Fri 29 Aug 2025 12:49 pm - Jerusalem Time

"إسرائيل الكبرى" الشرق الأوسط الجديد..!!

د. هاني العقاد

 لم يستطع نتنياهو التكتم على طموحه او ان يخبئ أحلامه الأيدلوجية بإقامة "إسرائيل الكبرى”، فهي ليست فكرة بل يعتبرها استحقاقا دينيا توراتيا يمتد عبر أراضي عدة دول عربية تشمل كل فلسطين وجنوب سوريا حتى حدود دمسق وجنوب لبنان حتى حدود الليطاني وكل شبه جزيرة سيناء حتى قناة السويس وأجزاء من العراق وكل الأردن ومنطقة تبوك بالسعودية بامتداد البحر الأحمر، وبالتالي السيطرة على الممرات المائية وقناة السويس وخليج العقبة، بالإضافة لامتداد حدود هذه الدولة لتصل نهري النيل في مصر والفرات في العرق،  وهذه ليست مجرد فكرة بل رؤية توراتيه عبر عنها نتنياهو في تصريح أدهش الجميع في المنطقة وخاصة الدول التي تقيم علاقات سلام مع دولة الاحتلال، وإنما لكثير من الدول المحبة للحرية والسلام وهي بالفعل تعكس ايدلوجيا صهيونية تأسست على رؤية قديمة لقادة دولة الكيان منذ أن أنشئ هذا الكيان. لعلها تصريحات ‘ن دلت على شيء فإنها تدلل على وجود برنامج سياسي توسعي كبير يتبناه نتنياهو الذي يعتبر نفسه زعيما يهوديا، باعث "إسرائيل الكبرى".

هي إسرائيل التي لم تتغير ولم تطمح للعيش بسلام في المنطقة العربية، بل تبحث عن ذرائع أمنية وتشن حروبا دامية لتقتطع من أراضي الغير مناطق تقول عنها مناطق عازلة بدعوى حفظ الأمن وهي تتنكر لحقيقة واضحة يتفق عليها الجميع بان السلام الحقيقي هو الذي يوفر الامن والاستقرار للجميع دون استثناء وتعتقد انها بالقوة والنار والدمار وبالدم تصنع سلاما يحقق لها توسعا لتصبح دولة كبرى، وهذا اعتقاد ايدلوجي خاطئ بالدرجة الاولى. ولا يؤمن نتنياهو ومعظم وزراء ائتلاف اليمين ,بأنه اعتقاد خاطئ لانهم يحلمون بان يكونوا قادة تاريخيين لإسرائيل باعتبارهم من بعث إسرائيل الجديدة. قد لا يقبل هذا التصور الكثير من المفكرين الاستراتيجيين الإسرائيليين لانهم يعتبرون ان تمدد إسرائيل وتوسعها على حساب بعض الدول العربية بالنار والدمار والدم  قد يجر عليهم مصائب لا نهاية لها سيؤدي في النهاية لانحسار الدولة وتفككها وليس لتمددها. نتنياهو وسموترتش وبن غفير ومعظم اليمين المتطرف يسعون في الواقع لإنشاء هذه الدولة حتى لو خاضت إسرائيل حروبا على مدار سنوات باعتقادهم ان الوقت الحالي هو الفرصة المواتية لتنفيذ هذا المشروع لأنهم الآن في نشوة ليس بعدها نشوة، يعتقدون انهم استطاعوا تفكيك المحور الإيراني وإسكات كل الجبهات وتدمير غزة وسحق بنيتها المدنية وهو في الطريق لتنفيذ سيناريو لتهجير سكان غزة ومن ثم ضمها لإسرائيل وفرض السيادة على أراضيها والسماح للمستوطنين ببناء مستوطنات دائمة هناك. ولعل موضوع الضفة الغربية أيضا يسير على قدم وساق لحسم المشهد هناك بعد إقرار الحكومة الإسرائيلية تنفيذ مخطط E1 والذي سيعيق أي تواصل جغرافي للمدن الفلسطينية مع مدينة القدس ويمنح ربطا جغرافيا يتيح للمستوطنين الوصول الى مدن المركز والقدس ومستوطناتهم المنتشرة بالضفة الغربية شمالا وجنوبا، وهذا يعتبر في الحقيقة ضما فعليا لأراضي الفلسطينيين في مناطق C وفرض السيادة الإسرائيلية الكاملة على تلك المناطق. ولا أعتقد ان عملية الضم هي اخر سيناريوهات التهويد بل ان المخطط أوسع من ذلك، ففي جعبة الحكومة الإسرائيلية الحالية حكومة الحروب والإبادة الكثير من الأفكار العنصرية وأفكار التطهير العرقي تبنى على أساس تهجير كامل سكان الضفة الغربية الى دول أخرى غير الدول التي تقول عنها انها ضمن الدولة الكبرى.

