ما إن استيقظ العالَم على ما حصل في فنزويلا من توجيه ضربات أمريكية سريعة وحاسمة ومفاجئة، وخطف رئيسها وزوجته من غرفة نومهما واقتيادهما إلى نيويورك لمحاكمتهم، حتى توالت البيانات والتحليلات المختلفة الصادرة من بعض الدول، المنددة بما حصل ومن بعض المحللين السياسيين والكُتّاب، وجميعها تناولت الموضوع مِن منطلق مثالي خيالي عاطفي لا مِن منطلق واقعي عملي عقلاني، وجاءت هذه البيانات والتحليلات تحت عناوين مختلفة مثل (العملية في فنزويلا تَعدٍ صارخٌ على القانون الدولي والشرعية الدولية)، (اعتقال رئيس فنزويلا يعتبر انتهاكاً صارخاً لميثاق الأمم المتحدة)، (أمريكا البلطجية)، (ما قامت به أمريكا تَعدٍ صارخ على سيادة دولة أخرى من المفروض احترامها والحفاظ عليها)، (ترمب البلطجي)، (ترمب يتصرف كرئيس عصابة). وبطبيعة الحال كُلَّ ذلك يَنُم عن الضعف وقلة الحيلة، كالصين التي اعتبرت وعلى لسان وزارة الخارجية ذلك تَعدٍ على الشرعية الدولية، وطالبت بالإفراج عن مادورو رغم أنَّ خطف مادورو رسالة موجهة إلى الصين كإحدى الدُول المستفيدة من بترول فنزويلا وهي حليفٌ لها.
إن ما قام به ترمب يندرج تحت عنوان البقاء للأقوى، من هذا المنطلق فإن كُلَّ الدُّول سابقاً، ستبقى تعمل وتسعى من أجل مصلحتها على كل المستويات: السياسية والجغرافية والاجتماعية والمائية، حتى وإن تعارضت مصلحة دولة مع دولة أخرى، فهنا تسعى الدولة الأقوى للحفاظ على مصلحتها للسيطرة على الدولة الضعيفة؛ لأن الذي يحكم العلاقات الدولية في هذه الحالة هي القوة والقوة فقط، فالدولة الأقوى هي التي تستطيع أن تفرض نفسها كشخصية معنوية، وأن تفرض شروطها وتلزم الدولة أو الدول الأخرى الأضعف بتنفيذ قراراتها وتلبية شروطها.
فمادورو -رغم أن فنزويلا بقيادته وجميع دول أمريكا اللاتينية مجتمعة، وليس منفردة، لا تستطيع مجابهة الوحش الأمريكي- رفض السير تحت المظلة الأمريكية وشروطها، لأنه زعيم وطني احتفظ بكرامته وكبريائه، وبقي على ولائه وانتمائه لبلده مثل باقي بعض الزعماء في دول أمريكا اللاتينية، ومنهم سلفه هاغو تشافيز والرئيس الكوبي الراحل فيدل كاسترو، رغم أن بلديهما تقعان ضمن الخارطة الجغرافية لأمريكا.
ترمب ليس مغروراً ولا متهوراً ولا عابراً ولا حالة طارئة على السياسة الأمريكية، فهو امتداد لسياسة عبر عقود من الزمن، ولكنني سأختزلها منذ قامت أمريكا بضرب هيروشيما وناكازاكي اليابانيتين أثناء الحرب العالمية الثانية، حين بدأت أمريكا بالصعود، والخطوة الثانية كانت عندما وَقَّعَعت مع بريطانيا اتفاق (إيجار واستئجار– ادفع وارفع) الذي بموجبه زودت أمريكا بريطانيا بالأسلحة، الأمر الذي حسم الحرب العالمية الثانية لصالح دول الحلفاء بقيادة بريطانيا، ليشهد العالم بعد ذلك انطلاق الحرب العالمية الثالثة والمعروفة باسم الحرب الباردة بين أمريكا والاتحاد السوفييتي، وذلك بعد السقوط المدوي لبريطانيا وفرنسا بعد عدوانهما الثلاثي على مصر عام 1956، لتنتهي هذه الحرب (الحرب الباردة) بتفكيك الاتحاد السوفييتي، ليعلن بعد ذلك الرئيس الأمريكي جورج بوش الأب تَشَكُّل وتشكيل النظام الدولي الجديد، وهو النظام الدولي الأمريكي أحادي القطب، الذي تلاه قيام أمريكا بقيادة تحالف لتدمير وتحطيم العراق، وإجباره بالقوة العسكرية على الانسحاب من الكويت، الذي كان معناه تَرَبُّع أمريكا على عرش العالم بدون منازع، وأن أمريكا هي الآمر الناهي وهي شرطي العالَم.
وامتداداً لهذه السياسة قام بوش الابن باحتلال أفغانستان، ومن ثم أعلن سياسةً جديدةً في إطار تشكيل النظام الدولي الجديد، وهي سياسة بُنيت على (من ليس معي فهو ضدي) وهذا يعني أن بوش الابن لم يكتفِ حتى بحياد الدول، بل يريد أن تكون معه، فهو لم يقبل حتى بالحلول الوسط، فإما معي أو ضدي.
ورغم ما يُقال عن تهور ترمب ومغامراته، فإنه من المعروف أن السياسة الأمريكية تحكمها مؤسسات ودوائر تُشرف عليها وتقودها عقول فذة وخبراء متمرسون سياسياً، عسكرياً واقتصادياً، فترمب ليس متهوراً ولا مغامراً ولا يتصرف كرئيس عصابة أو بلطجي -وبالطبع ترمب كغيره من الزعماء الأمريكيين يريد ألّا يخرج من البيت الأبيض إلا وقد ترك بصمته على مجرى السياسة الخارجية الأمريكية، وهو بلا شك يرغب في أن يكون رئيساً أمريكياً مميزاً وبامتياز- وإنما يتعامل من منطلق أنه الأقوى، والسيد المطاع، وهو رئيس يقود أقوى دولة تستطيع في ساعات أو أسابيع إنهاء دولة وإقامة دولة أُخرى بدلاً منها، وهو يعتبر أنه لم يَعتدِ على الشرعية الدولية، فَمَا هي الشرعية الدولية أصلاً؟ أَلَيسَت شرعيةَ الأقوياء ضد الضعفاء؟! أَلَيسَت هي شرعيةُ الدول المنتصرة في الحرب العالمية الثانية، التي قسّمت العالم كما يطيب ويحلو لها بحسب مصالحها وأهوائها؟! أَوَ لَيسَت هذه هي شرعية الغاب؟!
والآن كل المصالح تراجعت وضعفت، ولم يبقَ على المسرح الدولي إلا مصلحة واحدة وشرعية واحدة، وقانون واحد، وهو يحدد مصالح باقي الدول السياسية والاقتصادية والجغرافية والمائية، وأعتقد حتى الاجتماعية، فها هو ترمب يحذر إيران من مغبة التطاول على المتظاهرين، والعالَم كله ينتظر ضربة أمريكية لإيران، فهي قاب قوسين أو أدنى، والكل ينتظر لحظة الصفر عدا غرينلاند التي يريد ترمب شراءها، وكأنه يريد شراء علبة "ويسكي" من محل تجاري، ولم يكلف نفسه -على فرض أن له حقاً في ذلك- عناء إرسال وفد إلى فنزويلا لشراء بعض ثرواتها، فهو يريد غرينلاند، وفقط يريدها من منطلق أنه بالقوة يستطيع شراء أي شيء، وكأن الكرة الأرضية ملكه.
أقول ذلك رغم أنني كنت من المتفائلين بأننا على أبواب نظام دولي متعدد الأقطاب بظهور روسيا والصين الى جانب أمريكا، وأن الأخيرة بدأت تضعف رويداً رويداً، هكذا كان تحليلي عندما بدأت الحرب في سوريا عام 2011، لكن الحقيقة -وهي حقيقة مرة- أن روسيا تحديداً ما زالت بعيدة كل البُعد عن أن تكون نداً لأمريكا، ولقد ثبت ذلك منذ رحيل الرئيس السوري بشار الأسد، ذلك أن الذي كان يُثَبِّت الأخير وأركان نظامه في سوريا هي روسيا والصين وايران، وما دامت روسيا لم تستطع إبقاء وحماية بشار الأسد على رأس الدولة في سوريا فهي ضعيفة، والذي قرر رفع الغطاء عن الرئيس السوري حسب اعتقادي أمريكا بالتنسيق مع بعض الدول، ومنها روسيا.
أقلام وأراء
الخميس 22 يناير 2026 10:02 صباحًا - بتوقيت القدس
خطف مادورو.. رسالة ترمب إلى العالَم: أمريكا هي الأقوى
فلسطين
الخميس 22 يناير 2026 10:00 صباحًا - بتوقيت القدس
منع دخول "التكنوقراط"... محاولة يائسة لتعطيل المرحلة الثانية
د. عمر رحال: نتنياهو سيستخدم تسهيل دخول اللجنة بنداً إضافياً على الطاولة كورقة مساومة ضمن سياسة جعل التفاصيل ملفات تفاوض
جهاد حرب: وجود لجنة التكنوقراط في غزة وبدء عملها فعلياً سيفتحان الباب أمام تنفيذ المرحلة الثانية وهو أمر لا يريده نتنياهو
نزار نزال: منع اللجنة لعدم انسجامها مع الشروط الإسرائيلية وعلى رأسها نزع السلاح وإنهاء وجود "حماس" تنظيمياً وسياسياً وإدارياً
د. رهام عودة: منع دخول لجنة التكنوقراط إلى غزة لا يرتبط بآلية عمل اللجنة بل بفك الحصار عن القطاع ورمزية فتح معبر رفح
فراس ياغي: إسرائيل تسعى إلى توجيه رسالة بأن كل ما يجري في القطاع يخضع للتوافق الأمريكي الإسرائيلي وأنها المتحكمة بالمشهد
نعمان توفيق العابد: منع لجنة التكنوقراط من دخول غزة يعكس بوضوح عدم رغبة حكومة نتنياهو في الانتقال إلى المرحلة الثانية
رام الله – خاص بـ"القدس"-
يأتي منع دخول اللجنة الوطنية الفلسطينية لإدارة قطاع غزة "لجنة التكنوقراط" إلى القطاع، كما يؤكد محللون سياسيون، في سياق تصعيدٍ سياسيّ إسرائيليّ يتجاوز البعد الإجرائي أو الأمني، ليعكس سياسة ممنهجة تهدف إلى إبقاء مفاتيح الحركة والعمل داخل القطاع بيد الاحتلال، وفي محاولة لتعطيل بدء المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة.
وبحسب كتاب ومحللين سياسيين ومختصين، في أحاديث منفصلة مع "ے"، تُظهر هذه الخطوة أن أي مسار إداري أو إنساني أو سياسي في غزة لا يزال مشروطاً بإرادة إسرائيلية مباشرة، في ظل غياب التزام حقيقي بالانتقال إلى مراحل لاحقة من التفاهمات المطروحة.
ويشير الكتاب والمحللون والمختصون إلى أن الاحتلال يوظف ملف دخول اللجنة كورقة ضغط ومساومة، عبر ربطه بملفات تفاوضية أوسع، تشمل المرحلة الثانية، ووقف الحرب، وفتح المعابر، لا سيما معبر رفح، ويعكس هذا النهج رغبة إسرائيلية في تعطيل أي إدارة فلسطينية، حتى وإن كانت تكنوقراطية الطابع، خشية أن يؤدي عملها إلى تثبيت واقع سياسي وإنساني جديد في القطاع.
سياسة إسرائيلية ممنهجة
يؤكد الكاتب والمحلل السياسي د. عمر رحال أن منع إسرائيل لجنة التكنوقراط من دخول قطاع غزة لا يُعد خطوة جديدة في سلوك الاحتلال، بل يندرج ضمن سياسة إسرائيلية ممنهجة تقوم على التحكم بالحركة والتنقل وعرقلة أي مسار قد يفضي إلى تغييرات سياسية أو ميدانية حقيقية.
ويشير إلى أن الاحتلال سبق أن منع الرئيس الراحل ياسر عرفات والرئيس محمود عباس من التنقل والمغادرة والدخول، في سياق مشابه من التضييق والتحكم.
ويبيّن رحال أن هذا المنع يحمل رسالة سياسية واضحة مفادها بأن رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو هو صاحب القرار النهائي، وهو من يمنح أو يمنع التصاريح، سواء للجنة التكنوقراط أو لغيرها، باعتباره المتحكم بكل التفاصيل.
أداة ضغط وعرقلة لعمل اللجنة
ويعتبر رحال أن هذه الخطوة ليست مجرد إجراء أمني، وإنما أداة ضغط وعرقلة لعمل اللجنة، ورسالة موجهة إلى جميع الأطراف المعنية، مفادها أن أي تقدم في المراحل اللاحقة، سواء على صعيد الإعمار أو الواقع الميداني في غزة، سيبقى مرهوناً بالإرادة الإسرائيلية.
ويشير إلى أن نتنياهو سيستخدم هذا الملف كورقة مساومة في المفاوضات السياسية والدبلوماسية المقبلة، بحيث يصبح تسهيل دخول اللجنة بنداً إضافياً على طاولة التفاوض، وليس أمراً بديهياً، بل ضمن سياسة إسرائيلية تاريخية في جعل التفاصيل ملفات تفاوض.
ويلفت رحال إلى أن تشكيل اللجنة بحد ذاته لا يعني بالضرورة قدرتها على العمل، إذ إن دخولها إلى غزة قد يخضع لسلسلة جديدة من المفاوضات والمماطلة والاشتراطات الإسرائيلية.
الاتفاقيات مع إسرائيل تفتقر لمرجعية دولية
وعلى الصعيد الداخلي الإسرائيلي، يرى رحال أن هذه السياسة تمثل أيضاً رسالة موجهة إلى شركاء نتنياهو في الائتلاف الحكومي الحالي أو المستقبلي، مفادها بأنه الضامن لبقاء الأمور على حالها، وعدم السماح بنجاح أعمال اللجنة أو انتقال الوضع إلى مراحل متقدمة تتعلق بالإعمار أو الاطلاع المباشر على حجم الدمار في القطاع.
