Wed 03 Sep 2025 9:55 am - Jerusalem Time

"اليونيفيل" ومخطط "إسرائيل الكبرى"

راسم عبيدات

البعض قد يتساءل عن علاقة قرار مجلس الأمن الدولي بعدم التمديد لقوات الطوارئ الدولية "اليونيفيل" لمهامها في جنوب لبنان إلا لعام واحد، متجاوزًا بذلك الموقف الأمريكي الذي كان يصر على عدم التجديد لتلك القوات حتى ليوم إضافي واحد. هل أنجزت تلك القوات مهامها وأنتفت الحاجة إليها حتى لا يُجدد لها، أم أن "وراء الأكمة ما وراءها"؟

نعم، "وراء الأكمة ما وراءها". فنتنياهو الذي قال بأنه منخرط في عملية روحية وتاريخية، وفي قلب تحقيق حلم مشروع "إسرائيل" الكبرى، متلاقيًا مع شريكه المأفون ترامب في العدوان على الأمة العربية والإسلامية بأكملها، هو الذي قال بأن "إسرائيل" دولة صغيرة على الخارطة يجب أن تتمدد جغرافيًا، لتشمل وفق الخرائط "الإسرائيلية" التي عرضها نتنياهو في دورتي الجمعية العامة للأمم المتحدة (الدورتين 78 و79)، وما نُشر من خرائط على موقع وزارة الخارجية الإسرائيلية باللغة العربية، كامل فلسطين التاريخية وأجزاء من الأردن وسوريا ولبنان والعراق وحتى مصر والسعودية.

والبعض قد يتساءل: ما علاقة التجديد لمرة واحدة لقوات الطوارئ الدولية "اليونيفيل" في جنوب لبنان؟ تلك القوة التي كانت تستفيد منها "إسرائيل" عبر علاقاتها بقادة وضباط تلك القوة بجمع معلومات استخبارية، وكذلك وجودها لم يشكل رادعًا أو مانعًا أمام "إسرائيل" لشن عملياتها العسكرية والأمنية صغيرة كانت أم كبيرة. وحسب ما يقول المأثور الشعبي: "شو عدا وما بدا"، حتى تطرح أمريكا على مجلس الأمن عدم التجديد لقوات "اليونيفيل"، ومن ثم توافق على الصيغة الفرنسية بالتمديد لمدة عام واحد فقط؟

هذا الموقف جاء بعد الموافقة اللبنانية على القرار الأمريكي-الفرنسي رقم (1701)، والذي نص على انسحاب المقاومة اللبنانية من الجنوب اللبناني، وانتشار الجيش اللبناني بدلاً منها، على أن تقوم "إسرائيل" بتطبيق التزاماتها بموجب هذا القرار بإنهاء احتلالها للأراضي اللبنانية، ووقف اعتداءاتها واستباحتها للأرض اللبنانية، وإعادة الإعمار. ولكن المخطط الإسرائيلي-الأمريكي كان يقوم على عدم تنفيذ "إسرائيل" لالتزاماتها بهذا القرار، مستفيدين من وجود رئاسة وحكومة لبنانيتين ليستا ضعيفتين فقط، بل قادرتين على فرض شروطهما وإملاءاتهما عليهما. ولذلك كانت خطة المندوب السامي الأمريكي على لبنان، توماس بارك، بأن الأولوية يجب أن تكون لنزع سلاح حزب الله وتدميره، وليس لتنفيذ "إسرائيل" لالتزاماتها. وحتى خطة "الخطوة مقابل خطوة" التي اقترحها، تخلى عنها، وواصل في زيارته الأخيرة للبنان إطلاق التهديدات ضده.

هذا القرار بعدم التجديد لقوات "اليونيفيل" إلا لفترة عام غير قابلة للتجديد، مرتبط بشكل مباشر بحالة الانهيار التي يعيشها النظام الرسمي العربي، وتواطؤ معظم إن لم يكن كل أطرافه ضد محور المقاومة (دول وحركات وأحزاب)، وصولاً إلى الأطروحة السياسية الجديدة "التطبيع والسلام مقابل الأمن"، بدلاً من الأطروحة السياسية التي سادت بعد حرب حزيران/يونيو 1967، "الأرض مقابل السلام"، والتي تبنّتها قمة بيروت العربية في دورتها في آذار/مارس 2002.

