هل رأيتم مقطع الفيديو المتداول على مواقع التواصل الاجتماعي، البث المباشر من قاعة محكمة العدل العليا الاسرائيلية أعلى سلطة قضائية في اسرائيل، احتفال صاخب وحار يوم 12-11-2025 بالجنودالاسرائيليين الذين قاموا باغتصاب أسير فلسطيني في سجن "سديه تيمان" الدموي، هل رأيتم الاحتضان والترحاب بهم، الهتافات والتصفيق من الحضور بالمجرمين الذين دخلوا قاعة المحكمة.
وسبق يوم 29-7-2024 أن اقتحم جمهور إسرائيلي معسكر "سديه تيمان" تضامناً مع هؤلاء الجنود الذين قاموا بتعذيب واغتصاب الأسرى ولمنع اعتقالهم، ومن بينهم وزراء وأعضاء كنيست ومتطرفون من كافة الاحزاب، وقد اطيح بالمدعية العسكرية الاسرائيلية اروشالمي على خلفية تسريبها مقطعاً مصوراً يكشف هؤلاء الجنود وأفعالهم الشنيعة، وبدأت التقارير و الشهادات الكثيرة عن أعمال الفحش والعنف الجنسي الممنهج في سجون الاحتلال.
دولة إسرائيل تحتفل بجنودها العائدين من حفلات الاغتصاب، تصفيق ومرح بهذا الانتصار العظيم على أجساد الاسرى والاسيرات، الجمهور يطالب باعطائهم النياشين والأوسمة، فهم أبطال قوميون هدموا جسد الأسير كما هدموا غزة، شعب إسرائيل حي، هكذا هتف الجنود وهم يمارسون اغتصاب الأسرى والأسيرات بوسائل مرعبة، شعب إسرائيل حي، وترسل عشرات الصور والفيديوهات إلى بن غفير وهيئة الأركان، شعب إسرائيل حي حتى يشرع قانون إعدام الأسرى، وقانون العار. وقانون الاغتصاب.
تصفيق للمغتصبين في قاعة المحكمة والمطالبة بالإفراج عنهم، لأنهم كانوا في مهمات عسكرية، والعنف الجنسي ضد الأسرى ذكوراً وإناثاً يحقق أهداف كسر إرادة المقاومة، وردع الجيل القادم من المقاتلين المقاتلات، وخلق صورة نصر تقول: بأننا قادرون على الوصول إلى أعمق منطقة في الانسان، تشويه الروح الوطنية من الداخل أكثر فتكا من السلاح.
في إفادتهم أمام المحكمة قال الجنود بكل فخر وثقة: نعم اغتصبنا الأسرى لنكسر أرواحهم وأحلامهم، أجسادهم هدف سياسي، فالأسير ينتزع من بيته ثم ينتزع من جسده، في عملية مزدوجة: سرقة المكان وسرقة الامان، وهكذا يتحول الجسد إلى ساحات احتلال اخرى، والى حدود جديدة لسياسة الأمن القومي الإسرائيلي.
لا داعي للصواريخ والقنابل، يقول الجنود في قاعة المحكمة، الاغتصاب وسيلة فعالة، أنه حرب على الذات الفلسطينية وعلى الوعي وتفجير الكرامة بالصدمة، قتل الروح الوطنية للفلسطينيين، تحويل الإنسان إلى ظل، وتحويل الجسد إلى وصمة تذكر الجميع أننا الشعب الاسرائيلي نملك السلطة على الحياة والموت.
تصفيق للمغتصبين، لأنهم أثبتوا أن العنف الجنسي ليس مجرد اعتداء، بل هو جزء من بنية القمع الاستعماري: يستهدف الجسد لهزم الروح، ويستهدف الأسير لهزم الرمز والمجتمع، ويستهدف الكرامة لهزم الوطن، تحويل الالم الفردي إلى أداة هندسة اجتماعية تعيد صياغة علاقة المقهور بجسده وبمجتمعه،خلق فلسطيني منزوع من الداخل، يعيش حالة انذار مستمر كأن الخطر ما يزال يقترب.