ويؤكد أن الاحتلال لا يحترم الاتفاقيات ولا يلتزم بمواعيد أو مواثيق، لغياب أدوات وآليات ضغط حقيقية تجبره على الالتزام، لافتاً إلى أن الاتفاقيات الموقعة مع إسرائيل تفتقر لمرجعية دولية ملزمة، ما يتيح للاحتلال تفسيرها وتنفيذها بما يخدم مصالحه فقط.
ويتطرق رحال إلى ما تداولته وسائل إعلام حول تعرض رئيس لجنة التكنوقراط د. علي شعث لتأخير دام نحو سبع ساعات جسر الكرامة قبل السماح له بالمغادرة نحو الأردن ثم إلى مصر، معتبراً أن هذه الحادثة تعكس طبيعة الإهانة والابتزاز السياسي.
ويرى رحال أنه كان يجب على د. علي شعث إعلان استقالته إثر تلك الحادثة ووضع الأطراف الدولية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، أمام مسؤولياتها للضغط على إسرائيل لاحترام الاتفاقات.
دخول اللجنة في نهاية المطاف
ويتوقع رحال أن تدخل اللجنة إلى غزة في نهاية المطاف، لكن بعد مماطلة إسرائيلية وفرض شروط صارمة، تشمل التحكم في مواعيد الدخول والخروج، وتحديد المناطق المسموح للجنة بزيارتها، ما سيمنعها من الاطلاع الشامل على حجم الدمار في القطاع.
ويشير رحال إلى أن أي تحرك للجنة سيبقى خاضعاً للتعليمات الإسرائيلية، مع احتمال تدخلات دولية لاحقاً لتسهيل الدخول والخروج، لكن دون ضمان حرية حركة حقيقية.
المرحلة الثانية التي لا يريدها نتنياهو
يؤكد الكاتب والمحلل السياسي جهاد حرب أن منع إسرائيل لجنة التكنوقراط من دخول قطاع غزة يندرج في إطار محاولاتها الواضحة لعرقلة الانتقال إلى المرحلة الثانية من التفاهمات، لما تحمله هذه المرحلة من استحقاقات سياسية وميدانية من شأنها تقويض ذرائع الاحتلال للاستمرار في الحرب والسيطرة العسكرية. ويوضح حرب أن وجود لجنة التكنوقراط في غزة وبدء عملها فعلياً سيفتح الباب أمام تنفيذ المرحلة الثانية، ولا سيما ما يتعلق بإدخال مساعدات أوسع تحت إشراف جهة مستقلة، بما ينهي الذرائع الإسرائيلية المتكررة بشأن استيلاء حركة حماس على المساعدات، وبدء المرحلة الثانية لا يريده رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو.
ويبيّن حرب أن المرحلة الثانية تتجاوز مسألة المساعدات الإنسانية، لتشمل وقف الحرب بشكل كامل، رغم احتمالية استمرار خروقات إسرائيلية محدودة عبر اغتيالات أو عمليات عسكرية متفرقة.
ويلفت إلى أن هذه المرحلة تتضمن التحضير لمسألتين أساسيتين، الأولى تتعلق بتشكيل قوة استقرار دولية ودخولها إلى القطاع، والثانية البدء بعملية نزع سلاح حركة حماس، وهو ما من شأنه تجريد إسرائيل من مبرراتها للبقاء العسكري في قطاع غزة أو في ما يُعرف بالمنطقة الصفراء، إضافة إلى وقف العمليات العسكرية بحق المواطنين الفلسطينيين.
ويوضح حرب أن فتح معبر رفح يُعد من النتائج الجوهرية للمرحلة الثانية، إذ سيُحدث تحولاً نوعياً في آلية إدخال المساعدات إلى قطاع غزة، ويكسر حالة التحكم الإسرائيلي شبه الكامل بالمعابر، الأمر الذي ينعكس على الوضع الإنساني والاقتصادي في القطاع.
الإبقاء على حالة المراوحة
وحول السيناريوهات المحتملة، يشير حرب إلى أن السيناريو الأول، وهو الأسوأ، يتمثل في عدم الانتقال إلى المرحلة الثانية، والإبقاء على حالة المراوحة، بحيث لا تتمكن لجنة التكنوقراط من استلام مهامها فعلياً، مع استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي في المناطق الشرقية لفترة أطول.
ويعتبر حرب أن هذا الخيار يخدم رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو سياسياً وانتخابياً، في ظل توجهه نحو انتخابات مع نهاية العام الجاري، وسعيه لتوظيف الحرب ضمن معركته السياسية الداخلية، والبقاء حتى نهاية دورة الكنيست الحالية مع ائتلاف يميني متطرف.
أما السيناريو الثاني، وفق حرب، فيقوم على السماح بدخول لجنة التكنوقراط وبدء عملها، ما يفتح المجال لإدارة شؤون قطاع غزة وحوكمة الحكم فيه، ويؤدي إلى تصاعد المطالبات الدولية بإطلاق عملية إعادة الإعمار، بالتوازي مع نزع السلاح وانسحاب إسرائيلي متدرج من المنطقة الصفراء.
ويشير حرب إلى سيناريو ثالث أقل ترجيحاً، يتمثل في تنفيذ مخطط لإعادة الإعمار في المناطق الشرقية فقط، وفق تصورات أمريكية – إسرائيلية سابقة، تقوم على عزل السكان الفلسطينيين أو إدارة حماس في المناطق الغربية، معتبراً أن هذا الاحتمال بات ضعيفاً في ضوء المؤشرات الحالية، وعلى رأسها تشكيل لجنة التكنوقراط والمجلس التنفيذي لإدارة قطاع غزة وبدء تشكيل مجلس السلام بقيادة أمريكية.
رسائل متعددة
يوضح الباحث المختص بالشأن الإسرائيلي وقضايا الصراع نزار نزال أن منع الاحتلال الإسرائيلي اللجنة الوطنية الفلسطينية لإدارة قطاع غزة "لجنة التكنوقراط" لا يمكن فهمه بوصفه إجراءً تقنياً أو أمنياً، بل يأتي في سياق سياسي واضح يحمل رسائل متعددة تعكس الرؤية الإسرائيلية لمستقبل القطاع وطبيعة السيطرة المفروضة عليه.
ويشير نزال إلى أن الرسالة الأولى التي تسعى إسرائيل إلى تكريسها تتمثل في نزع الشرعية عن أي إدارة فلسطينية لا تخضع لشروطها المسبقة، لافتاً إلى أن إسرائيل تريد تأكيد مقولة مفادها أنه "لا سلطة في غزة دون موافقة إسرائيلية كاملة".
ويرى أن رفض السماح بدخول اللجنة إلى قطاع غزة، رغم طابعها التكنوقراطي، يعود إلى عدم انسجامها مع الشروط الإسرائيلية، وعلى رأسها نزع سلاح حركة حماس والمقاومة الفلسطينية نزعاً فعلياً، والعمل ضمن مظلة أمنية إسرائيلية، وإنهاء وجود حماس تنظيمياً وسياسياً وإدارياً داخل القطاع.
ويبيّن نزال أن الرسالة الثانية تتعلق بإفشال "الإدارة الرمادية"، حيث تمثل لجنة التكنوقراط حلاً وسطاً لا يخضع لحماس ولا للسلطة الوطنية الفلسطينية، وهو نموذج ترفضه إسرائيل لأنه يبقي غزة فلسطينية الهوية، ويمنع فرض ترتيب أمني طويل الأمد.
ويعتبر نزال أن إسرائيل من خلال هذا المنع ترسل رسالة مفادها بأن الخيارات المطروحة محصورة بين نموذج إسرائيلي كامل أو فراغ يتم التحكم به بالقوة.
ويشير إلى أن الرسالة الثالثة موجهة للوسطاء الدوليين والإقليميين، وفي مقدمتهم الولايات المتحدة ومصر وقطر، حيث تسعى إسرائيل إلى رفع سقف شروطها والضغط على واشنطن لفرض ترتيبات تتناغم مع الرؤية الإسرائيلية.
أما الرسالة الرابعة، بحسب نزال، فتتمثل في منع تكريس أي مرجعية فلسطينية في غزة حتى لو كانت بلا لون أو برنامج سياسي، في حين تستهدف الرسالة الخامسة الداخل الإسرائيلي، عبر التأكيد على سياسة "لا تنازلات، ولا إدارة فلسطينية، ولا عودة لتجارب الماضي".
إمكانية الاكتفاء بإدارة إغاثية محدودة
وحول السيناريوهات المتوقعة، يرجّح نزال سيناريو استمرار المنع مع إدارة الأمر الواقع، بما يعني غياب لجنة التكنوقراط والسلطة، والاكتفاء بإدارة إغاثية محدودة وسيطرة أمنية غير معلنة، محذراً من أن هذا المسار سيؤدي إلى استنزاف طويل وانفجار محتمل يعيد القطاع إلى مربع الحرب.
ويتحدث عن سيناريو ثانٍ يقوم على تعديل اللجنة وفق شروط إسرائيلية صارمة، ما يحولها إلى لجنة شكلية خدمية بلا صلاحيات سيادية، مع فشل متوقع على المدى المتوسط. أما السيناريو الثالث وفق نزال، فيتمثل بفرض إدارة أو وصاية دولية أمنية انتقالية، وهو سيناريو يحمل مخاطر الرفض الشعبي والصدام الميداني وإعادة إنتاج الفوضى.
ويؤكد نزال أن إسرائيل لا تسعى إلى إدارة غزة بقدر ما تريد التحكم بمصيرها دون تحمل المسؤولية، مشدداً على أن القطاع لم يعد ساحة خدمات، بل بات ساحة صراع على السيادة واختباراً حقيقياً لإرادة المجتمع الدولي ونقطة فاصلة في مستقبل القضية الفلسطينية.
رمزية معبر رفح وفك الحصار
تعتقد الكاتبة والمحللة السياسية د. رهام عودة أن منع دخول أعضاء لجنة التكنوقراط إلى قطاع غزة لا يرتبط بملاحظات إسرائيلية على آلية عمل اللجنة أو على تركيبتها وشخصياتها، وإنما يتصل بشكل أساسي برمزية فتح معبر رفح وفك الحصار عن القطاع.
وتوضح أن جميع أعضاء اللجنة حصلوا مسبقاً على موافقات أمنية إسرائيلية قبل الإعلان الرسمي عن تشكيلها، مؤكدة أنه لا يمكن للإدارة الأمريكية الإعلان عن اللجنة دون تنسيق مسبق مع إسرائيل.
وتبيّن عودة أنه حتى الآن لم تصدر أي اعتراضات إسرائيلية رسمية تتعلق باللجنة، ما يعزز فرضية أن سبب المنع لوجيستي بالدرجة الأولى، ويتمثل في آلية الدخول إلى غزة عبر معبر رفح.
وتشير عودة إلى أن إسرائيل ما زالت تعترض على فتح المعبر في الاتجاهين، تحت ذريعة عدم استلام الجثة الأخيرة، مشيرة إلى أن الاحتلال يرفض فتح المعبر استثنائياً أمام أعضاء اللجنة، خشية أن يتحول ذلك إلى ضغط سياسي وإنساني يفرض استمرار فتحه أمام سكان قطاع غزة.
وحول السيناريوهات المحتملة، تتوقع عودة في السيناريو الأول أن يتم التوصل إلى حل لمشكلة معبر رفح، بما يتيح السماح لأعضاء اللجنة بدخول غزة وبدء عملهم من داخل القطاع، بالتنسيق مع حركة حماس.
وتشير عودة إلى أن عمل اللجنة في هذه الحالة سيقتصر على الملفات الإنسانية والإغاثية دون الجوانب الأمنية، مع محاولة استيعاب موظفي حكومة حماس ضمن إدارة اللجنة.
استمرار استهداف عناصر "حماس"
وترجّح عودة استمرار الاستهداف الإسرائيلي لعناصر حماس، في إطار سياسة استنزاف تدريجي، مقابل بقاء حماس مسؤولة عن إدارة الوضع الأمني مؤقتاً، إلى حين موافقة دول عربية وأجنبية على إرسال قوات للإشراف الأمني بالتنسيق مع لجنة التكنوقراط، مع سعي حماس للحفاظ على وضع سياسي وعسكري مشابه لنموذج حزب الله في لبنان في حال توقفت العمليات الإسرائيلية ضدها.
أما السيناريو الثاني، فيتمثل –بحسب عودة– في استمرار إغلاق معبر رفح، وبقاء عمل لجنة التكنوقراط عن بُعد من مصر، مع تفويض مهامها لنواب عنها داخل غزة ينسقون مع حماس لإعادة هيكلة القطاع الحكومي.
وتحذّر عودة من أن هذا السيناريو قد يترافق مع إعلان إسرائيلي عن نية نزع سلاح "حماس" بالقوة في حال رفضت ذلك طوعاً، ما قد يؤدي إلى عودة الحرب على قطاع غزة، ولو بشكل جزئي.
قبول مبدئي بشروط
يوضح الكاتب والمحلل السياسي فراس ياغي أن تشكيل اللجنة الوطنية لإدارة قطاع غزة "لجنة التكنوقراط" جاء بعد مخاض طويل وحصل مسبقاً على موافقات من الولايات المتحدة وإسرائيل، ما يعني أنها حظيت منذ البداية بقبول مبدئي، لكن هذه الموافقة لم تكن مطلقة، بل ارتبطت بشروط سياسية وأمنية أوسع تتعلق بالمرحلة الثانية من الخطة الأمريكية.
ويبيّن أن التفاهمات التي جرت بين رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو والرئيس الأمريكي دونالد ترمب حول أطر المرحلة الثانية، أكدت أن ما تم حتى الآن يندرج في إطار إجراءات شكلية لا تمس القضايا الجوهرية.
ويشير ياغي إلى أن أي خطوات عملية داخل قطاع غزة، بما في ذلك بدء عمل اللجنة الوطنية، تتطلب اتفاقاً جديداً ومباشراً بين واشنطن وتل أبيب، مؤكداً أن تشكيل اللجنة لا يعني عملياً الشروع في تنفيذ المرحلة الثانية من خطة ترمب.
رسالة من إسرائيل بتحكمها بالقطاع
ويوضح ياغي أن إسرائيل تسعى من خلال منع اللجنة دخول غزة إلى توجيه رسالة واضحة مفادها أن كل ما يجري في القطاع يخضع للتوافق الأمريكي–الإسرائيلي، وأنها الجهة المتحكمة بالمشهد ميدانياً وسياسياً.