اما مدينة القدس والمسجد الأقصى فان المخطط الإسرائيلي اليميني المتطرف يسير قدما في بناء الهيكل المزعوم مكان المسجد الأقصى ولكن سيكون ذلك على مراحل وبهدوء ودون اثارة عاصفة دينية بالمنطقة، وقد قال زعيم الصهيونية الدينية سموترتش لرئيس بلدية القدس الغربية (موشية ليون) "بانه على استعداد لدفع المال لبناء الهيكل"  أي ان إسرائيل ستغير سياستها فيما يخص الأماكن الدينية الإسلامية وحتى المسيحية, ولا اعتقد ان إسرائيل سوف تزيل كل المعالم الدينية الإسلامية والمسيحية من مدينة القدس في الوقت الحالي ولا المستقبل  بل ستبقي بعض الأماكن رمزيا لتعزيز الادعاء الصهيوني بان "إسرائيل الكبرى" دولة ديموقراطية تقبل بتعدد الديانات وتسمح لأصحاب الديانات الأخرى بأداء شعائرهم الدينية في مقدساتهم بالمدينة المقدسة مع الخشية انه لن يبقي هناك مسلمون ولا مسيحيون في اطار الدولة القومية الجديدة. يعتقد اليمينيون الإسرائيليون المتطرفون أن المسجد الأقصى أقيم على أنقاض هيكل بناه نبي الله سليمان، ويطالبون بتدمير المسجد لإعادة بناء الهيكل وإزالته، لكن الحكومة الإسرائيلية تخشى في هذه الآونة وكل آونه ان يفجر إزالة المسجد الأقصى حربا دينية، لذلك ستنفذ ذلك بهدوء وصمت وبعيدا عن الاعلام عبر حفر أنفاق تحت المسجد الأقصى تؤدي في النهاية لانهياره وكأن الأمر طبيعي وليس بفعل فاعل.

ان موضوع "إسرائيل الكبرى"  مرتبط بفكرة الشرق الأوسط الجديد والتي يسوق لها نتنياهو منذ بداية الحرب على غزة باعتبار ان إسرائيل اليوم من خلال هذه الحرب التي ما تزال تستمر منذ ما يقارب العامين ستغير وجه الشرق الأوسط، وهي بالفعل قد تكون نجحت الى حد ما بتفكيك بعض الجبهات التي تدعمها إيران حسب زعم إسرائيل، واستطاعت ان تتواجد على أجزاء كبيرة من الجنوب السوري والجنوب اللبناني وتفرض خرائط انتشار وتوسع جديد في المنطقة. عند سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024 سارع  نتنياهو ووزير جيشه للوقوف على احدى قمم جبل الشيخ السوري والتي احتلها الجيش الإسرائيلي مؤخرا واعلن ان بقاء إسرائيل في هذا المكان سيكون لفترة طويلة, وبعد ثلاثة شهور أي مارس 2025 عاد الى ذات المكان ليقول" لقد غيرنا وجه الشرق الأوسط " وبحسب اعتقادي فان هذا ليس مجرد حديث اعلامي بل احتفاء بما حققه نتنياهو على الجبهات في سوريا ولبنان وحتى ايران بتدمير مفاعلاتها النووية.

