واشنطن – "القدس" دوت كوم - سعيد عريقات
طرحت الإدارة الأميركية خطة من 21 بندًا لإنهاء الحرب في قطاع غزة، تتضمن عناصر مفصلية تحمل في ظاهرها تغييرات كبيرة في نهج واشنطن تجاه القضية الفلسطينية، أبرزها الحفاظ على السكان في غزة، ورسم معالم مسار محتمل نحو إقامة دولة فلسطينية مستقبلية.
لكن ما يثير التساؤلات، ليس فقط مضمون الخطة، بل مدى جدّية الرئيس دونالد ترمب في تنفيذها، خاصة في ضوء مواقفه المتقلبة، وظروفه السياسية المعقدة مع اقتراب الانتخابات الرئاسية المقبلة.
تحول مفاجئ… ولكن لماذا الآن؟
من اللافت أن الخطة تتناقض مع تصريحات سابقة لترمب، الذي صرّح في فبراير/شباط الماضي بإمكانية نقل سكان غزة خارج القطاع وتولي الولايات المتحدة السيطرة عليه. تلك التصريحات أعطت حينها دفعة لدعوات اليمين الإسرائيلي بتهجير الفلسطينيين، دون أن تجد أرضًا صلبة للتنفيذ.
اليوم، وبعد أشهر فقط، يظهر ترمب بموقف مختلف تمامًا، داعيًا إلى إبقاء السكان في غزة، بل وتمهيد الطريق أمام كيان فلسطيني مستقل في المستقبل.
هل نحن أمام تطور فعلي في موقف ترمب؟ أم مجرد محاولة لاحتواء الضغوط الدولية والعربية، وإعادة تموضع انتخابي؟
رسائل متضاربة: خطة واسعة مقابل واقع معقد
الخطة، التي طُرحت على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، شملت نقاطًا تُرضي الطرفين إلى حدٍّ ما. فهي تنص على وقف العمليات العسكرية الإسرائيلية، إطلاق سراح الأسرى، دخول مساعدات إنسانية مكثفة، وتشكيل حكومة تكنوقراط فلسطينية انتقالية. وفي المقابل، تنادي بنزع سلاح حماس، استبعادها من الحكم، وضمانات أمنية لإسرائيل.
غير أن هذه البنود، خصوصًا تلك المتعلقة بمصير حماس، ومستقبل الدولة الفلسطينية، تصطدم بجدران سياسية صلبة:
إسرائيل، وعلى لسان رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، رفضت بشكل قاطع أي حديث عن دولة فلسطينية بعد هجمات 7 تشرين الأول، بل شبهها بـ "منح القاعدة دولة قرب نيويورك بعد أحداث 11 أيلول".
حماس من جهتها لن تقبل بسهولة بخطة تخرجها من المشهد دون ضمانات واضحة.
والسلطة الفلسطينية تواجه أزمة مشروعية تجعل دورها الانتقالي مثار جدل.
هل ترمب جاد؟ أم يُلوّح بورقة تفاوضية؟
في تحرك يبدو منسقًا، أكد ترمب أن المفاوضات "مستمرة منذ أربعة أيام" وأنها “ستستمر حتى الوصول إلى اتفاق ناجح”. كما أشار إلى اطلاع كل من حماس وإسرائيل على التفاصيل، في خطوة تهدف إلى بث الانطباع بأن هناك أرضية مشتركة تُبنى خلف الكواليس.
لكنّ مصداقية ترمب لطالما كانت محل تساؤل في ملفات الشرق الأوسط. فخلال فترته الرئاسية الأولى، انسحب من الاتفاق النووي الإيراني، دعم قرارات مثيرة للجدل كاعترافه بالقدس عاصمة لإسرائيل، وأطلق "صفقة القرن" التي لم تلقَ قبولًا عربيًا أو فلسطينيًا.
من هنا، لا يمكن فصل هذه الخطة عن السياق السياسي الأميركي الداخلي، حيث يسعى ترمب إلى كسب نقاط دبلوماسية أمام منافسيه، وإظهار نفسه كقائد قادر على حل أعقد أزمات المنطقة. هل الخطة وسيلة لإعادة تشكيل صورته؟ أم خطوة واقعية نحو حل فعلي؟
نقاط تستحق التوقف: ملامح الخطة
من أبرز بنود الخطة:
انسحاب تدريجي للجيش الإسرائيلي من غزة.
تشكيل حكومة فلسطينية انتقالية من التكنوقراط.
إشراف دولي واسع بقيادة واشنطن على إعادة الإعمار.
البدء في تنفيذ الخطة حتى في حال رفض حماس، بالمناطق الخالية من النشاط الإرهابي.
التمهيد لمسار دولة فلسطينية مشروط بإعادة الإعمار وإصلاح السلطة.
وبينما تبدو هذه النقاط طموحة، إلا أنها تفتقر إلى جدول زمني واضح، وآليات تنفيذ فعلية، مما يعزز الشكوك حول كونها “إطارًا استراتيجيًا عامًا” أكثر من كونها خطة قابلة للتطبيق المباشر.
خلاصة: نافذة فرص أم ورقة انتخابية؟
الخطة الأميركية تُقدّم، من حيث الشكل، تصورًا متوازنًا قد يجد قبولًا جزئيًا لدى بعض الأطراف الدولية والعربية، لكنها في جوهرها مرتبطة بتوقيت سياسي حساس.
وعليه، يبقى السؤال المطروح: هل ترمب مستعد لخوض صراع سياسي داخلي ودولي من أجل فرض هذه الرؤية؟ أم أن الخطة مجرد ورقة تفاوضية تُستخدم في مرحلة معينة ثم تُستبدل بغيرها؟
الأيام المقبلة ستكشف عمق الالتزام الأميركي، وقدرة الأطراف الإقليمية والدولية على دفع هذا المسار إلى الأمام، أو تركه يتبخر كسابقاته من المبادرات.





Share your opinion
خطة ترمب لغزة: هل هي مناورة سياسية أم بداية تحول حقيقي؟