ويستشهد برفض الاحتلال فتح معبر رفح إلا بشروط، أبرزها العثور على جثة الأسير الإسرائيلي راني غويلي، إضافة إلى شروط أمنية تتعلق بآليات التفتيش وأعداد الداخلين والخارجين عبر المعبر بحيث يكون عدد المغادرين أكبر من القادمين.
ويوضح ياغي أن إسرائيل طرحت مقترحات تشمل إنشاء نقطة مراقبة إلكترونية بين الجانب الفلسطيني والمصري من معبر رفح للمراقبة عن بعد، وفتح مسلك إضافي بعد الجانب الفلسطيني من المعبر يخضع لإشرافها المباشر، إلى جانب اشتراط أن يكون عدد المغادرين من غزة أكبر من عدد القادمين إليها.
ويعتبر ياغي أن هذه الشروط تعكس إصرار الاحتلال على تكريس سيطرته الكاملة، وإبقاء لجنة التكنوقراط في إطار لجنة خدمية إدارية بلا صلاحيات فعلية.
إطالة أمد الأزمة وتهيئة التهجير
ويؤكد ياغي أن المماطلة الإسرائيلية في الانتقال إلى المرحلة الثانية تهدف إلى إطالة أمد الأزمة الإنسانية في قطاع غزة، وتهيئة الأرضية لسيناريو التهجير.
ويلفت إلى أن إسرائيل ما زالت تتحدث عن خطط عسكرية محتملة، في حال لم يتم نزع سلاح حركة حماس خلال فترة زمنية محددة، وفق ما يتم تداوله حول "مجلس السلام" الذي يُتوقع أن يعلنه ترمب.
وحول السيناريوهات المحتملة، يشدد ياغي على أن مستقبل غزة بات مرتبطاً بالرؤية الأمريكية للمنطقة ككل، التي تتقاطع مع الرؤية الإسرائيلية في مسألة نزع السلاح وإعادة هندسة الجغرافيا والديموغرافيا.
ويشير ياغي إلى تصريحات ترمب التي تحدث فيها عن رغبة أعداد كبيرة من سكان غزة بمغادرتها، معتبراً ذلك جزءاً من مشروع سياسي أوسع يستهدف خلق كيان فلسطيني جديد بلا سيادة، وقيادة فلسطينية لا ترتبط لا بحركة حماس ولا بالسلطة الفلسطينية، في إطار ما وصفه نتنياهو بـ"نزع التطرف"، وهو ما يجعل التهجير السيناريو الأكثر حضوراً في المرحلة المقبلة.
غياب النية الحقيقية لتنفيذ الالتزامات
يؤكد الكاتب والباحث السياسي والمختص في العلاقات الدولية نعمان توفيق العابد أن حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لم تكن في أي مرحلة معنية بوقف العدوان على الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، ولا بإنهاء الحرب أو التخلي عن مخططات إعادة الاحتلال والاستيطان، وأفكار التهجير والتطهير العرقي وتصفية القضية الفلسطينية، مشيراً إلى أن أي مسار يقود إلى وقف إطلاق النار يتعارض جوهرياً مع عقيدة هذه الحكومة وأهدافها السياسية.
ويوضح أن هذا الموقف يفسر محاولات نتنياهو المستمرة لعرقلة أي تحرك سياسي أو ميداني يؤدي إلى إنهاء العدوان، مشيراً إلى أن عدم التزام الاحتلال بتطبيق المرحلة الأولى من الاتفاق، رغم كونها المرحلة الأسهل من حيث إطلاق سراح الأسرى الإسرائيليين وجثثهم، يعكس غياب النية الحقيقية لدى الحكومة الإسرائيلية لتنفيذ التزاماتها كما نصت عليها الاتفاقات.
ويبيّن العابد أن المرحلة الثانية من الاتفاق تحمل التزامات تتناقض كلياً مع نهج حكومة نتنياهو، وفي مقدمتها الانسحاب من قطاع غزة من الخط الأصفر إلى الخط الأحمر، وهو ما ترفضه الحكومة الإسرائيلية، إضافة إلى تثبيت الشعب الفلسطيني في أرضه عبر التصدي لمخططات التهجير، وإطلاق مسار إعادة الإعمار والانتعاش الاقتصادي من خلال مؤتمرات المانحين، فضلاً عن دور لجنة التكنوقراط الفلسطينية، التي يرى الاحتلال أنها تتعارض مع أهدافه.
رفض أي شكل من الحكم الفلسطيني
ويشير العابد إلى أن حكومة نتنياهو لا تريد أي شكل من أشكال الحكم الفلسطيني في غزة، بغض النظر عن الجهة التي تتولى الإدارة، موضحاً أن معارضتها لا تقتصر على حركة حماس أو السلطة الوطنية الفلسطينية، بل تمتد إلى رفض مبدئي لأي سيادة أو إدارة فلسطينية على القطاع.
ويؤكد أن التدخل الدولي، سواء عبر دعم أو الإشراف على لجنة التكنوقراط، أو من خلال المجلس التنفيذي الوسيط، أو حتى عبر وجود قوات دولية، يُعد من وجهة نظر حكومة نتنياهو تهديداً لنهجها القائم على الانفراد بالقرار الفلسطيني، والسعي لفرض رؤيتها عبر الإدارة الأمريكية.
ويحذر العابد من وجود خشية فلسطينية وعربية من أن تتحول بعض الأطر المطروحة، وعلى رأسها مجلس السلام، إلى بديل عن الهيئات الدولية، بما قد يضر بالقضية الفلسطينية.
مرحلة جديدة من المماطلة
ويؤكد العابد أن منع لجنة التكنوقراط الفلسطينية من دخول غزة يعكس بوضوح عدم رغبة حكومة نتنياهو في الانتقال إلى المرحلة الثانية، وعدم التزامها بتطبيق مخرجات قمة شرم الشيخ، محذراً من أن ذلك سيقود إلى مرحلة جديدة من المماطلة والتسويف، وتعطيل الاستحقاقات اللاحقة.
ويربط العابد هذا السلوك بالأزمة السياسية الداخلية التي يعيشها نتنياهو، وسعيه لاستخدام التشدد تجاه القضية الفلسطينية كأداة دعاية انتخابية مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية.
ويشير العابد إلى أن السيناريو الأرجح في المرحلة المقبلة يتمثل بمحاولة حكومة نتنياهو إبقاء الوضع في غزة على ما هو عليه، ومواصلة السيطرة والتقسيم، إلى ما بعد الانتخابات الإسرائيلية، ما لم يطرأ ضغط دولي حقيقي، ولا سيما من الإدارة الأمريكية والوسطاء والضامنين العرب والدول الفاعلة، لفرض تنفيذ الاتفاقات كما تم التوافق عليها.
أقلام وأراء
الخميس 22 يناير 2026 9:59 صباحًا - بتوقيت القدس
"قطعة جليد" بحجم قارة!
بعد خطاب ترامب الذي قرر فيه ان يطلب قطعة جليد اسمها "جرينلاند"، وكأنها مكعب ثلج سقط سهوا من كوب كوكتيل على طاولة البيت الابيض، عاد العالم ليكتشف ان منطق القوة حين يَمَل لا يبحث عن ارض دافئة، بل عن ثلاجة. اوروبا ترفض طبعا، ثم يعود ترامب ليشرح لهم ان الرفض لا يعني شيئا حين تكون الرغبة مدعومة بتاريخ طويل من اعتبار الكوكب مخزنا مفتوحا لمن يملك اسطولا حربيا قويا، وخطابا شعبويا صالحا للاستهلاك الانتخابي.
القصة تبدو للوهلة الاولى نكتة سياسية، بل ربما تصلح لعناوين ساخرة ثم تمر، لكن خلف هذه المزحة الباردة يكمن منطق قديم يعاد تدويره بلغة جديدة، الارض ليست شعبا ولا تاريخا، ولا نظاما قانونيا، بل فرصة استثمارية لم تحجز بعد، وبهذا المعنى لا يختلف طلب قطعة جليد عن طلب حقل نفط، او ميناء استراتيجي، او ممر تجاري، او حتى شراء شعب من العبيد، لكن الاختلاف فقط في درجة الصراحة، وفي الجرعة الاعلامية التي ترافق الطلب.
ترامب لم يختر "جرينلاند" عبثا، فالموقع مهم، والموارد واعدة، والمناخ المتحول يحول الجليد الى كنز قابل للتنقيب والاستثمار، وهنا يصبح تغيّر المناخ الذي تدفع الشعوب ثمنه فرصة ذهبية لإعادة ترتيب خرائط النفوذ، فالكارثة البيئية تتحول الى اعلان استثماري، والعالم يشاهد العرض ثم يصفق للدهشة، ويعود الى اعماله اليومية.
اللافت ليس فقط في الطلب بل في طريقة تقديمه، فلا حديث عن سيادة، ولا عن سكان، ولا عن حقوق تاريخية، بل عن صفقة فقط، وكأن السياسة العالمية عادت رسميا الى عصر القراصنة والشركات التجارية الكبرى، حين كانت الجزر تباع وتشترى مقابل اسهم وشاي وسفن، لكن الفارق اننا نعيش في زمن يدعي ملكية خطاب حقوقي ضخم ومهيب، لكنه يستخدم غالبا للعرض، لا للتنفيذ.
رفض اوروبا للطلب بدا في ظاهره موقفا اخلاقيا، لكن الرفض نفسه كان مهذبا اكثر من اللازم، لا احد قال ان الفكرة بحد ذاتها فاضحة، بل قيل انها غير مناسبة دبلوماسيا، والفرق كبير حين يتحول النقاش من حقوق الشعوب في تقرير مصيرها الى لباقة التصريحات، عندها نكون قد قطعنا شوطا طويلا في تطبيع منطق الاستحواذ بلغة العصر، او الاستعمار بلغة الماضي في جوهره.
السخرية هنا ان النظام الدولي الذي يفترض انه قائم على احترام الحدود، هو نفسه الذي انتج قرونا من تمزيق الشعوب وابادتها وتقطيع الخرائط بالقوة، الفارق اليوم ان الادوات انعم قليلا، والعبارات اجمل الى حد ما، لكن الجوهر واحد، فمن يملك القوة يختبر الحدود، ومن لا يملكها يكتب بيانات رفض انيقة، ثم ينتظر الخبر التالي.
المشكلة ان هذا النمط لا يبقى في اطار الطرائف، فحين يقدم زعيم دولة كبرى فكرة الاستحواذ كخيار قابل للنقاش، يرسل رسالة الى العالم كله بان القانون الدولي اقتراح، لا الزام، فاليوم قطعة جليد او جزيرة، وبعد غد ممر مائي او مجال جوي، فالسوق مفتوح امام من يملك الجرأة الكافية فقط للقول بصوت عال جدا ما يفكر فيه الاخرون، ولكن بصمت معيب.
الحل لا يكون بالاستهزاء وحده، فرغم ان السخرية سلاح ضروري لكشف العبث، لكن المطلوب ان يعاد ربط السياسة العالمية بمنطق الحقوق، لا بمنطق الصفقات، وان يعاد الاعتبار لفكرة ان الارض ليست بضاعة، وان الشعوب ليست ملاحق في عقود البيع، ودون ذلك سيبقى العالم ينتقل من نكتة الى ازمة، ومن طلب غريب الى واقع جديد، ثم يتساءل كيف وصلنا الى هنا؟
أقلام وأراء
الخميس 22 يناير 2026 9:58 صباحًا - بتوقيت القدس
مجلس السِّلم وغزّة ... والقفز على مبادئ القانون الدولي
في خطوة تتجاوز إطار الترتيبات الإنسانية أو الإدارية لما بعد الحرب، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن توسيع صلاحيات ما يُعرف بـ«مجلس السِّلم» الذي يرأسه، ومنحه دورًا مباشرًا في الإشراف على قطاع غزة.
وتأتي هذه الخطوة بالتزامن مع انسحاب واشنطن من عشرات المنظمات والاتفاقيات الدولية المرتبطة بمنظومة الأمم المتحدة، ما يطرح تساؤلات جوهرية حول مستقبل الشرعية الدولية وحدود دور المؤسسات الأممية، وإمكانية تحوّل غزة إلى حقل اختبار لنموذج جديد من "سلام القوّة" يقوم على فرض الوقائع لا على قوة القانون.
لم تعد غزة، في هذا السياق، مجرّد ساحة حرب أو مأساة إنسانية مفتوحة، بل تحوّلت إلى مختبر سياسي وقانوني تُختبر فيه آليات جديدة لإدارة النزاعات، تتجاوز مبادئ القانون الدولي، وتهمّش دور الأمم المتحدة، وتستبدل منطق الحق بمنطق الغلبة. فالتعامل مع القطاع لم يعد ينطلق من كونه جزءًا من أرض محتلة يخضع لقواعد واضحة في القانون الدولي الإنساني، بل كمسألة "إدارة أزمة" قابلة للمعالجة عبر ترتيبات خاصة تُفرض من الخارج.
يقوم النظام الدولي، نظريًا، على احترام سيادة الدول وحق الشعوب في تقرير مصيرها، وعلى إدارة النزاعات عبر مؤسسات جماعية، وفي مقدمتها الأمم المتحدة.
غير أن ما يُطرح لغزة اليوم يمثّل قفزًا صريحًا على هذه الأسس.
فمجلس السِّلم لا يستند إلى تفويض أممي جامع، ولا ينبثق عن إرادة فلسطينية حرّة، بل يستمد شرعيته من ميزان القوّة ومن الرعاية الأمريكية، بما يعني نقل مركز الشرعية من القانون الدولي إلى الأمر الواقع المفروض بالقوّة.
الأخطر أن غزة لا تُعامل كحالة استثنائية فرضتها ظروف الحرب، بل كنموذج تجريبي قابل للتعميم. نموذج يقوم على إدارة مدنية بلا سيادة، وإعادة إعمار بلا أفق سياسي، وأمن يُفرض من الخارج، وتمثيل فلسطيني منزوع البعد الوطني والسياسي. وإذا كُتب لهذا النموذج أن يمرّ دون اعتراض فعلي، فقد يتحوّل إلى صيغة جاهزة لإدارة نزاعات أخرى، حيث يُستبدل الحل السياسي العادل بـ«استقرار قسري» طويل الأمد.
ولا يمكن فصل هذا المسار عن قرار الولايات المتحدة الانسحاب من عدد كبير من المنظمات والاتفاقيات الدولية التابعة للأمم المتحدة.
