تتصاعد جرائم الاحتلال الإسرائيلي اليوم في مدن ومخيمات الضفة الغربية ضمن خطة أوسع لتصفية القضية الوطنية التحررية لشعبنا ولتقويض دور السلطة الوطنية سياسياً ومالياً، وفرض مشروع دولة "يهودا" على طريق "إسرائيل الكبرى" بحجة تصفية حماس ، مستغلة كل فرصة لتعزيز السيطرة الاستيطانية والتهويدية، وتكريس واقع جديد على الأرض بإعلان التوجه لفرض السيادة على الضفة الغربية وتنفيذ مشروع الإمارات المناطقية أو معازل الكانتونات في أفضل الأحوال. وتأتي هذه السياسات والجرائم المتجددة في سياق استمرار سياسة التطهير العرقي والقتل اليومي والتهجير القسري والتجويع للكل الفلسطيني دون استثناء، لتؤكد أن أي حديث عن مبدأ حل الدولتين أصبح بلا أفق عملي دون أن تكتمل معادلته بتجسيد واقع وسيادة الدولة الفلسطينة المستقلة، وأن الاعترافات بالدولة الفلسطينية، رغم أهميتها السياسية أو الرمزية من بعض العواصم الغربية، قد لا تعدو كونها مسكنات سياسية أمام الرأي العام الأوروبي والمتظاهرين في شوارع مدنهم تضامنا مع فلسطين، وفي أحسن حالتها رفضاً أخلاقياً لجرائم المحارق والتجويع، لكنها لا توقف نزيف الدم الفلسطيني ولا تحد من مشروع الإبادة المستمر طالما لا تخضع إسرائيل للعقوبات كما يُخضع الاتحاد الأوروبي إيران وروسيا وفق اعتباراتهم الواهية والعدائية بالطبع للدولتين.
وفي هذا السياق، كان موقف الولايات المتحدة في اجتماع مجلس الأمن الدولي الأخير قبل أيام منسجماً مع محددات الشراكة الاستراتيجية، حيث أبدت دعمها الكامل لإسرائيل خلافاً لكل أعضاء المجلس، رسالة واضحة بأن واشنطن تواصل إدارة الأزمة بما يخدم استراتيجيتها الإقليمية، وبما يضمن استمرار حكومة نتنياهو اليمينية كأداة تنفيذية لرؤية الأحتلال وبما يضمن التفوق الاسرائيلي في مشروع الشرق أوسط الجديد لمحاولة ضمان أن تظل أي محاولة فلسطينية لإطلاق مسار سياسي جاد أو مواجهة العدوان خارج السيطرة الأميركية محدودة النتائج بل ومحاولة غير ممكنة، وهذا ما يتطابق معه الامتناع الامريكي الصلف وغير القانوني عن منح الرئيس أبو مازن تاشيرة دخول إلى الولايات المتحدة لحضور جلسة الجمعية العامة للأمم المتحدة ، وهو ما يتوجب مواجهته بموقف ينبع من الوحدة والكرامة الوطنية والعمل مع الاصدقاء لطلب نقل الاجتماع الى مقر هيئة الأمم في جنيف.
تؤكد هذه السياسات، بما في ذلك تكرار رفض مسؤولي حكومة الاحتلال، وعلى رأسهم وزير الخارجية ساعر كما نتنياهو، لأي حلول فلسطينية مستقلة تؤدي إلى دولة فلسطينية ذات سيادة، بل وحتى إلى أي شكل من الكيان السياسي.
كما أن أي إعادة إعمار أو تدخل إنساني في غزة سيتم ربطه بالسيطرة السياسية والاستراتيجية لإسرائيل، وأن مشاريع إعادة الإعمار الأميركية أو الدولية غالباً ما ستُوظف لضمان استقرار الحكومة الإسرائيلية وهيمنتها وفرض اشتراطاتها على العرب بهدف توسيع التطبيع الإبراهيمي، وليس لصالح الشعب الفلسطيني وحقوقه السياسية وأولها في إنهاء الأحتلال.
وفي هذا السياق، يصبح تطوير الأداء الداخلي لمنظمة التحرير وحركة "فتح" وكل الحركة الوطنية الفلسطينية بما يتفق مع استحقاقات مرحلة التحرر الوطني، وتعزيز الشرعية الوطنية عبر الاستحقاقات الديمقراطية، ضرورة وطنية استراتيجية. فإجراء انتخابات حرة ونزيهة رئاسية وبرلمانية، وإعادة بناء المؤسسات الفلسطينية على أسس من التنوع في إطار الوحدة والكفاءة والمهنية والانتماء الوطني بعيداً عن اشتراطات أتفاق أوسلو وملحقاته أو لمصالح مراكز نفوذ، يمنحان القيادة الوطنية أدوات مواجهة الاحتلال ويتيحان توسيع دائرة الدعم الشعبي والسياسي، ويقويان القدرة على المقاومة القانونية والدبلوماسية، ويربطان القضية الفلسطينية بالسياق التحرري العربي والدولي بعيداً عن المبادرات الخارجية التي غالباً ما تهدف لإعادة إنتاج الهيمنة.
