscribing, you agree to our Terms and Conditions and Privacy Policy.