يكرر التاريخ نفسه، فتسقط أمريكا ثانية في وحل العداء والخصام مع فلسطين قضيةً وشعبًا، وبالتالي لا يمكن لمثل هذه "الأمريكا" أن تكون دولة عظمى رشيدة، بل إنها بمثل هذه المواقف تفقد صوابها وتفقد حظوة حضورها وتفقد رشدها، وهي تكرر نفس المواقف ونفس السياسات عبر رؤسائها وحكامها. فمن منّا لم يسمع عن رفض أمريكا إعطاء تأشيرة للرئيس ياسر عرفات الذي كان مدعوًا لاجتماعات الهيئة العامة للأمم المتحدة، والتي أطلق فيها مقولته الشهيرة: "جئتكم بغصن الزيتون في يد، وببندقية الثائر باليد الأخرى، فلا تسقطوا الغصن الأخضر من يدي." وما كان الخطاب ليكون لولا أن الأمم المتحدة نقلت اجتماعها إلى جنيف ليصل ياسر عرفات بكوفيته ويعتلي منصة الأمم، مخاطبًا العالم بصوت الفلسطيني الحر، وبحنجرة الفدائي المناضل من أجل الحرية والعدل والسلام والاستقرار.
تكمن أهمية هذه الدورة ليس فقط في كونها ستناقش حرب الإبادة وجرائم الاحتلال، بل لكونها ستكون تظاهرة داعمة للحق الفلسطيني، وهي تؤكد ذلك من خلال الدول الجديدة التي ستنضم للاعتراف بفلسطين دولة مستقلة بحدود جغرافية واضحة وغير منقوصة، وفي مقدمتها فرنسا التي بذلت جهودًا دبلوماسية غاية في الأهمية مع المملكة العربية السعودية في إطار تهيئة المناخ الدولي للاعتراف بفلسطين من الدول التي لا تعترف بها حتى الآن وقد لاقى هذا الجهد نتائج هامة عبر تصريحات دول لها وزنها مثل فنلندا وأيسلندا وأيرلندا ولوكسمبورغ ومالطا ونيوزيلندا والنرويج والبرتغال وسان مارينو وسلوفينيا وإسبانيا.
أمريكا القبيحة تعيد ذات السياسة، فتتخذ خطوة عاجلة لمنع الرئيس الفلسطيني محمود عباس والوفد الفلسطيني من حضور اجتماعات الهيئة العامة للأمم المتحدة، والتي سوف تحظى باعتراف كبير بفلسطين وتنبذ الإرهاب والتطرف، وتلعن مجرمي حرب الإبادة المستمرة في غزة. وكنوع من الانحياز الكبير، اتخذت أمريكا قرارها وباشرت بالعمل فيه من خلال إبلاغ القيادة الفلسطينية بقرارها المتعلق بعدم الموافقة على منحهم تأشيرات الدخول، تمامًا كما حصل مع الرئيس الشهيد ياسر عرفات.
أمريكا تعيد قراراتها، فهل تعيد الأمم المتحدة مواقفها وتخرج من عباءة نيويورك إلى جنيف، لتشارك فلسطين في الدورة العامة؟ هذا سؤال سوف تجيب عنه الأيام المقبلة، وهو مرهون بقوة الضغط العربي والدولي معًا، وبثبات المواقف العربية والإقليمية والدولية، فحضور فلسطين حق كما هو منصوص في ميثاق الأمم المتحدة، فليس من حق أحد كائن من كان أن يمنع دولة من حضور أعمال الاجتماع السنوي.
أمريكا وقد فقدت رشدها وصوابها في ظل الانحياز الواضح والفاضح والتأييد التام لجرائم الاحتلال وسياسات التهجير والإبادة، تظهر في صورة قميئة وهي تتخذ لنفسها هذا الموقف تجاه منع فلسطين ممثلة بقيادتها من حضور اجتماعات الهيئة العامة للأمم المتحدة، وفي الاتجاه ذاته فإنها تواصل ضغطها على الدول التي تنوي الاعتراف بفلسطين، كي لا تعترف، رغبة منها في استرضاء الاحتلال، ومواصلة دعمه في كل المحافل الدولية والأممية





Share your opinion
أمريكا تفقد رشدها أمام الحق الفلسطيني