فالرسالة السياسية هنا واضحة: حين لا تخدم المؤسسات الدولية سياسات القوّة، يتم تجاوزها لا إصلاحها. وبهذا، يتحوّل القانون الدولي من مرجعية مُلزمة إلى أداة انتقائية، تُستخدم أو تُهمّش وفق المصالح.
ما يُعرض على غزة اليوم ليس سلامًا بالمعنى القانوني أو السياسي، بل صيغة تقوم على تهدئة بلا عدالة، وإعمار بلا سيادة، وأمن بلا حقوق.
إنه سلام القوّة، لا سلام القانون، حيث يُطلب من الطرف الأضعف التكيّف مع الوقائع المفروضة باعتبارها "الحل الواقعي الممكن".
غزة اليوم ليست فقط تحت القصف، بل تحت الاختبار: اختبار لقدرة القوّة على فرض نموذج سلام بلا عدالة، وإدارة بلا سيادة، وحياة بلا حقوق. وإذا مرّ هذا النموذج دون مواجهة سياسية وقانونية واعية، فلن تتوقف تداعياته عند حدود غزة، بل ستمتد لتطال القضية الفلسطينية بكل مكوناتها، وكذلك جوهر النظام الدولي نفسه. ما يجري ليس نهاية الأمم المتحدة، بل بداية تشكيل عالم تُدار فيه النزاعات خارج القانون، ويُطلق على ذلك زورًا اسم السلام.
أقلام وأراء
الخميس 22 يناير 2026 9:57 صباحًا - بتوقيت القدس
قراءة في العقل الإسرائيلي لما يحدث في سوريا: بين مشروع الهيمنة والطموح إلى التقسيم
في قراءة نُشرت في صحيفة «معاريف» الإسرائيلية، قدّم موشيه إلعاد تحليلاً وقراءة إسرائيلية لتداعيات الأحداث الاخيرة في سوريا وتقدم القوات السورية في الشمال السوري وسيطرة القوات السورية على حقول النفط والغاز وانعكاساتها الداخلية والإقليمية، إلعاد هو أكاديمي إسرائيلي، أستاذ محاضر في الكلية الأكاديمية بالجليل الغربي، وعقيد سابق في الجيش الإسرائيلي، ويُعرف بتحليلاته السياسية والاستراتيجية لشؤون الشرق الأوسط، وهو ما يمنح قراءته بعداً يعكس رؤية المؤسسة الأمنية الإسرائيلية ومخاوفها العميقة من التحولات الجارية في الساحة السورية.
تحاول القراءة الإسرائيلية التي قدّمها موشيه إلعاد حول سيطرة القوات السورية على حقول النفط والغاز أن تبدو توصيفية وواقعية، لكنها في جوهرها قراءة قلقة ومشحونة بهواجس استراتيجية إسرائيلية أكثر مما هي تحليل محايد لتطور ميداني سوري داخلي، إذ تكشف اللغة المستخدمة عن خوف عميق من عودة الدولة السورية بوظيفتها المركزية لا من مجرد تغير في خرائط السيطرة أو تراجع نفوذ هذا الفاعل أو ذاك .
فالحديث عن أن ما جرى “حدث ذو دلالة إقليمية عميقة” ليس توصيفا بريئا بل اعتراف ضمني بأن أحد أعمدة مشروع تفكيك الدولة السورية منذ عام 2011 يتعرض للاهتزاز، وأن السيطرة على الطاقة تعني استعادة أحد أعصاب السيادة التي لا تقوم دولة حديثة من دونها، فإسرائيل التي راهنت طويلا على بقاء سوريا دولة منهكة مفككة بلا موارد تدرك أن النفط والغاز ليسا مجرد دخل اقتصادي بل شرط سياسي لإعادة بناء المركز وفرض القرار الوطني واستعادة أدوات التفاوض الإقليمي .
اللافت في قراءة إلعاد هو إصراره على تصوير استعادة الدولة لمواردها كفعل “خطر” ومهدد للأقليات، في حين يتجاهل عمدا حقيقة أن تفكك الدولة وانتشار الكيانات المسلحة هو ما فتح الباب تاريخيا للمجازر والاقتتال الأهلي، وأن التجربة السورية خلال سنوات الحرب أثبتت أن المناطق الخارجة عن سلطة الدولة لم تكن أكثر أمنا ولا أكثر استقرارا بل كانت ساحات مفتوحة للتدخل الخارجي وللاقتتال العشائري وللهيمنة الأمريكية والتركية المباشرة .
أما تحميل السيطرة على الحقول النفطية مسؤولية “انكسار مشروع روج آفا” وممر داود التي كانت تحلم به إسرائيل، فيكشف انحياز التحليل لا موضوعيته لأن هذا المشروع منذ نشأته لم يقم على حق تقرير المصير بقدر ما قام على وظيفة أمنية وعسكرية مرتبطة بالوجود الأمريكي وبحرب الوكالة ضد داعش، وحين يتحدث إلعاد عن سلب الأساس الاقتصادي للحكم الذاتي فهو يتجاهل حقيقة أن هذه الموارد لم تكن يوما ملكا لقوة محلية بعينها بل ثروة وطنية سورية جرى توظيفها في سياق حرب دولية على الدولة السورية .
وفي هذا السياق يظهر القلق الإسرائيلي من تخلي العشائر العربية عن التحالف الكردي، لا بوصفه حرصا على الاستقرار بل خوفا من انهيار أحد أنماط الإدارة غير المباشرة التي سمحت بإبقاء الشرق السوري خارج المعادلة الوطنية الجامعة، فالعشائر بالنسبة لتل أبيب وواشنطن ليست فاعلا اجتماعيا له مصالح وطنية بل ورقة يمكن توظيفها أو خسارتها في لعبة النفوذ .
أما الحديث عن “معضلة واشنطن” فهو في حقيقته توصيف لحالة الانكشاف الأمريكي، إذ بات واضحا أن الولايات المتحدة لم تعد راغبة ولا قادرة على خوض صراع مفتوح للحفاظ على ترتيبات ما بعد داعش، وأن سياسة “إبعاد النيران” ليست استراتيجية بقدر ما هي إدارة انسحاب تدريجي ومحاولة حفظ ماء الوجه، وهو ما يفسر شعور الحلفاء المحليين وعلى رأسهم قوات قسد بأنهم أمام تكرار سيناريوهات التخلي الأمريكية من أفغانستان إلى شمال العراق سابقا .
وفي جوهر القراءة الإسرائيلية يظهر التناقض الأوضح، حين يعترف إلعاد بأن إسرائيل تفضّل “عدم استقرار مسيطرا عليه” على وجود دولة سورية موحدة وقوية، فهذه الجملة تختصر العقيدة الأمنية الإسرائيلية في سوريا والتي لا ترى في وحدة الدولة واستعادة سيادتها عاملا للاستقرار بل تهديدا طويل الأمد حتى في غياب الأسد، وحتى مع افتراض ابتعاد دمشق عن طهران، لأن المشكلة بالنسبة لإسرائيل ليست في هوية النظام الحاكم في سوريا بقدر ما هي في وجود دولة تمتلك قرارها وحدودها ومواردها .
من هنا فإن استعادة الشمال وحقول النفط لا يمكن قراءتها فقط كتحول اقتصادي أو عسكري بل ككسر تدريجي لمعادلة التقسيم الوظيفي التي سادت خلال سنوات الحرب، حيث جرى توزيع الجغرافيا السورية على مناطق نفوذ دولية وإقليمية وإعادة هذه الموارد إلى يد الدولة تعني بالضرورة إعادة فتح سؤال السيادة وإعادة ترتيب العلاقة بين المركز والأطراف خارج الشروط الأمريكية والإسرائيلية .
القراءة الإسرائيلية إذن ليست تحذيرا من الفوضى بقدر ما هي تعبير عن خوف من الاستقرار حين يأتي على قاعدة وطنية مستقلة، فاستقرار لا يخضع للتفكيك ولا للإدارة من الخارج هو السيناريو الأكثر إزعاجا لتل أبيب، وهو ما يفسر هذا القلق المكشوف من “سوريا القوية” حتى لو جاءت بصيغة جديدة وبوجوه مختلفة .
وفي المحصلة فإن ما يجري ليس مجرد معركة على النفط، بل معركة على معنى الدولة في سوريا، وعلى من يملك قرار الثروة والحدود والسيادة، وهو ما يجعل هذا التطور محط متابعة إسرائيلية دقيقة، لا لأن فيه خطرا آنيا بل لأنه يؤشر إلى نهاية مرحلة وبداية أخرى لم تعد فيها سوريا مجرد ساحة، بل مرشحة لأن تعود لاعبا، وإن كان الطريق لا يزال طويلا ومليئا بالمخاطر .
أقلام وأراء
الخميس 22 يناير 2026 9:56 صباحًا - بتوقيت القدس
الاختناق الفكري بين السلوك العدمي والنظرة الشمولية
قبل الانتخابات البرلمانية الاتحادية الأخيرة في العراق تناولنا مرات عدة العملية الانتخابية وتداعياتها الفوضوية ـ على كل المستويات. وحذرنا من استعمال الطبقة السياسية المهيمنة على السلطة "المال الزبائني" الذي انصب لشراء أصوات الطبقة "الضالة" التي لا تملك لقمة العيش بهدف منع المعارضين للنظام السياسي من الوصول إلى قبة البرلمان بأي ثمن. ودعونا القوى والأحزاب الوطنية والمستقلة إلى عدم المشاركة في الانتخابات لعدم جدواها وشرعيتها. أيضا ـ وجوب مقاطعتها ـ من حيث ممارسة حقها القانوني والدستوري على المستوى الوطني والدولي. فإن تحققت المقاطعة على المستوى الشعبي ستجعل مثل هذه الممارسة الانتخابات من الناحية السياسية باطلة دستوريا وقانونيا. وهو ما كان متوقعا مسبقا حسب استطلاع رأي المحللين والخبراء والمتخصصين في علم الاجتماع والإدارة السياسية. عندئذ يكون القيام بنقض نتائجها أمام المحافل الدولية المعنية ممكنا لعدم توفر الشرعية المجتمعية. مثال "شيلي" حينما ضغطت الأمم المتحدة نتيجة الحملة العالمية ضد نظام نظام "بينوشة" الفاشي عام 1988 بعد 16 سنة على حكمه ـ إلى ـ إجراء انتخابات نزيهة بإشراف دولي تحت مظلة الأمم المتحدة ـ سقط النظام ـ وتمت محاكمته!...
في العراق كان الكثير من وسائل الإعلام المحلية والعالمية تشير إلى نفس الرأي، بيد أن هناك من كان يصعب عليه الفصل بين المواقف السياسية المنسجمة مع مصالح الأغلبية الرافضة للنظام الطائفي والمراهنة على حسابات شكلية غير مضمونة لم ترتق إلى مستوى التحدي الذي تمثله أحزاب السلطة وأدواتها المتعددة المظاهر والأساليب. النتائج جاءت مخيبة كما غير متوقعة للكثير من راهنوا، إذ إن نسبة المشاركة في عموم العراق تجاوزت الـ 50% لصالح الطبقة الحاكمة مما جعل الجميع يلتقطون أنفاسهم أمام مأزق سطوة المال مقابل معضلة اللاابالية الذي تشكله الأغلبية الصامتة. فكانت حصيلة تلك التكتيكات والمواقف الديماغوجية لتحقيق مكاسب سياسية شكلية، بدلاً من التركيز على الحلول ـ أن تفاقم الصراع السياسي على رئاسة الحكومة وانهيار كامل للدولة ومؤسساتها، ونشوء أحداث أليمة ومظاهر غضب عامة في ساحات التظاهر...
بمشاركتها في الانتخابات وهي تعلم بأن أربع ركائز مفصلية لضمان نزاهة الانتخابات ومصداقيتها لم تتوفر، فلا يوجد قانون أحزاب ينظم أحكامها ولا قانون انتخابات منصف، وفيما المفوضية العليا للانتخابات غير نزيهة والدستور يشوبه الكثير من الألغام انحرف العديد من الأحزاب والمنظمات المدنية التقليدية والتيارات السياسية "ديمقراطيين وشيوعيين ومستقلين" عن مسار نضالها الجمعي ضد الطغمة المتسلطة رغم كل النصائح التي أتت حتى من داخل صفوفها. ولم تستوعب خطر المضي مع فئة بربرية تمسك بالمال والسلاح والميليشيات والسلطة على مستقبلها السياسي. بيد أنهم فضلوا المشاركة لأجل حفنة مكاسب رمزية أودت بسمعتهم وتاريخهم السياسي داخل المجتمع العراقي سيما بين الشباب الذين علمتهم الأزمات والمعاناة على يد طغمة فاسدة على مدى عقدين ونيف فن السياسة والنضج الفكري. حيث أفضى سلوكهم العدمي بالمعنى السياسي إلى نوع من "الاختناق الفكري" الذي يقود إلى عدم التطابق بين مفهوم طبيعة الصراع والظروف التي تعاني منها الطبقات المجتمعية المسحوقة، ـ أيضا ـ بين الشروط "الموضوعية" التي لا تعني "التجرد" بقدر ما تعني ـ عمليا ونظريا ـ النظرة الشمولية، كما يقول عالم الاجتماع الفرنسي ريموند أرون Raymond Aaron وبذلك ارتكبوا خطأ فادحا يضاف إلى الأخطاء السابقة...
يسأل البعض لماذا الإصرار على مقاطعة الانتخابات، نقول باختصار: الأغلبية من الطبقة الصامتة المسحوقة في بلدنا ليس لها وطن. فماذا تعني لهم الانتخابات وهم لا يحسون بتلك "الرعاية الأبوية"؟ ولا حتى بتفاصيل عضوية الناس والأشياء والكائنات الحية والتجريدات التي تقوم بمرور الوقت على صياغة الشعور "بالانتماء والهوية" إلى غاية تشمل "الوطن" حتى يصبح مجسدا. ويفترض أن يكون للوطن دستور يحمي حقوق أبناء المجتمع ويضمن مستقبلهم، وكبقية الأمم يكون له علم ونشيد وطني وأحزاب سياسية نزيهة حريصة على بناء البلد وتطوره وضمان أمن المواطن واستقراره. من هنا فإن المقاطعة كانت بعد كل هذه التجارب الانتخابية ووجود طغمة تعودت التزوير والكذب والتسويف والمماطلة، تشكل انعطاف سياسي مهم يسقط حالة الشعور "بالاغتراب" في الوطن، وولادة ثقافة مجتمعية جديدة تنسجم مع رغبة المواطنين ونظرتهم لمستقبل بلادهم...