هذه الأطروحة أسقطتها أمريكا و"إسرائيل" لصالح مقولة "التطبيع والسلام مقابل الأمن"، والتي تعني بالملموس نزع سلاح الجيوش العربية وحركات التحرر، واستباحة سيادتها ومناطق آمنة من أرضها لصالح "إسرائيل"، أي شرعنة وتأبيد الاحتلال. وهي إذا استطاعت أن تفرض ذلك في ظل وجود النظام السوري الجديد (نظام الجولاني - الشرع)، مناطق أمنية في سوريا، حيث باتت "إسرائيل" مسيطرة أمنيًا على ما مساحته 10480 كم²، مع استمرار عمليات الاستباحة للأرض السورية برًا وبحرًا وجوًا، مع تدمير كل القدرات العسكرية والتسليحية للجيش السوري، ومنعه من امتلاك أسلحة استراتيجية، وبناء شبكات دفاع جوي، وصولاً إلى اتفاق أمني كمقدمة للتطبيع الشامل والانضمام إلى حلف ما يعرف بـ"السلام الإبراهيمي" ترعاه أمريكا، يقوم على مقايضة النظام السوري الجديد للجولان المحتل بمزارع شبعا (غير محسومة هوية أرضها للبنان أم سوريا)، أي التخلي عن السيادة السورية والتنازل عن الجولان.

ما جرى في سوريا تطمح أمريكا و"إسرائيل" لسحبه على جبهة لبنان، بعدم السماح لعودة سكان القرى الحدودية اللبنانية إلى قراهم المدمرة، وعدم القيام بإعادة إعمارها، وكذلك عدم تمكين الجيش اللبناني (أسوة بالجيش السوري) من الدخول إلى تلك المنطقة، والتي يقول المندوب السامي الأمريكي على لبنان، توماس، بأنه يسعى لتحويلها إلى منطقة استثمار اقتصادي وعقاري، على غرار مقترح رئيسه المأفون ترامب بتحويل قطاع غزة إلى "ريفيرا الشرق" بعد طرد وتهجير سكانها.

ولذلك يصبح وجود قوات الطوارئ الدولية "اليونيفيل" لا جدوى منه، وتنتهي مهمته. فمنطقة الاستثمار العقاري والاستثماري بدل قرى الجنوب اللبناني (التي سيمنع سكانها من العودة إليها وإعادة بنائها) ستكون منطقة أمنية "إسرائيلية". وبالتالي، سيكون هذا التمدد الجغرافي الثاني في الأرض العربية لتحقيق حلم ما يعرف بـ "إسرائيل" الكبرى، الذي تحدث عنه نتنياهو وسموتريتش وبن غفير وأوريت ستروك وسمحا روتمان وغيرهم من قادة دولة الاحتلال. وهنا أود التذكير بما قامت به جماعة استيطانية يهودية بالدخول إلى جنوب سوريا، لإقامة بؤرة استيطانية ارتباطًا بمشروع "إسرائيل" الكبرى، من أجل إقامة مستوطنة هناك تعرف باسم "نفي هيشان" ومشروع "ألوني هيشان".

وهمّ من يعتقد بأن العدوان الأمريكي-الإسرائيلي-الأوروبي الغربي على المنطقة والإقليم، وكل من يقول "لا" للهيمنة والسيطرة الأمريكية و"الإسرائيلية"، سيتوقف. فهذه الحرب المستمرة والمتواصلة ستتصاعد وتتكثف لكي تمتد من القطاع إلى لبنان والعراق واليمن وإيران. هي معارك وحروب وجودية، ومعارك كسر عظم. 

وما تطرحه أمريكا وشريكتها "إسرائيل" وتوابعها من الغرب الاستعماري، هو نزع سلاح واستسلام لدول وحركات محور المقاومة، أو الموت، ولا خيار غير ذلك. ولذلك سنشهد التصعيد من أجل الوصول إلى الحسم على كل الجبهات، وستكون حروبًا بدون ضوابط أخلاقية وإنسانية، ودون الالتفات إلى ما يعرف بقرارات الشرعية الدولية ومؤسساتها، التي بات البعض يرددها كالببغاء، وهو يدرك تمامًا بأنها -كما قال الرئيس الفنزويلي مادورو، والذي تتعرض بلاده هو الآخر لعدوان أمريكي من أجل قلب نظامه والسيطرة على ثروات بلاده- منهارة وغير قادرة على فعل أي شيء.

هي معارك المنازلة الكبرى القادمة، منازلة ستحسم مصير المنطقة والإقليم والعالم. فهذا الغرب الاستعماري "المتغوّل" و"المتوحش"، و"المُسَلّع" للبشر (والناظر إليهم كسلع وبضائع)، والمغرق في العنصرية والتطرف والغطرسة والعنجهية، وفق نظريات علومه الاجتماعية والاقتصادية ("نهاية التاريخ" لفوكوياما، و"صراع الحضارات" لصموئيل هنتنغتون)، ينظرون إلينا في الشرق وفي العالم العربي والإسلامي، وبوعود إلهية حسب زعمهم، بأننا شعوب متخلفة وهمجية غير قابلة للتحضر، يجب أن يتم القضاء عليها حتى يعم العالم الأمن والاستقرار والسلام.


Tags

Share your opinion

"اليونيفيل" ومخطط "إسرائيل الكبرى"

Newsletter

Be the first to know the most important breaking news as it happens.

Stay up to date with the latest news. Subscribe to our breaking news service delivered to your inbox daily.

By subscribing, you agree to our Terms and Conditions and Privacy Policy.