Fri 09 Feb 2024 10:07 am - Jerusalem Time

عقيدة بايدن السياسية بين الحقيقة والوهم

ناجي صادق شراب

لعل من أبرز تداعيات الحرب على غزة إستعادة مفاهيم الصراع الفلسطيني الإسرائيلي وعودة القضية الفلسطينية على أنها المدخل الكامل لأمن وإستقرار المنطقة والحفاظ على المصالح الأميركية وانه لا بديل من حل للقضية، هذه النتيجة السياسية لحرب غزة والحديث عن اليوم التالي على كافة الفواعل الإقليمية والدولية . 


ومن النتائج ان السلام العربي الإسرائيلي مرهونا أيضا بالوصول لتسوية سياسية . ولكن التساؤلات عن ماهية هذه التسوية وأركانها ومحدداتها وماهيتها. وحيث أن الولايات المتحدة وعلى مدار تاريخ الصراع هي من تتحكم بمفاتيح الحل السياسي ، وهذا الحل لا يخرج عما تريده إسرائيل. ومن ابرز نتائج الحرب أيضا ان هناك تغيرات ولو طفيفة لحقت بالمواقف والرؤى السياسية أميركيا وأوروبيا ، وهي ان إسرائيل لن تستطيع تحقيق أمنها وبقائها بالقوة العسكرية وإستئصال المقاومة الفلسطينية وفرض الحلول القسرية كالهجرة، وان لا بالقوة والحرب ، لذلك كان التفكير ثانية كيف يمكن ان تكون مقاربة الدولة هي الحل والمفتاح للتسوية السياسية وتحقيق ما لم تحققه الحرب. 


ويعزى هذا للتحولات في الرأي العام الأميركي والعديد من المسيرات التي تطالب بوقف الحرب والتنديد بالموقف الأميركي من الدعم العسكري المطلق لإسرائيل لدرجة وضعها في نفس درجة المسؤولية عن حرب الإبادة .


 ومن التغيرات أيضا حكم محكمة العدل الدولية وإن كان غير ملزم لكن يمكن البناء عليه في المستقبل في مزيد من المحاكمات ونزع الصفة الأخلاقية ليس فقط على إسرائيل بل على الديموقراطية الأميركية كلها، وتزامنت هذه التغيرات مع سنة الانتخابات الأميركية وهي ألأكثر منافسة وشراسة لأن المتنفس المقابل لبايدن ترامب . وفي هذا السياق كان لا بد من البحث عن إنجاز سياسي ولو سريع يسجل للرئيس بايدن ويضمن له الفوز في الانتخابات الرئاسية القادمة . وبدأ الحديث عن ما يعرف باليوم التالي أميركيا أو بعقيدة بايدن السياسية للتسوية ، وقبل تحليل هذه العقيدة وأركانها لا بد من الإشارة إلى بعض الملاحظات او المنطلقات والمسلمات في السياسة الأميركية . أولها المكون السياسي والأيدولوجي الذي يحكم رؤية بايدن ، وهنا نذكر بمقولته "انا صهيوني ولو لم أكن يهوديا ، ولو لم توجد إسرائيل لخلقنا إسرائيل"..


 هذا الإلتزام هو الذي يفسر لنا موقفه غير المسبوق من الحرب سياسيا بتبني وجهة نظر إسرائيل بالدفاع عن النفس وبإرهابية "حماس" ، وبالفيتو في مجلس ضد وقف الحرب ، وعسكريا بالدعم العسكري الكامل وإرسال البوارج الحربية وبالتصدي لقرار محكمة العدل الدولية وبالدعم المالي وآخره توفير 17 مليار دولار . المحدد الثاني في هذه العقيدة الإلتزام بأمن وبقاء إسرائيل وله الأولوية على أية أولويات وأهداف أميركية ، فالأساس أمن إسرائيل أولا .


 والحدد الثالث الحفاظ على المصالح الاميركية في المنطقة ، فما زالت منطقة الشرق الأوسط تشكل أحد أهم المناطق الإستراتيجية لأميركا لوجود إسرائيل في قلبها . المحدد الثالث توسيع عملية التطبيع والسلام العربي وخصوصا مع السعودية كدولة محورية وازنة بتطبيع العلاقات معها يغلق ملف الصراع العربي الإسرائيلي ويغلق ملف القضية الفلسطينية. والمحدد الرابع حرمان دول إقليمية كإيران من إستثمار القضية الفلسطينية وإستمرار الصراع بما يخدم توسيع نفوذها والإعتراف بها وبمصالحها. والمحدد الخامس والمباشر ان الحرب فشلت في تحقيق أهدافها السياسية ، وان إسرائيل لن تستطيع القضاء على حماس وقدرات المقاومة والتخوفات من توسيع نطاق الحرب إقليميا وتدخل قوى وفواعل اخرى فيها مما يهدد كل مصالح أميركا للخطر. 


في ضوء هذه الثوابت والمنطلقات بدأ الحديث عن عقيدة بايدن السياسية والتي تقوم على ثلاثة اركان متداخله كل واحد منها ينفي الركن الآخر المكون الأول وهو إعادة التأكيد من جديد على حل الدولتين، وان الدولة الفلسطينية هي المفتاح لأمن وإستقرار المنطقة وتسوية الصراع من جذوره ،وهذه الرؤية ليست جديدة ولا تشكل تحولا في السياسية الأميركية ولا في إدارة الرئيس بايدن الذي لم يتوقف عن الإعلان عن حل الدولتين دون تحويل هذه الرؤية إلى واقع وبرنامج عمل ملموس . هذا الإعلان يحتاج إلى إعتراف كامل في مجلس الأمن وتحويل الدولة الفلسطينية من دولة مراقب إلى دولة كاملة العضوية تحت الاحتلال . ويتطلب مواقف وسياسات ملموسة تتمثل في إنهاء الاحتلال وتفكيك الإستيطان وحل عقدة القدس وتواجه تحديات تتمثل في الرفض المطلق لنتنياهو وحكومته اليمينية لفكرة الدولة .


 ويبدو أن هذا الإعتراف لا يخرج عن الإطار الشكلي لأنه يربط قيام الدولة بأمن إسرائيل وهو ما يعني تفريغ الدولة من مفاهيم السيادة والقدرة العسكرية ومنح إسرائيل سيطرة كاملة على الحدود ، ويعني أيضا نهاية لكل أشكال المقاومة الفلسطينية وربطها أيضا بحق العودة والغائه ولعل هذا أحد الأسباب لوقف تمويل وكالة الغوث الدولية" الأونروا" والبحث عن بديل لها,هذا الربط يعني فقط دولة فلسطينية بروتوكولية وتحويل السلطة من سلطة حكم ذاتي لسلطة دولة. اما المكون الثالث وهو إمتداد ومكافأة لإسرائيل وإقناعها بالقبول بالدولة الشكلية إتمام صفقة التطبيع مع السعودية والتي ستفتح كل الأبواب الواسعة لتطبيع العلاقات مع بقية الدول العربية. بقراءة لهذه العقيدة يبدو ان الثمن هو الدولة الفلسطينية وهي أضعفها ولا أحد يعلم متى سيتم الإعلان الرسمي لها وأي مفاوضات وأي ضمانات , عقيدة اقرب للوهم منها للحقيقة .. لوهم الدولة الفلسطينية.

Tags

Share your opinion

عقيدة بايدن السياسية بين الحقيقة والوهم

Newsletter

Be the first to know the most important breaking news as it happens.

Stay up to date with the latest news. Subscribe to our breaking news service delivered to your inbox daily.

By subscribing, you agree to our Terms and Conditions and Privacy Policy.