منذ بدء حراكهم الثوري في أكتوبر 2019 رفع آلاف المتظاهرين شعارات تندد بنظام الحكم وتدين انتهاكات السلطة وتمردها على المجتمع. لكن واحدا منها "نريد وطنا" أصبح أيقونة التظاهر في جميع الساحات. أفرز سياقات استراتيجية وطنية قيمية جامعة، ووجه الصراع لانتزاع الوطن من الانهيار الكامل وإعادته إلى حيث إن يكون الشعب من جديد.. إن إصرار المتظاهرين في عموم البلاد لأن يكون شعار "نريد وطنا" شعارا مركزيا حقق أمرين أساسيين: تعاطف الجماهير ورفع معنوياتها لإنهاء هيمنة الأحزاب على الدولة والمجتمع وكسر حاجز الخوف وجدار الصمت. الأمر الآخر، خلق حالة من الوعي والشعور بالمسؤولية لدى الجماهير لمواجهة الأزمات السياسية والتراكمات الفكرية والفئوية التي ضختها المنظومة السياسية المافيوية داخل المجتمع. اتسمت بتحويل التناقضات من إطارها الضيق إلى مظاهر وأساليب أكثر دلالة ورمزية. وتتفاعل فكريا وسلوكيا مع الواقع بعقلانية تنسجم فلسفيا وماديا مع طبيعة المجتمع وطموحاته. ومن جانب آخر "نريد وطنا" أعاد إنتاج الذات للفرد العراقي وجعل المقاربة لديه بين مفهوم "الدولة" و "الوطن" حاضرة بوصفهما حاضنتين لكل الهويات بين كل الأوساط والطوائف والأجيال العراقية بدل الهرولة وراء طموحات رمادية غير قابلة للتحقيق دون نهاية نظام القمع والإستبداد الطائفي!
عربي ودولي
الخميس 22 يناير 2026 9:48 صباحًا - بتوقيت القدس
واشنطن تطوي صفحة دعم الأكراد في سوريا وتراهن على السلطة الجديدة
في تحول لافت في مقاربتها للملف السوري، أعلنت الولايات المتحدة عمليًا إنهاء دعمها العسكري للقوات الكردية، بالتزامن مع تصاعد المواجهات في شمال وشمال شرق البلاد بين القوات المسيطرة في دمشق ذات التوجه الإسلامي والقوى الكردية المحلية. ويعكس هذا التحول انخراطًا أمريكيًا متزايدًا في دعم السلطة السورية الجديدة بقيادة هيئة تحرير الشام، بعد سنوات من الاعتماد على الأكراد كشريك ميداني رئيسي.
وأكد المبعوث الأميركي الخاص توم باراك أن الأكراد يملكون "فرصة حقيقية" للاندماج في الدولة السورية الجديدة، مشيرًا إلى أن الحكومة المركزية ستكفل لهم "حقوقًا متساوية" في حال قبولهم الخضوع لسلطتها. تصريحات باراك لم تركز بقدر ما ركزت على مبررات هذا التحول، موضحًا أن دعم واشنطن السابق للأكراد جاء في سياق غياب شريك موثوق في دمشق خلال الحرب على تنظيم داعش، وهو ظرف قال إنه لم يعد قائمًا اليوم.
وبحسب باراك، فإن اعتبار الولايات المتحدة "هيئة تحرير الشام" طرفًا منسجمًا مع مصالحها الأمنية والسياسية جعل من استمرار الرهان على الأكراد خيارًا غير مبرر من وجهة نظر الإدارة الأمريكية. هذا التقييم الجديد، كما يبدو، أعاد رسم خريطة التحالفات في سوريا، على حساب حلفاء ميدانيين دام التعاون معهم أكثر من عقد.
في المقابل، عبّر مسؤولون محليون وقادة أكراد عن صدمة وخيبة أمل عميقة، معتبرين أن واشنطن "تتخلى" عنهم في لحظة حرجة، تحديدًا مع بدء هيئة تحرير الشام شن هجمات على مناطق كانت القوات الكردية قد سيطرت عليها بدعم أمريكي مباشر في سنوات سابقة. ويرى هؤلاء أن القرار يمثل تكرارًا لنمط أمريكي معروف في إدارة التحالفات المؤقتة.
وليس هذا التراجع الأول من نوعه. ففي عام 2019، سمحت إدارة الرئيس دونالد ترمب لتركيا بشن هجوم واسع على المناطق الكردية، عقب قرار أمريكي بسحب الدعم العسكري، في خطوة أثارت جدلًا واسعًا داخل الولايات المتحدة وخارجها. ويبدو أن المشهد يعيد نفسه اليوم، وإن اختلفت الذرائع والسياقات.
الخطوة الحالية لا تخلو من معارضة داخل واشنطن نفسها. فقد حذّر السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام هيئة تحرير الشام من مواصلة الهجمات على الأكراد، ملوّحًا بإمكانية إعادة فرض عقوبات على سوريا إذا استمر التصعيد. غير أن هذا الموقف يبدو معزولًا عن توجه البيت الأبيض، حيث أبدى الرئيس ترامب إعجابًا علنيًا بزعيم الهيئة أحمد الشرع، واصفًا إياه بأنه "شخصية قوية وجذابة"، في إشارة عكست بوضوح أولوية العلاقة مع القيادة الجديدة في دمشق.
وخلال الأشهر الماضية، عبّرت واشنطن أكثر من مرة عن استيائها من تمسك الأكراد بصيغة الحكم الذاتي، إذ صرّح باراك بأن الإدارة الأميركية خلصت إلى أن "الفيدرالية لا تصلح" في الحالة السورية، وأن على الأكراد التخلي عن طموحاتهم السياسية الخاصة والاندماج الكامل في الدولة المركزية.
من جانبه، منح أحمد الشرع الأكراد مهلة قصيرة للقبول بشروط الاندماج، وسط سجل سابق من التهميش السياسي، شمل استبعادهم من المناصب الحكومية وتأجيل الانتخابات البرلمانية في مناطقهم. ومع غياب أي ضمانات واضحة بشأن شكل تمثيلهم المستقبلي، يبقى مصيرهم السياسي معلقًا، في وقت ترى فيه واشنطن أن ما يُعرض عليهم كافٍ لإغلاق هذا الملف.
ويعكس الموقف الأميركي الجديد من الأكراد في سوريا منطقًا براغماتيًا صارمًا يحكم السياسة الخارجية لواشنطن، حيث تُقاس التحالفات بميزان المصلحة الآنية لا بسجل الشراكات الطويلة. فبعد أن أدّى الأكراد دورًا محوريًا في هزيمة تنظيم داعش، لم يعودوا اليوم ضرورة استراتيجية في نظر صناع القرار الأمريكي، ما يكشف هشاشة الضمانات التي توفرها واشنطن لحلفائها غير الدولتيين في مناطق النزاع.
ويعتقد الخبراء أن الرهان الأميركي على هيئة تحرير الشام يحمل في طياته مخاطر بعيدة المدى، إذ يمنح شرعية دولية لميليشيا كانت تصنف "إرهابية" ولا تزال بنيتها السياسية غير مختبرة. كما أن تهميش المكون الكردي قد يفتح الباب أمام جولات جديدة من عدم الاستقرار، ويقوّض أي تسوية مستدامة في سوريا. وبينما تسعى واشنطن لتبسيط المشهد عبر دعم مركز واحد للسلطة، قد تجد نفسها لاحقًا أمام تعقيدات أشد مما تحاول اليوم تجاوزه.
عربي ودولي
الخميس 22 يناير 2026 9:47 صباحًا - بتوقيت القدس
تصريح باسينت في دافوس يكشف المستور: العقوبات الأميركية على إيران تهدف تغيير النظام
تحليل إخباري
في لحظة نادرة من الصراحة السياسية، أقرّ وزير الخزانة الأميركي سكوت باسينت، خلال مشاركته في منتدى دافوس يوم الأربعاء 21 كانون الثاني ، بأن الهدف من العقوبات الأميركية المفروضة على إيران هو دفع الإيرانيين إلى أوضاع معيشية قاسية تحفّزهم على الإطاحة بحكومتهم. هذا التصريح، الذي كسر تقليدًا طويلًا من اللغة الدبلوماسية المواربة، أعاد فتح النقاش حول حقيقة سياسة "الضغط الأقصى" التي أعادت إدارة الرئيس دونالد ترامب تفعيلها منذ عودته إلى البيت الأبيض مطلع عام 2025.
ويأتي هذا الاعتراف في وقت تؤكد فيه واشنطن رسميًا أن العقوبات تهدف إلى منع إيران من امتلاك سلاح نووي وكبح نفوذها الإقليمي. غير أن ما قاله باسينت يضع هذه السياسة في سياق مختلف، ويُظهرها بوصفها أداة لإحداث تغيير سياسي من الداخل عبر إنهاك المجتمع اقتصاديًا، لا مجرد وسيلة ضغط تفاوضي.
من الضغط إلى الحصار
تعتمد الإستراتيجية الأميركية الحالية على حزمة واسعة من العقوبات التي تستهدف ركائز الاقتصاد الإيراني الأساسية، وفي مقدمتها صادرات النفط، النظام المصرفي، شبكات النقل والتأمين، والوصول إلى العملات الأجنبية. كما تشمل هذه السياسة ما يُعرف بـ"العقوبات الثانوية"، التي تُفرض على دول وشركات أجنبية تواصل التعامل مع إيران، ما يحوّل العقوبات الأميركية إلى نظام شبه عالمي مفروض بالقوة.
بهذا المعنى، لم تعد العقوبات مجرد أداة سياسية تقليدية، بل تحوّلت إلى شكل من أشكال الحرب الاقتصادية متوسطة الشدة. غير أن هذا النوع من الضغط لا يصيب مراكز القرار السياسي وحدها، بل ينعكس أساسًا على المجتمع. فالنخب الحاكمة غالبًا ما تمتلك وسائل التفاف وحماية، في حين يتحمّل المواطن العادي العبء الأكبر من التضخم، البطالة، وتراجع الخدمات الأساسية.
اقتصاد يتهاوى
بحلول أواخر عام 2025، تجاوز معدل التضخم في إيران 40%، مع ارتفاع حاد في أسعار الغذاء والدواء. كما تراجعت قيمة العملة الوطنية إلى مستويات غير مسبوقة، ما أدى إلى تآكل مدخرات الطبقة الوسطى واتساع رقعة الفقر. ورغم أن سوء الإدارة الاقتصادية والفساد الداخلي ساهما في تفاقم الأزمة، فإن العقوبات الأميركية كانت العامل الحاسم في تحويل اختلالات مزمنة إلى أزمة معيشية شاملة.
هذا الانهيار لم يكن نتيجة غير مقصودة، بل أثر متوقع لسياسة صُممت لتجفيف الموارد المالية للدولة وتقويض قدرتها على إدارة الاقتصاد وتقديم الحد الأدنى من الحماية الاجتماعية.
الشارع كمساحة ضغط
انعكست الأزمة الاقتصادية سريعًا على الوضع الاجتماعي. فمنذ أواخر 2025، شهدت عدة مدن إيرانية احتجاجات متكررة على غلاء المعيشة ونقص السلع الأساسية وتراجع الخدمات. وتكمن خطورة العقوبات هنا في أنها تُضعف قدرة الدولة على تمويل الدعم الاجتماعي، من الوقود والخبز إلى الرواتب والتوظيف العام، وهو ما يقوّض ما تبقى من العقد الاجتماعي بين الدولة والمواطنين.
غير أن الرهان الأميركي على أن الفقر واليأس سيقودان تلقائيًا إلى انتفاضة شعبية يظل موضع شك. فالتجارب السابقة في المنطقة تُظهر أن الأنظمة السلطوية كثيرًا ما توظف الحصار الخارجي لتعزيز خطاب "الاستهداف الخارجي"، ما يؤدي في بعض الأحيان إلى التفاف داخلي بدل الانهيار السياسي.
تغيير النظام... بلا إعلان رسمي
رغم أن الإدارة الأميركية تتجنب استخدام مصطلح "تغيير النظام" في بياناتها الرسمية، فإن مضمون السياسة، كما عكسه تصريح باسينت، يشير بوضوح إلى هدف يتجاوز تعديل السلوك السياسي إلى السعي لإحداث تغيير في بنية الحكم نفسها. إنها مقاربة تقوم على تغيير النظام عبر الاقتصاد لا عبر القوة العسكرية، وعلى الضغط الاجتماعي بدل التدخل المباشر.
لكن التجربة التاريخية، من العراق إلى كوبا وفنزويلا، تُظهر أن هذا النهج غالبًا ما يُنتج نتائج عكسية، أبرزها تعزيز التيارات المتشددة داخل الأنظمة المستهدفة وإضعاف فرص التحول التدريجي.
البعد القانوني: هل تُعد العقوبات عقابًا جماعيًا؟
يثير هذا النهج تساؤلات قانونية جدية في إطار القانون الدولي. فمفهوم "العقاب الجماعي" محظور صراحة في القانون الدولي الإنساني، ولا سيما في اتفاقيات جنيف، التي تحظر فرض عقوبات على السكان المدنيين بسبب أفعال حكوماتهم. ورغم أن العقوبات الاقتصادية لا تُصنّف قانونيًا كعمل عسكري، فإن استخدامها المتعمد لإلحاق أذى واسع النطاق بالمدنيين يضعها في منطقة رمادية قانونيًا وأخلاقيًا، خاصة عندما تُصمَّم لإحداث معاناة اجتماعية بهدف تحقيق غاية سياسية. وقد حذّرت منظمات حقوقية دولية مرارًا من أن العقوبات الشاملة قد ترقى، في آثارها، إلى شكل من أشكال العقاب الجماعي غير المشروع.
سابقة دولية وتداعيات أوسع
يتجاوز أثر العقوبات الأميركية على إيران حدود الحالة الإيرانية نفسها، إذ تُرسّخ نموذجًا لاستخدام الاقتصاد العالمي كسلاح سياسي مباشر. ويخشى مراقبون من أن يؤدي تعميم هذا النموذج إلى إضعاف النظام الدولي القائم على التعددية، وفتح الباب أمام قوى أخرى لاعتماد سياسات مماثلة، ما يهدد الاستقرار الاقتصادي العالمي.