تصفيق للمغتصبين، ما أروع الاغتصاب، يقول الجنود للقضاة، التلاشي والضياع، هدمنا أعماق الاسير، جوعناه، عريناه، بترنا أصابعه، قيدناه حتى حزت القيود يديه وقدميه، ما اجمل أن تراه يتلوى، يتفسخ، يتغوط على نفسه، يزحف ويعوي، تغتصبه الكلاب، ما اروع المشهد، موسيقى ورقص ودماء.
تصفيق للمغتصبين، للشاذين والساديين في دولة مريضة متوحشة ومتهيجة، تصفيق للذين استباحوا كل المعاني والقيم الأخلاقية والإنسانية، تصفيق للقذارة والانحطاط والسفالة، تصفيق للمتعفنين والخمج الذين يتباهون ويستمتعون بجرائمهم علنا دون رادع أو محاسبة.
تصفيق للمغتصبين، شعب إسرائيل حي، وكانت معركة حاسمة مع جسد الأسير، هكذا يشرح الجنود لقضاة المحكمة: جسد الأسير يرتعش، يرتجف، نغتصبه بعصى أحياناً، أو بقنينة، أو بخرطوم مياه، نسمع أنفاسه المتقطعة، سخونته، عظامه المتكسرة، لقد أعدنا لبني إسرائيل الأسطورة، نحن بحاجة إلى كل هذا العنف حتى نستمر، وحتى نشفى من أمراضنا الوجودية، نحن بحاجة إلى عرض للقوة، وإذلال الأسير جزء من الفرجة، ومكون للهوية، لأنها الحرب على الحرية، يجب استعراض السيادة على الجسد المقهور حتى نبقى على أرض توراتنا الموعودة.
تصفيق للمغتصبين الذين حوّلوا الوطن إلى منطقة اجتياح متواصلة جسداً وجغرافيا وذاكرة، الاحتفاء بالجريمة، الصمت أمام اقتحام المجال الوجودي والرمزي للشعب الفلسطيني، طقوس الموت، والمداهمات والاغتصابات، طقوس المستوطنين في شوارعنا، طقوس الرصاص، طقوس غزة وهي تبحث عن جثتها تحت الأنقاض، طقوس خطة السلام الأمريكية التي تمارس اغتصاب الوطنية الفلسطينية وتغسل أيادي القتلة.
هذا التصفيق يكشف ما حاولت القوة إخفاءه: نظام استعماري متكامل يرى الضعيف مجرد مادة للفعل والهيمنة، وأن هناك مجتمعاً يسمح بتطبيع الوحشية ويصفق لها، بل ويمنحها هوية وأيديولوجية.
الأسير الفلسطيني الذي اغتصب، ولم يصفق له أحد، هو الشاهد الحقيقي، جسده هو وثيقة الاتهام، صمته هو صراخ أخلاقي أبعد من أي خطاب سياسي، ووجوده ذاته يفشل التصفيق، لأنه يذكر أن الإنسان لا يُمحى، حتى حين يكون مكبلاً ومنتهكاً.
إن التصفيق الذي جرى في قاعة المحكمة ليس حدثاً عابراً: إنه مرآة تصور انهيار منظومة كاملة أمام أبسط حقيقة في الوجود: كرامة الإنسان، وربما يستطيع المصفقون أن يخنقوا صوت الضحية، لكنهم لن يغطوا سقوطهم الأخلاقي، والعدالة ليست في القاعات، بل في الصمود والكتابة والمقاومة ضد هذه البشاعة المنظمة.
سيسجل التاريخ أن رجلاً فلسطينياً اغتُصب، وأن قاعة المحكمة صفقت، وأن العدالة انحنت، وأن الجريمة صارت بطولة، مرحى لتل أبيب، مرحى للأكاديميين والمفكرين في الجامعة العبرية، مرحى للباحثين والصحفيين والفنانين والمجتمع المدني في إسرائيل، مبروك لكم لقد صرتم دولة مغتصبين، دولة العنف الجنسي المبدعة في إشباع غرائزها الحضارية والوجودية والدينية، صفقوا ثم صفقوا، في داخلكم وحش ينهشكم، وجروحنا الغائرة.





Share your opinion
تصفيق للمغتصبين