صادمة، ومرعبة، تلك المشاهد المتدفقة بالصور الثابتة والمتحركة، الطالعة من إحدى الساحات وسط مدينة غزة، يظهر فيها عددٌ من الفتية لا تتجاوز أعمارهم الثامنة عشرة يجثون على ركبهم مطأطئي الرؤوس، معصوبي العيون، وقد كُبّلت أيديهم خلف ظهورهم، وهم يتعرضون لوابلٍ من الرصاص، بين جمعٍ من الناس الخارجين للتوّ من حرب إبادةٍ فقدوا خلالها أحباءهم، وخسروا أموالهم وشقاء أعمارهم، ولا يتوفرون على خيمةٍ تُؤويهم في نزوحهم الدائم.
في شرم الشيخ وقّع الوسطاء أول من أمس على اللوائح التنفيذية لتطبيق اتفاق وقف الحرب، وهو اتفاقٌ يجري تطبيقه بالتتالي، لسحب الذريعة من اليمين التوراتي الذي يعتنق عقيدةً مخادعة؛ "وافِقْ وتربّص"، بعد أن صدع نتنياهو، على غير رغبته، لأوامر ترمب بوقف الحرب، تحت وطأة الغضب العالمي الذي هز العواصم، وضغط على العصب السابع لصُناع القرار فيها، الذين سارعوا إلى تدابير عاجلةٍ بلغت حدّ وقف تصدير الأسلحة، لحمل إسرائيل على وقف متوالية التقتيل والتدمير والتجويع.
لا يمكن لمقاتلين واجهوا دبابات العدو وجنوده، الذين أبادوا أبناء شعبهم طيلة عامين ويومين، أن يوجهوا في اليوم التالي لانتهاء الإبادة فوهات بنادقهم وراجمات صواريخهم تجاه أبناء شعبهم، الذين هم أحوج ما يكونون اليوم لبلسمة جراحهم، وكفكفة دموعهم، وتقبيل رؤوسهم، والتربيت على أرواحهم، والتخفيف من آلامهم على ما فقدوه من أعز أحبابهم، والعمل على سحب أيّ ذرائع من شأنها أن تُعيق إعادة الإعمار وفتح المعابر أمام تدفق المساعدات، وحرية تنقّل الأفراد، ونقل عشرات آلاف المصابين من مستشفياتٍ خرجت عن الخدمة لتلقّي العلاج بالخارج.
أيّ مبرراتٍ تَسوقها الحركة، الخارجة للتوّ مع شعبها من مقتلةٍ هزت الضمير العالمي، لا يمكن قبولها ولا تبريرها، فمن يسعى للعب دور مؤثر في اليوم التالي لا يمكن له أن يُنزل بشعبه ما أنزله به عدوه، فالقصاص لا يكون بالشبهة، ولا بالأمزجة الحارقة المتقلبة، بقدر ما يكون بالقسطاس المستقيم، وبمحاكماتٍ عادلةٍ منزهةٍ عن الهوى ونوازع الانتقام ومشاعر الكراهية وتصفية الحسابات الفصائلية.
ما رأيناه من مشاهدَ صادمةٍ يُشوّه صورة الضحية ونضالها المشروع نحو الاستقلال والحرية، ويجعل المتعاطفين معها ينفَضّون من حولها، وهي الصورة ذاتها التي يستبطنها نتنياهو في تصوره لليوم التالي عندما قال: لا "حماس" ولا السلطة، فقد كان يقصد "اللواء فوضى" الذي ينتظره على شوقٍ ليُطيل من خلاله أمد احتلاله، ويساعده على تخليق ذرائعه، ويغسل سمعته من إبادةٍ تسبّبت في تعميق عزلة الدولة المارقة.
لنتخلّق بأخلاق سيد الخلق الذي قال في ذروة قوته واقتداره لمن حاربوه وآذوه ووضعوا الأشواك في طريقه: "اذهبوا، فأنتم الطلقاء".





Share your opinion
اليوم الدامي !