ويكشف تصريح وزير الخزانة الأميركي في دافوس عن الوجه غير المعلن لسياسة العقوبات على إيران: إستراتيجية تقوم على إنهاك المجتمع لدفعه إلى تغيير النظام. وبينما قد تنجح هذه السياسة في إضعاف الاقتصاد الإيراني، فإن قدرتها على تحقيق تحول سياسي حقيقي تظل موضع شك، في مقابل كلفة إنسانية وقانونية متزايدة، تُلقي بظلالها على شرعية العقوبات ودورها في النظام الدولي المعاصر.
فلسطين
الخميس 22 يناير 2026 9:46 صباحًا - بتوقيت القدس
ترمب يطلق "مجلس السلام": دعم عربي وتحفّظ أوروبي وأسئلة حول الشرعية الدولية
من المنتظر أن يستضيف الرئيس الأميركي دونالد ترمب، اليوم ، الخميس، حفل توقيع خاصاً لإطلاق "مجلس السلام" الذي سبق أن طرح فكرته على هامش المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس. وتشير المعطيات الأولية إلى أن أكثر من عشرين دولة قبلت حتى الآن الانضمام إلى هذا المجلس، فيما لا يزال الغموض يلف موقف الحلفاء الأوروبيين الرئيسيين للولايات المتحدة، إذ لم يعلن أيٌّ منهم التزاماً رسمياً، بل إن بعض الدول عبّر عن رفضه للفكرة أو تحفّظه العميق تجاهها.
وفي هذا السياق، أعلنت ثماني دول عربية وإسلامية، في بيان مشترك صدر من العاصمة القطرية الدوحة الأربعاء، ترحيبها بدعوة ترمب للانضمام إلى "مجلس السلام". وقد صدر البيان عن وزراء خارجية كل من قطر وتركيا ومصر والأردن وإندونيسيا وباكستان والسعودية والإمارات، حيث أكدوا قبولهم الدعوة الموجهة إلى قادة بلدانهم، وتوافقهم على الشروع في المسارات الرسمية اللازمة لاستكمال الانضمام وفق الأطر القانونية والإدارية التي يعتمدها كل بلد.
وأشار البيان إلى أن بعض هذه الدول، ومن بينها مصر وباكستان والإمارات، بدأت بالفعل اتخاذ خطوات عملية باتجاه إجراءات الانضمام الرسمية. كما شدد وزراء الخارجية على دعمهم للجهود السياسية التي تقودها الولايات المتحدة، مؤكدين استعدادهم للمساهمة في تنفيذ مهام المجلس بوصفه إطاراً انتقالياً، كما ورد في الخطة الشاملة لإنهاء نزاع غزة، وهي الخطة التي حظيت بتأييد مجلس الأمن الدولي بموجب القرار رقم 2803.
وفي موازاة ذلك، صرّح المبعوث الأميركي الخاص ستيف ويتكوف، يوم الأربعاء، بأن ما يصل إلى 25 دولة وافقت على دعوة الانضمام، قائلاً في مقابلة تلفزيونية (على شبكة ABC): إن عدد القادة الذين استجابوا إيجاباً يتجاوز عشرين وقد يقترب من خمسة وعشرين. وبحسب مسؤولين أميركيين، فقد تم توجيه الدعوات خلال عطلة نهاية الأسبوع إلى أكثر من خمسين من قادة العالم، فيما توقع مسؤول في البيت الأبيض أن يصل عدد المنضمين إلى قرابة ثلاثين دولة.
ورغم هذا الزخم، فقد قابلت المبادرة مواقف حذرة من عدد من حلفاء واشنطن، إذ لم يبدوا دعماً صريحاً للمجلس أو قبولاً سريعاً لدعوة ترمب، وسط تساؤلات جدية حول الحاجة إلى هيئة دولية جديدة يمكن أن تُفهم بوصفها منافساً للأمم المتحدة أو بديلاً عنها. وفي حديثه الأربعاء، وصف ترمب المجلس بأنه سيكون "الأكثر هيبة على الإطلاق"، معتبراً أنه سيقوم بعمل كان ينبغي للأمم المتحدة أن تقوم به، مضيفاً أن التعاون مع الأمم المتحدة سيظل قائماً، لكنه أكد في الوقت ذاته أن المجلس سيكون "مميزاً" وقادراً على "تحقيق السلام". وعندما سُئل عن إمكانية أن يحل المجلس محل الأمم المتحدة، لم يستبعد ذلك قائلاً: "ربما".
ومن بين الدول الأوروبية التي رفضت الفكرة أو أبدت تحفظات كبيرة، برزت فرنسا والنرويج والسويد، فيما بقي موقف دول أخرى مثل ألمانيا والمملكة المتحدة وإيطاليا متردداً دون التزام واضح. كما وجّهت دعوة إلى روسيا، وهو ما أكده الكرملين هذا الأسبوع رغم استمرار الحرب على أوكرانيا. ونقلت وسائل إعلام رسمية عن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قوله إن الاقتراح يرتبط أساساً بتسوية ملفات الشرق الأوسط، والبحث عن حلول للمشكلات الملحة للشعب الفلسطيني، لا سيما الأزمة الإنسانية في قطاع غزة.
أما قائمة الدول التي قيل إنها قبلت الدعوة، فتضم إسرائيل وكوسوفو والإمارات والمجر وبيلاروسيا وأذربيجان ومصر وأرمينيا وتركيا وباكستان وقطر والأردن. وقد صرّح ترمب للصحفيين في دافوس بأن المجلس هو "أعظم مجلس تم تشكيله على الإطلاق"، مضيفاً أن الجميع يرغب في الانضمام إليه، وأنه يضم شخصيات "مثيرة للجدل" لكنها قادرة على إنجاز المهام ولها "نفوذ هائل". ولم ينشر البيت الأبيض القائمة الكاملة للدول المدعوة، كما لا يزال غير واضح عدد الدول التي ستوقع فعلياً خلال الحفل المرتقب يوم الخميس.
وتشير المعلومات إلى أن فكرة مجلس السلام طُرحت للمرة الأولى العام الماضي على أساس تفويض من مجلس الأمن لمدة عامين، بهدف إدارة وإعادة إعمار غزة، غير أن مسودة ميثاق المجلس لا تذكر غزة بصورة مباشرة. وبحسب نسخة من المسودة التي اطلعت عليها إحدى الشبكات الإخبارية الأمريكية، فإن المجلس صُمم ليحمل ولاية أوسع بكثير باعتباره "منظمة دولية" و"هيئة لبناء السلام"، تسعى إلى فض النزاعات حول العالم وتأمين سلام دائم، بما يجعله أقرب إلى بديل تقوده الولايات المتحدة في مواجهة نموذج الأمم المتحدة التقليدي.
وتكشف المسودة كذلك أن ترمب، المتوقع أن يرأس المجلس، قد يشغل هذا المنصب مدى الحياة، إذ يمكنه الاستمرار حتى يقرر الاستقالة منه، وفق ما نقل عن مسؤول أمريكي. وأضاف المسؤول أن رئيساً أمريكياً مستقبلياً قد يختار تعيين ممثل جديد للولايات المتحدة داخل المجلس. كما تنص المسودة على أن الدول التي تقبل الدعوة ستحصل على عضوية تمتد لثلاث سنوات، بينما تمنح العضوية الدائمة للدول التي تقدم مساهمات نقدية تفوق مليار دولار خلال السنة الأولى. وأكدت الإدارة الأميركية أن هذه المساهمات "طوعية" ولا ينبغي اعتبارها رسوماً للانضمام، مشددة على أن المجلس سيلتزم بمعايير رقابة مالية وإشراف صارمة في حال تقديم التمويل.
وفي تطور لافت، اقترح بوتين أن تدفع روسيا مبلغ المليار دولار من الأصول التي جمدتها الولايات المتحدة بسبب حرب أوكرانيا. كما تضمن الحديث عن تشكيل لجنة تنفيذية تشرف على المجلس، تضم رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير، ورئيس الوزراء الكندي مارك كارني، ووزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، إلى جانب ستيف ويتكوف وصهر ترمب جاريد كوشنر.
تطرح فكرة "مجلس السلام" سؤالاً جوهرياً حول منطق إنشاء أطر دولية جديدة في زمن تتراجع فيه ثقة كثير من الدول بمؤسسات الحوكمة العالمية. فحين يقدم ترمب المجلس بوصفه أكثر فاعلية من الأمم المتحدة، فإنه لا ينتقد بيروقراطية المنظمة الدولية فقط، بل يلمح إلى رغبة أميركية في امتلاك أدوات نفوذ أسرع وأقل تقييداً بالشرعية الجماعية. غير أن ذلك قد يفتح باباً للاستقطاب بدلاً من التوافق.
انضمام دول عربية وإسلامية وازنة يمنح المجلس ثقلاً سياسياً ورمزياً، لكنه يضع هذه الدول أيضاً أمام اختبار مزدوج: كيف توازن بين دعم مسار دولي جديد تقوده واشنطن، وبين حماية استقلال قرارها وعدم الارتهان لأجندات متغيرة بتغير الإدارات الأميركية؟ فالتجارب السابقة في الشرق الأوسط تُظهر أن المبادرات التي تفتقر إلى ضمانات واضحة وآليات شفافة قد تتحول من مشاريع سلام إلى أدوات ضغط، خاصة عند احتدام الأزمات.
وأكثر ما يثير الجدل في بنية المجلس المقترحة هو المزج بين "السلام" و"التمويل"، عبر ربط العضوية الدائمة بمساهمة مالية ضخمة. هذا الشرط يخلق انطباعاً بأن النفوذ داخل المجلس قد يُشترى، لا أن يُكتسب عبر المسؤولية السياسية أو الالتزام بالقانون الدولي. كما أن منح الرئاسة مدى الحياة يضعف فكرة التداول المؤسسي ويجعل المجلس أقرب إلى مشروع شخصي. لهذا ستظل شرعيته محل سؤال دائم.
فلسطين
الخميس 22 يناير 2026 4:25 صباحًا - بتوقيت القدس
مؤتمر فلسطينيي الخارج يستهجن العقوبات الأميركية ويطالب بإعادة النظر
قال ماجد الزير نائب رئيس الهيئة العامة للمؤتمر الشعبي لفلسطينيي الخارج إن قرار الإدارة الأميركية إدراج المؤتمر على لائحة العقوبات في وزارة الخزانة "يمثل إمعانا جديدا وأعمى للسياسة الأميركية في دعمها المطلق للاحتلال الإسرائيلي وسياساته التعسفية واللاقانونية واللاإنسانية بحق الشعب الفلسطيني". وأكد الزير أن القرار يعتبر "محاولة للحد من أنشطة الشعب الفلسطيني وحراكه المستمر لاستعادة حقوقه ضمن منظومة القانون الدولي". وطالب الزير بإعادة النظر في القرار "المجحف والظالم" على حد وصفه، مضيفا أن هذه الخطوة الأميركية تفتقر للحد الأدنى من المعايير القانونية في البحث عن حقيقة ما يقوم به الشعب الفلسطيني ومؤسساته. وأوضح الزير أن المؤتمر الشعبي لفلسطينيي الخارج يعتبر "مؤسسة شعبية تعمل في الفضاء العالمي حيث يكون الشعب الفلسطيني، وتقيم أنشطة وفعاليات، وأعضاؤها ومنتسبوها من كافة الطيف الفلسطيني وأجياله وأجناسه"، مؤكدا أنه جزء من حراك الشعب الفلسطيني للعمل على استرجاع حقوقه.
وزارة الخزانة الأميركية فرضت عقوبات على المؤتمر الشعبي بالإضافة إلى 6 منظمات أخرى تعمل في غزة.
وكانت الولايات المتحدة قد أعلنت أمس الأربعاء، فرض عقوبات على المؤتمر الشعبي لفلسطينيي الخارج، بالإضافة إلى 6 جمعيات خيرية تنشط في قطاع غزة، متّهمة إياها بأنها تعمل لصالح حركة المقاومة الإسلامية (حماس). وقالت الخارجية الأميركية في بيان لها إن هذه المؤسسات "تدّعي تقديم الرعاية الطبية للمدنيين الفلسطينيين، بينما هي في الواقع تدعم كتائب عز الدين القسام، الجناح العسكري لحركة حماس". وأضاف البيان أن هذا القرار يشمل "المؤتمر الشعبي لفلسطينيي الخارج، الذي يُدرج على قائمة العقوبات لدعمه السري لكتائب عز الدين القسام، وممارسته أساليب جمع تبرعات مضللة، مما يُقوّض المساعدات المقدمة للمدنيين".
وفي موقعها على الإنترنت، قالت وزارة الخزانة الأميركية إن المؤتمر الشعبي لفلسطينيي الخارج يعتبر "أحد المنظمين الرئيسيين للأساطيل الأخيرة التي سعت لكسر الحصار الأمني الإسرائيلي على قطاع غزة"، مدعية أنه "أُسس وأُدير من قبل عناصر من مكتب العلاقات الدولية التابع لحماس الذي كان يرأسه موسى أبو مرزوق". وادعت الوزارة في بيانها أن حماس تسيطر على الجوانب الإستراتيجية والتكتيكية لنشاط المؤتمر "من خلال وضع شخصيات رئيسية مرتبطة بالحركة في المناصب الرئيسية في جميع أنحاء المنظمة". وذكرت الوزارة عادل دوغمان وماجد الزير اللذين توليا مناصب رئيسية داخل منظمة المؤتمر، وقد سبق أن أدرجتهما الوزارة على قائمة العقوبات في أكتوبر/تشرين الأول 2024، كما ذكر البيان أن القرار الجديد يشمل زاهر بيراوي الذي يشغل منصبا رفيعا في المنظمة وهو عضو في أمانتها العامة، وأحد الأعضاء المؤسسين لها.
يمثل إمعانا جديدا وأعمى للسياسة الأميركية في دعمها المطلق للاحتلال الإسرائيلي وسياساته التعسفية واللاقانونية واللاإنسانية بحق الشعب الفلسطيني.
وزارة الخزانة الأميركية اعتبرت أن المؤتمر الشعبي يقدم دعما سريا لكتائب القسام.