إسقاط المشروع الاستيطاني الإحلالي في فلسطين يبقى الهدف المركزي في كل هذه الجهود ومسيرة الكفاح الوطني التحرري، لأن استمرار الاحتلال في تثبيت الوقائع الاستيطانية وتحويل غزة إلى مساحة صراع بلا مستقبل سياسي واضح، يشكل تهديداً مباشراً للوجود الفلسطيني والمشروع الوطني وللمقاومة الفلسطينية المفترض فيها الوحدة والتكامل والعقلانية الثورية، القائمة على التنظيم الشعبي والسياسي والدبلوماسي، بحيث تشكل الضمانة الحقيقية لوقف هذا المشروع، وفرض أي مسار سياسي مستقبلي يعيد الاعتبار للقانون الدولي والشرعية الأممية والحقوق التاريخية.
وفي ضوء الأحداث الأخيرة، بما في ذلك ما أوردته تحليلات موقع "أكسيوس" حول اجتماعات البيت الأبيض لمناقشة خطة ما بعد الحرب في غزة، تظهر بوضوح محدودية القدرة الأميركية والإسرائيلية على إيجاد بديل فلسطيني لإدارة القطاع، وأن أي خطوات إعادة إعمار أو تدخل إنساني يتم توظيفها كأداة للسيطرة السياسية والاقتصادية والاستراتيجية، وليس لإيقاف العدوان أو حماية المدنيين من أبناء شعبنا.
وفي ظل هذه المعطيات، يبقى الرهان على "أمل سياسي" صيغته واشنطن مجرد وسيلة لإعادة إنتاج الواقع الاستيطاني والتهويدي واستدامة الاحتلال على الأرض، بينما ينبثق الأمل الحقيقي من وعي الشعوب حول العالم وصمود الفلسطينيين على أرضهم، ومن قدرة الحلفاء والأصدقاء عبر العالم على فضح المشروع الأستعماري وزيادة عزلة الشريكين الولايات المتحدة وإسرائيل، وممارسة ضغط دولي حقيقي لإنهاء الاحتلال وضمان الحقوق المشروعة غير القابلة للتصرف لشعبنا الفلسطيني وفق قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة في ايلول من العام الماضي الذي حدد سقفاً زمنياً لإنهاء الاحتلال. فالأعتراف الدولي لا يُقاس بعدد العواصم التي تعلنه، بل بمدى اقترانه بإرادة فعلية لإنهاء الاحتلال أولاً وإعادة فلسطين إلى قلب أي مسار سياسي عادل ومستدام وذلك مع اقتراب جلسة الجمعية العامة للأمم المتحدة.
هذا الواقع يفرض علينا جميعاً نحن الفلسطينيين إعادة تعريف المشروع الوطني التحرري، والابتعاد السياسي عن وَهم مبدأ حل الدولتين والدولة على حدود ١٩٦٧ ضمن الوقائع القائمة والجارية، والانتقال إلى مشروع كفاح سياسي مقاوم وجودي هدفه تفكيك النظام الاستعماري الصهيوني، وبناء أدوات فعل شعبية قادرة على تجاوز الانقسامات التي أثرت بواقع قضيتنا وحضورها أمام العالم، وتفعيل طاقات الداخل والشتات من خلال انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني، وربط فلسطين بالسياق التحرري العربي والعالمي، بما يشمل الشعوب الأصيلة وحركات التحرر والقوى التقدمية والمدافعين عن حقوق الإنسان والعدالة والمساواة، وتحويل القضية الفلسطينية إلى محور نضال عالمي يستثمر الفرص التاريخية لفضح سياسات الاستبداد والاستعمار والاستيطان. فالمرحلة المقبلة تتطلب وضوح الرؤية والبرنامج الكفاحي واستنباط أدوات تنظيمية قوية، واستيعاب دروس التاريخ، وتقييم مراحل المسيرة ومحطاتها السابقة، ووجود إرادة سياسية وطنية جماعية تضمن ألا تكون أي مبادرة دولية مجرد غطاء لمزيد من الهيمنة، بل أن تكون جزءاً من مشروع وطني شامل قادر على تحقيق الحرية والكرامة والعدالة.
إن هذه اللحظة التاريخية، التي كشفت هشاشة المشروع الصهيوني وانفضاح حقيقته العنصرية وعجز الأحتلال عن تكريس السيطرة المطلقة، تؤكد أهمية تفعيل المقاومة الشعبية والسياسية والدبلوماسية والقانونية، وإعادة البناء والتأسيس لمستقبل استراتيجي شامل. فالفرصة متاحة اليوم أكثر من أي وقت مضى، والموارد البشرية والسياسية متوفرة حتى على مستوى شعوب العالم المتضامنة دون حدود، وتحتاج فقط إلى قيادة وطنية موحدة في إطار تفعيل دور ومكانة منظمة التحرير كجبهة وطنية عريضة وكممثل وحيد وشرعي وصاحبة المكانة القانونية، إلى التوافق حول رؤية استراتيجية واضحة، لاستثمار هذا النهوض، ولكي تقود الشعب الفلسطيني نحو تحرره الوطني وبلوغ حقوقه المشروعة، وتحويل اللحظة الحالية إلى مرحلة تأسيسية جديدة للمشروع الوطني الفلسطيني تبدأ من إعلان الدولة تحت الاحتلال وفق وثيقة الاستقلال الوطني والدستور المؤقت للدولة وبرلمانها الذي يتوجب انتخابه وفق مبدأ الشعب مصدر السلطات، وعلى أسس القوة والحق والسيادة والعدالة والديمقراطية، لا الاستجداء والخنوع واللهث وراء سراب الوعود، وتبقى كل فلسطين هي الوطن لنا.





Share your opinion
إلى أين يتجه المشروع الوطني الفلسطيني في مواجهة الاحتلال والمخططات الأستيطانية الإحلالية؟