يوم 8 مارس (آذار)، أعلن نتنياهو، وفق صحيفة (معاريف)، أن الجيش الإسرائيلي لن يسمح لقوات النظام الجديد في سوريا بالتمركز في أي منطقة جنوب دمشق، وستحافظ إسرائيل على نفوذها هناك حتى يتم توقيع اتفاق تطبيع سوري إسرائيلي .لا أعتقد  أن تموضع قوات الاحتلال في منطقة الجنوب وبقائها على بعد 15 كيلو مترا من العاصمة دمشق يرمي إلى الوصول إلى اتفاق سلام ينهي حالة الحرب، وحالة الـلا حرب واللا سلم ,بل انه جزء من مخطط للاستيلاء على منطقة استراتيجية على الحدود لضمها إلى دولة الاحتلال في اطار السعي لأنشاء إسرائيل الكبرى, وقد كشفت بعض التقارير ان جيش الاحتلال سمح لمستوطنين إسرائيليين متطرفين مؤخراً بإقامة بؤر استيطانية جديدة في تلك المناطق حتى ان بعض المتدينين يزعمون ان من حقهم أداء الصلوات التلمودية في المناطق التي تخضع لسيطرة جيش الاحتلال بسوريا ولبنان. نتنياهو كان قد كشف ان إسرائيل تعمل الان مع واشنطن وبعض الشركاء الإقليميين الي جلب سوريا بقيادتها الجديدة الى (اتفاقيات ابرهام ) والهدف بالطبع ليس التوصل الى السلام القائم على احترام حدود وموارد كل دولة للأخرى بل انتهاز الفرصة التي تبدو فيها سوريا في أضعف أحوالها كي يضم نتنياهو اكبر قدر من الأراضي السورية لإسرائيل بدءا من الجولان الغربي وحتي منطقة السويداء في الجنوب, وقد يكون الأمر أبعد من ذلك. فإن الإسرائيليين يتكلمون عن (محور داوود)، والسيطرة عليه في حال انسحب الامريكان منه والذي يمتد من جنوب الجولان وحتى (التنف) ، ومن هناك إلى دير الزور والحدود مع كردستان العراق.

اما سيناء فان نتنياهو لا يخبئ قلقة الكبير من تركيز السيطرة المصرية لجيش مصر على كامل أراضي سيناء والمعروف ان إسرائيل حاولت في السنوات الأخيرة ان تمد مخلبها الأسود الي هذه المنطقة التي تعتبرها استراتيجية ولا يمكن ان تقبل تمركز وتموضع قوات مصرية في خطوط دفاعية ثلاث في سيناء، ليس من اجل منع تهجير سكان غزة اليها فقط وانما من اجل نزعها من مصر باعتبارها زات بعد استراتيجي للأمن الإسرائيلي، الا ان مصر تدرك الابعاد الاستراتيجية وراء محاولات إسرائيل فتح الحدود بين غزة ومصر مستغلة حالة الحرب التي تدور الان على الشعب الفلسطيني وهو في وجهة نظري ليس الا لأطماع إسرائيلية بحته في سيناء لان الخطوة التالية ستدفع اسرائيل بقوات لداخل سيناء بعد تهجير الفلسطينيين بحجة حماية أراضيها من الفلسطينيين المتواجدين في سيناء. كل هذا يجعلنا نقول إن إسرائيل قد تكون تخطط للاستغناء عن (اتفاق ابرهام)  التطبيعي ولا تريد التوسع دبلوماسيا والعيش المشترك مع الشعوب العربية، لأن أطماعها أبعد من ذلك، فأطماعها توسعية ضمن أرض إسرائيل الكبرى.

Tags

Share your opinion

"إسرائيل الكبرى" الشرق الأوسط الجديد..!!

Newsletter

Be the first to know the most important breaking news as it happens.

Stay up to date with the latest news. Subscribe to our breaking news service delivered to your inbox daily.

By subscribing, you agree to our Terms and Conditions and Privacy Policy.