واعتبرت الوزارة في بيانها أن "لأفراد الشتات الفلسطيني الحق في التجمع والدفاع عن قضاياهم السياسية المشروعة، كما يحق لأفراد المجتمع الدولي، بمن فيهم المواطنون الأميركيون، دعم هذه الجهود"، مؤكدة أنها لا تفرض عقوبات على الأفراد لممارستهم أنشطة محمية بموجب الدستور الأميركي، كحرية التعبير أو الممارسات والمعتقدات الدينية. لكن الوزارة اعتبرت أن "حركة حماس، من خلال إستراتيجيتها المتمثلة في التستر وراء المدنيين واستخدام الإرهاب لتحقيق أهداف سياسية، سواء في غزة أو خارجها، هي التي تعرض أرواح الأبرياء للخطر وتقوض الجهود الدولية الرامية إلى بناء سلام دائم ومستقبل مزدهر لجميع الفلسطينيين" بحسب وصفها.
يُذكر أن منظمة المؤتمر الشعبي تتخذ من لبنان مقرّا لأنشطتها، وقد نظّمت عدّة مؤتمرات في تركيا جمعت فلسطينيي الشتات، ودعمت سفن تحالف أسطول الحرية التي أبحرت نحو غزة بهدف كسر الحصار المفروض على القطاع الفلسطيني خلال حرب الإبادة الإسرائيلية التي استمرت عامين منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023.
فلسطين
الخميس 22 يناير 2026 2:25 صباحًا - بتوقيت القدس
قائمة بأشخاص وزعماء دعاهم ترامب لعضوية مجلس السلام بغزة
وجّه الرئيس الأميركي دونالد ترامب دعوات إلى قادة دول وشخصيات وازنة للانضمام إلى مجلس السلام الخاص بقطاع غزة، في إطار خطته لإنهاء الحرب الإسرائيلية على الفلسطينيين هناك. ومنذ إعلان ترامب تأسيس مجلس السلام بغزة، الجمعة، تتوالى إعلانات رسمية وإفادات إخبارية عربية ودولية بشأن تلقي قادة دول وشخصيات دعوات للانضمام إلى المجلس. ويعد مجلس السلام أحد البنود الرئيسية في الخطة التي طرحها ترامب، والتي يستند إليها اتفاق وقف إطلاق النار بغزة منذ دخوله حيز التنفيذ في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025. وأفادت مصادر بأن الدعوة وجهت لنحو 60 دولة. وفيما يلي قائمة بالدعوات التي تم الإعلان عن تلقيها رسميا: أولا: قادة تلقوا دعوات رئيس تركيا أفادت مصادر، في تدوينة نشرها عبر منصة إن سوسيال التركية، السبت، بأن ترامب دعا الرئيس رجب طيب أردوغان، إلى المشاركة عضوا مؤسسا في مجلس السلام المسؤول عن ضمان الأمن وإعادة الإعمار في غزة.
رئيس مصر أعربت الخارجية المصرية في بيان، الأربعاء، عن الترحيب بالدعوة الموجهة من ترامب إلى الرئيس عبد الفتاح السيسي للانضمام إلى مجلس السلام، وأعلنت الموافقة على قبولها، مؤكدة أنها تعمل على استيفاء الإجراءات القانونية والدستورية ذات الصلة. والسبت، كشف وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي أن القاهرة تدرس دعوة الرئيس الأميركي لنظيره السيسي للانضمام إلى مجلس السلام.
رئيس أذربيجان أعلنت أذربيجان في بيان لوزارة الخارجية الأربعاء، قبولها دعوة الرئيس الأميركي للمشاركة في مجلس السلام.
رئيس وزراء إسرائيل مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، أعلن في بيان الأربعاء، قبول الأخير دعوة ترامب للانضمام إلى مجلس السلام.
رئيس الإمارات أعلنت الإمارات، في بيان للخارجية الثلاثاء، قبول رئيسها الشيخ محمد بن زايد آل نهيان دعوة نظيره الأميركي دونالد ترامب للانضمام إلى مجلس السلام.
ملك البحرين أعلنت المنامة، في بيان للخارجية، الثلاثاء أن ملك البحرين حمد بن عيسى آل خليفة قبل دعوة الرئيس الأميركي للانضمام إلى مجلس السلام بعد أيام من إفادة مصادر، السبت، بأن المملكة تلقت دعوة من الولايات المتحدة في هذا الصدد.
رئيس الصين متحدث الخارجية الصينية غوو جياكون، أعلن في مؤتمر صحفي، الثلاثاء، تلقي بلاده دعوة للمشاركة في مجلس السلام، دون أن يوضح موقف بكين من هذه المسألة أو ما إذا كانت ستلبي الدعوة.
الرئيس الروسي أعلنت الرئاسة الروسية الكرملين في بيان، الاثنين أن الرئيس فلاديمير بوتين تلقى دعوة للانضمام إلى مجلس السلام.
ملك المغرب قالت وزارة الخارجية المغربية في بيان، مساء الاثنين إن الملك محمد السادس يقبل دعوة ترامب من أجل الانضمام إلى مجلس السلام بغزة.
ملك الأردن قالت وزارة الخارجية الأردنية في بيان، الأحد إن الملك عبد الله الثاني تلقى دعوة من ترامب للانضمام إلى مجلس السلام في غزة، وتجري دراستها.
رئيس بولندا قال مارتشين شيداتش، مستشار الرئيس البولندي للسياسة الخارجية، في تصريحات الاثنين إن ترامب دعا نظيره كارول نافروتسكي للانضمام إلى مجلس السلام بغزة.
رئيس بيلاروسيا أعلن متحدث خارجية بيلاروسيا رسلان فارانكوف، في تصريحات الاثنين أن ترامب دعا الرئيس ألكسندر لوكاشينكو للانضمام إلى مجلس السلام.
رئيس كازاخستان قال المتحدث باسم رئاسة كازاخستان رسلان زيلديباي إن الرئيس قاسم جومارت توكاييف تلقى دعوة من ترامب للانضمام إلى مجلس السلام.
رئيس وزراء باكستان قال متحدث وزارة الخارجية الباكستانية طاهر حسين أندرابي في بيان، الأحد إن ترامب وجّه دعوة رسمية إلى رئيس الوزراء شهباز شريف للمشاركة في مجلس السلام بغزة.
يعد مجلس السلام أحد البنود الرئيسية في الخطة التي طرحها ترامب، والتي يستند إليها اتفاق وقف إطلاق النار بغزة.
مستشار ألمانيا كشف متحدث الحكومة الألمانية ستيفان كورنيليوس، الأحد، عن تلقي بلاده دعوة من ترامب للانضمام إلى مجلس السلام، وقال إن برلين ستدرسها.
رئيس وزراء الهند ذكر بيان صادر عن البيت الأبيض الأحد أن ترامب وجه دعوة إلى الهند للانضمام إلى مجلس السلام.
رئيس وزراء كندا قال رئيس الوزراء الكندي مارك كارني، في تصريحات الأحد إن ترامب طرح عليه فكرة الانضمام إلى مجلس السلام، وأكد الأمر في تصريحات الثلاثاء دون حسم قبوله أو عدمه.
رئيس وزراء ألبانيا أعلن رئيس الوزراء الألباني إيدي راما، الأحد أن بلاده تلقت دعوة ترامب للانضمام إلى مجلس السلام.
رئيس البرازيل أفادت مصادر برازيلية، الأحد، بأن الرئيس لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، تلقى دعوة من ترامب للانضمام إلى مجلس السلام.
رئيسة وزراء إيطاليا أعلنت رئيسة وزراء إيطاليا جورجيا ميلوني، في تصريحات الأحد أن بلادها تلقت دعوة رسمية من ترامب للمشاركة في مجلس السلام.
رئيس وزراء المجر قال رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان، عبر منصة فيسبوك مساء الأحد، إنه تلقى دعوة من الولايات المتحدة للانضمام إلى مجلس السلام.
رئيس الأرجنتين أعلن الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي، السبت أن بلاده قبلت دعوة ترامب للانضمام إلى مجلس السلام.
رئيس فرنسا نقلت مصادر عن مقربين من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن باريس "لا تلتزم بتلبية" دعوة الانضمام إلى المجلس في هذه المرحلة، مشيرين إلى أن فرنسا ترى ضرورة معالجة قضايا النزاعات الدولية ضمن الأطر المتعددة الأطراف القائمة، وعلى رأسها الأمم المتحدة.
ثانيا: أعضاء معيّنون في وقت سابق، قال البيت الأبيض في بيان إنه "لتحقيق رؤية مجلس السلام، تم تشكيل مجلس تنفيذي تأسيسي يضم قادة يتمتعون بخبرات واسعة في مجالات الدبلوماسية والتنمية والبنية التحتية والإستراتيجية الاقتصادية". وأوضح البيان أن أعضاء المجلس التنفيذي التأسيسي المعيّنين هم: وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، والمبعوث الخاص للرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، وصهر الرئيس ومستشاره السابق جاريد كوشنر، ورئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير.
كما يضم المجلس التنفيذي التأسيسي رجل الأعمال الأميركي الملياردير اليهودي مارك روان، ورئيس مجموعة البنك الدولي أجاي بانغا، والمستشار السياسي الأميركي روبرت غابرييل. وأشار البيان إلى أن كل عضو بالمجلس التنفيذي التأسيسي سيشرف على مجال محدد ومهم لتحقيق الاستقرار والنجاح على المدى الطويل في غزة، بما في ذلك على سبيل المثال لا الحصر، بناء القدرات بالحوكمة الإدارية، والعلاقات الإقليمية، وإعادة الإعمار، وجذب الاستثمارات، والتمويل الواسع النطاق، وحشد رأس المال.
في المقابل، يضم مجلس غزة التنفيذي أعضاء من المجلس التنفيذي التأسيسي، وهم ويتكوف وكوشنر وبلير وروان، إضافة إلى كل من: وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، ووزيرة الدولة الإماراتية لشؤون التعاون الدولي ريم الهاشمي، والدبلوماسي القطري علي الثوادي.
بالإضافة إلى رئيس المخابرات المصرية حسن رشاد، والدبلوماسي البلغاري المبعوث الأممي السابق إلى الشرق الأوسط نيكولاي ملادينوف، ورجل الأعمال ياكير غاباي، والسياسية الهولندية سيغريد كاغ. كما سيتولى ملادينوف مهام الممثل الأعلى لغزة، حيث سيعمل حلقة وصل ميدانية بين مجلس السلام واللجنة الوطنية لإدارة غزة. وسيدعم ملادينوف إشراف مجلس السلام على إدارة قطاع غزة، وإعادة إعماره وتنميته، إلى جانب ضمان التنسيق بين الجوانب المدنية والأمنية، بحسب بيان البيت الأبيض.
فلسطين
الخميس 22 يناير 2026 12:19 صباحًا - بتوقيت القدس
لماذا تصعّد إسرائيل في غزة وتنضم إلى "مجلس السلام"؟
تصعد إسرائيل عملياتها العسكرية في قطاع غزة في لحظة يُفترض أنها انتقالية بعد إعلان واشنطن بدء المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، في مشهد يعكس تناقضا صارخا بين المسار السياسي المعلن والواقع الميداني المتفجر. وأدى القصف الإسرائيلي الذي أصاب مناطق مختلفة في القطاع إلى استشهاد 11 فلسطينيا، بينهم صحفيون وأطفال، وهو ما اعتبر محللون أنه يحمل رسالة متعددة الاتجاهات تتقاطع فيها حسابات الحرب ونزع السلاح وترتيبات ما بعد الاتفاق.
ويرى الخبير في الشؤون الإسرائيلية مهند مصطفى أن دلالة هذا التصعيد تكمن في سعي إسرائيل إلى تطبيع الحالة العسكرية في غزة، في إشارة منه إلى جعل القصف والقتل أمرا اعتياديا لا يترتب عليه استحقاق سياسي أو مساءلة ضمن اتفاق وقف إطلاق النار. ولفت مصطفى -خلال حديثه لبرنامج "مسار الأحداث"- إلى أن بيان جيش الاحتلال القائم على "الشك" في استخدام طائرة مسيّرة، استُخدم ذريعة لتبرير قتل فلسطينيين وصحفيين، في إطار استسهال متعمد لاستخدام القوة. ووفق مصطفى، تسعى إسرائيل إلى إبقاء خيار العمليات العسكرية الواسعة مفتوحا مستقبلا، والعمل على تهيئة الوسطاء وواشنطن و"مجلس السلام" للتعامل مع هذا الواقع باعتباره أمرا قائما.
في الإطار ذاته، وصف الكاتب والمحلل السياسي إياد القرا التصعيد الإسرائيلي بأنه من "الأسوأ"، مع توسع نطاق الانتهاكات في غزة وشمالها وخان يونس جنوبا. وأكد أن إسرائيل تتجه عمليا إلى إلغاء ما يُعرف بالمنطقة الصفراء، ومسح المناطق القريبة من "الخط الأصفر" كليًّا، عبر تدمير ما بقي من مبانٍ وبنية تحتية. وذهب القرا إلى أن هذا التدمير الممنهج يندرج ضمن تحضيرات لإعادة تشكيل الجغرافيا، سواء لإقامة مناطق نزوح لاحقة أو لترسيخ وقائع ميدانية تجعل أي وجود لقوات استقرار دولية بلا مضمون فعلي.
في المقابل، لفت مستشار الأمن القومي الأميركي السابق مارك فايفل إلى أن إسرائيل تركز حصرا على عسكرة حركة حماس، متجاهلة عناصر لا تقل أهمية، مثل الإغاثة الإنسانية والشعور بالأمان والحكم المحلي والأمن المستدام. وحذر فايفل من أن تجاهل هذه الملفات سيؤدي إلى استمرار الهجمات والمعاناة، مهما تعددت الأطر السياسية.
التصعيد الإسرائيلي هو من "الأسوأ"، مع توسع نطاق الانتهاكات في غزة وشمالها وخان يونس جنوباً.
وفي هذا السياق، برزت دعوة إسرائيل للانضمام إلى مجلس السلام، التي أثارت تساؤلات واسعة، إذ اعتبر مهند مصطفى أن موافقة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو لا تنبع من رغبة في حل أزمة غزة، بل من سعيه لكسب ود الرئيس الأميركي دونالد ترامب وفتح قناة مباشرة معه. فالأجندة الإسرائيلية، حسب مصطفى، تتمثل في إفشال المرحلة الثانية بصيغتها الحالية، ومحاولة إقناع ترامب بفرض مهلة زمنية محددة لنزع سلاح حماس، باعتباره الهدف الوحيد ذا القيمة لإسرائيل، مع القفز فوق المؤسسات الدولية التقليدية ونزع شرعية الأمم المتحدة.
وتقوم خطة نتنياهو -وفق الخبير بالشؤون الإسرائيلية- على ربط أي انسحاب من قطاع غزة، وفتح معبر رفح وتمكين لجنة إدارة غزة من مباشرة عملها، بتحقيق شرط واحد هو نزع السلاح. وفي هذا الإطار، جدد نتنياهو مرات عدة التمسك بشرطين للدخول في المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، وهما: تسليم جثة آخر أسير إسرائيلي في غزة، وتجريد حماس وعامة القطاع من السلاح.
من جانبه، رفض القرا التعويل على مجلس السلام، واصفا إياه بأنه إطار لا يقدم للفلسطينيين شيئا، بل يفرغ المرحلة الثانية من مضمونها، ويكرس الوجود الإسرائيلي ويعيق أي ترتيبات إدارية أو دولية في غزة. أما فايفل، فربط جدوى المجلس بقدرته الفعلية على التأثير، محذرا من تحوله إلى منصة رمزية إذا لم يمتلك صلاحيات واضحة، ومشددا في الوقت نفسه على ضرورة إشراك الفلسطينيين ضمن أي مسار للحكم والاستقرار.
فلسطين
الخميس 22 يناير 2026 12:19 صباحًا - بتوقيت القدس
إصابة 5 فلسطينيين باعتداء لقوات الاحتلال في الخليل
أفاد الهلال الأحمر الفلسطيني، اليوم الأربعاء، بإصابة 5 فلسطينيين في اعتداء قوات الاحتلال عليهم خلال اقتحام منطقة جبل جوهر في مدينة الخليل. وقالت مصادر فلسطينية إن قوات الاحتلال اعتدت بالضرب على الفلسطينيين الخمسة أثناء خروجهم لشراء احتياجاتهم من المواد التموينية، بعد أنباء عن تعليق لحظر التجوال المفروض على الأهالي منذ 3 أيام، ما أدى الى إصابتهم بكسور ورضوض، نقلوا على إثرها الى المستشفى.
وتشن قوات الاحتلال، منذ 3 أيام، عملية عسكرية في جبل جوهر والمنطقة الجنوبية من الخليل، كما تفرض حصارا مشددا وحظرا للتجول على المواطنين، وتداهم منازلهم وتنكّل بهم، وتعتقل وتحتجز عددا كبيرا منهم.
وتُنفذ العملية العسكرية في الجزء الخاضع للسيطرة الإسرائيلية من مدينة الخليل وفق اتفاق الخليل بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل في عام 1997، ويتعلّق بأحياء في محيط البلدة القديمة والمسجد الإبراهيمي.
ومنذ بدئها حرب الإبادة على قطاع غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023 والتي استمرت عامين، كثّفت إسرائيل، عبر جيشها ومستوطنيها، اعتداءاتها في الضفة الغربية، بما في ذلك القتل والاعتقال والتهجير والتوسّع الاستيطاني، في مسار يحذّر فلسطينيون من أنه يمهّد لضم الضفة إلى إسرائيل.
وأسفر ذلك عن استشهاد ما لا يقل عن 1107 فلسطينيين، وإصابة نحو 11 ألفا آخرين، إضافة إلى اعتقال أكثر من 21 ألفا، بحسب معطيات رسمية فلسطينية.
فلسطين
الأربعاء 21 يناير 2026 11:34 مساءً - بتوقيت القدس
مصيدة "الخط الأصفر".. كيف يقضم الاحتلال المساحات الباقية للفلسطينيين بغزة؟
كشف الخبير العسكري العميد إلياس حنا عن توسع ملحوظ في المساحات التي تحتلها قوات الاحتلال الإسرائيلي، مما يعزز فرضية السعي لفرض "واقع إستراتيجي" طويل الأمد. وفي تحليله العسكري، حذر العميد حنا من خطورة "زحف" الخط الأصفر؛ حيث يجد الفلسطينيون أنفسهم أهدافا مشروعة للاحتلال بمجرد تغير إحداثيات هذا الخط بدون ضرورة وبشكل مفاجئ.
توقف العميد حنا عند التغير الخطير في إحداثيات "الخط الأصفر" (منطقة التماس)، مشيرا إلى أن ما يحدث هو عملية "قضم" إضافية للمساحات السكنية. ووصف حنا الواقع العسكري في غزة على أنه يتمثل في المشهد التالي "إذ ينام الفلسطيني في مكان، ويستيقظ في اليوم التالي والخط الأصفر قد تخطاه إلى داخل القطاع"، معتبرا نفسه ضمن مناطق سيطرة حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، بينما تضعه الخريطة الجديدة كـ"هدف شرعي" لجيش الاحتلال نتيجة تحرك الخط.
هذا الزحف الميداني أدى، بحسب الخريطة، إلى نقل 205 بلوكات (مربعات سكنية) من تصنيف التماس إلى تصنيف السيطرة العسكرية، مع التوغل بعمق 920 مترا إضافيا داخل القطاع، وهو ما رفع نسبة سيطرة الاحتلال من 53% إلى 61% داخل غزة في جباليا وحي التفاح وبيت لاهيا.
كما لفت حنا إلى تأثير غياب "البلوكات الصفراء" في كل منطقة رفح، الأمر الذي يتسبب في تعقيد الوضع الميداني والإنساني هناك وسقوط ضحايا مدنيين نظرا لوجودهم في المنطقة الصفراء. وهو ما أدى بالفعل إلى سقوط 483 شهيدا، أغلبهم من النساء والأطفال، نتيجة محاولات الاقتراب من هذه الخطوط المتغيرة أو اختراقها. فالجيش الإسرائيلي لا يكتفي بالسيطرة، بل يقوم بـ"تسطيح" المباني (بنسبة تصل إلى 95% في بعض المناطق) لإنشاء مناطق رؤية مفتوحة وتأمين نقاطه العسكرية الخرسانية، مما يحول شمال القطاع وشرقه إلى منطقة محرمة جغرافيا.
تدمير ممنهج واستنادا إلى تقارير دولية، فإن جيش الاحتلال الإسرائيلي تسبب في تدمير أكثر من 2500 مبنى ومنشأة في المنطقة الصفراء، خاصة في بيت لاهيا وبيت حانون والشجاعية وخزاعة وخان يونس. ورغم رصد وجود 13 موقعا عسكريا إسرائيليا جديدا من المنشآت الخرسانية داخل القطاع، فإن الخبير العسكري استبعد وجود خطورة من هذا الحضور العسكري في منطقة يعتبر الوجود الإسرائيلي فيها مؤقتا.
إذ ينام الفلسطيني في مكان، ويستيقظ في اليوم التالي والخط الأصفر قد تخطاه إلى داخل القطاع.
واعتبر حنا أن ما يجري هو "استباق للحلول السياسية"؛ حيث يسعى الاحتلال لفرض واقع ميداني قبل تشكيل أي لجان وطنية أو دولية لحفظ الاستقرار.
وكانت مصادر في مستشفيات غزة قد أفادت باستشهاد 11 شخصا اليوم الأربعاء جراء تصعيد إسرائيلي جديد شمل استخدام الرصاص الحي وقذائف المدفعية والطيران المسيّر.
وأسفر الاستهداف عن استشهاد 3 صحفيين كانوا في مهمة لتوثيق "تدشين" مخيم جديد للنازحين داخل سيارة تابعة للجنة الإغاثة المصرية في منطقة "نتساريم" (الزهراء) جنوبي مدينة غزة.
وقالت مصادر في "مستشفى شهداء الأقصى" إن ثلاثة فلسطينيين، أحدهم طفل، استشهدوا بقصف مدفعي شرقي دير البلح. كما استشهد ثلاثة فلسطينيين من عائلة واحدة بقصف مدفعي شرقي مخيم البريج.
فلسطين
الأربعاء 21 يناير 2026 9:56 مساءً - بتوقيت القدس
توثيق تفاصيل المشهد في غزة بعد استشهاد صحفيين
نقلت مصادر تفاصيل المشهد في غزة بعد واقعة استهداف مسيَّرة إسرائيلية لسيارة تابعة للجنة الإغاثة المصرية في منطقة "نتساريم" (الزهراء) جنوبي مدينة غزة. وأسفر الاستهداف عن استشهاد 3 صحفيين كانوا في مهمة لتوثيق "تدشين" مخيم جديد للنازحين. وأشارت المصادر إلى أنه رغم وضوح المهمة الإنسانية التي كان الصحفيون بصدد تغطيتها ورفع العلم المصري على المركبات والجرافات، فإن الاحتلال استهدفهم بزعم "رصد مسيَّرة" وهي ذريعة وصفها الناطق باسم الدفاع المدني محمود بصل بأنها "جريمة مبيَّتة" تهدف إلى إيصال رسائل ترهيب للجنة المصرية ولكل من يعمل على الأرض.
موت في رحلة البحث عن الدفء ميدانيا، لم تتوقف المدفعية الإسرائيلية عن حصد الأرواح. ففي دير البلح، استشهد 3 فلسطينيين أثناء قيامهم بما يُعرف بـ"التحطيب" بحثا عن وقود للتدفئة وسط البرد القارس، كما استشهد طفل في بني سهيلا وامرأة في خان يونس، وفق مصادر. وتشير الإحصائيات الرسمية لوزارة الصحة ومؤسسات أممية إلى أن أغلبية الشهداء (نحو 91%) هم نساء وأطفال ومُسنّون، بما يؤكد أن الاستهداف الإسرائيلي يتركز أساسا في أوساط المدنيين العُزل. ووصفت مصادر الوضع الصحي بأنه "كارثي" إذ يقيّد الاحتلال دخول المساعدات، مما أدى إلى نفاد 53% من الأدوية والمستلزمات الطبية الأساسية. ويحرم هذا العجز المنظومة الصحية من القدرة على التعامل مع الإصابات اليومية أو رعاية أصحاب الأمراض المزمنة، بما يجعل البقاء على قيد الحياة تحديا يوميا ومضنيا.
العطش والتلوث وعلى صعيد الأزمة المعيشية، كشف رئيس شبكة المنظمات الأهلية أمجد الشوا عن تعطل الخط الرئيسي لمياه "ميكروت" منذ 5 أيام، مؤكدا أن الاحتلال يمنع صيانته أو إدخال قطع الغيار اللازمة. وتسبب تعطل إمدادات المياه إلى إتاحة أقل من 30% فقط من الاحتياجات الأساسية، مما أجبر السكان على اللجوء إلى مصادر غير آمنة، لترتفع نسبة تلوث المياه إلى 57%، وهو ما ينذر بكارثة بيئية وانتشار واسع للأوبئة.
الاحتلال استهدفهم بزعم 'رصد مسيَّرة' وهي ذريعة وصفها الناطق باسم الدفاع المدني بأنها 'جريمة مبيَّتة'.
وكانت مصادر طبية في قطاع غزة قد أفادت، اليوم الأربعاء، باستشهاد 11 فلسطينيا بينهم 3 أطفال وامرأة و3 صحفيين يعملون مع لجنة الإغاثة المصرية جراء قصف إسرائيلي على منطقة نتساريم جنوبي مدينة غزة.
وقال المدير العام لوزارة الصحة في غزة منير البرش إن الاحتلال الإسرائيلي لا يزال يمعن في قتل الفلسطينيين في القطاع، وأضاف أن الصحفيين الشهداء الثلاثة يعملون لدى اللجنة المصرية لإغاثة غزة.
فلسطين
الأربعاء 21 يناير 2026 4:40 مساءً - بتوقيت القدس
وصول جثامين 3 شهداء إلى مستشفى شهداء الأقصى بدير البلح بينهم طفل
أفادت مصادر، يوم الأربعاء، بوصول جثامين ثلاثة شهداء إلى مستشفى شهداء الأقصى في دير البلح، وسط قطاع غزة، نتيجة استمرار خروقات جيش الاحتلال، حيث تم التعرف على هوية أحدهم وهو الطفل سرحان محمد سرحان الرجودي (10 سنوات)، الذي ارتقى شرقي المدينة.
ويأتي هذا التطور الميداني بعد يوم من إصدار وزارة الصحة في قطاع غزة، يوم الثلاثاء، تقريرها الإحصائي، والذي كانت قد كشفت فيه عن ارتفاع الحصيلة التراكمية للعدوان إلى 71,551 شهيدا و 171,372 إصابة منذ السابع من أكتوبر 2023.
الطفل سرحان محمد سرحان الرجودي (10 سنوات) ارتقى شرقي المدينة.
كما كانت الوزارة قد أعلنت، في سياق إنساني مؤلم، عن وفاة الرضيعة شذى أبو جراد (6 شهور)؛ نتيجة البرد القارس، ليصل عدد وفيات الأطفال بسبب البرد - حتى يوم الثلاثاء- إلى 9 وفيات.
وبحسب بيانات الوزارة السابقة حول ما بعد "وقف إطلاق النار" في 11 أكتوبر، فقد بلغ إجمالي الشهداء حينها 466 شهيدا، والإصابات 1,294 إصابة، بينما أشارت التقارير إلى وجود ضحايا لا يزالون تحت الركام عجزت الطواقم عن الوصول إليهم.
اقتصاد
الأربعاء 21 يناير 2026 2:00 مساءً - بتوقيت القدس
"الفلسطينية للمحركات" تطلق مركبة "Geely EX5" الصينية الكهربائية بالكامل
أطلقت الشركة الفلسطينية للمحركات، الرائدة في تجارة السيارات في فلسطين، أحدث نسخة من مركبات " Geely- جيلي" الكهربائية بالكامل في السوق الفلسطينية، وذلك خلال فعالية نظمتها في معرضها في البيرة، تحت رعاية محافظ رام الله والبيرة د. ليلى غنام، وبحضور نائب المحافظ د. وليد حمدان، وممثلين عن الهيئات الرسمية والخاصة والأهلية، والبنوك ورجال الأعمال، وزبائن الشركة.
ويعد طرح "جيلي اي.اكس.فايف – Geely EX5"، إضافة نوعية على صعيد قطاع السيارات في فلسطين، خاصة أن "جيلي" من أبرز العلامات التجارية الصينية الصديقة للبيئة، وبطاريتها صممت، لتكون الأكثر أماناً في الأسواق العالمية، حيث تتفوّق على المعايير العالمية بثمانية أضعاف، وتحافظ على أكثر من 90% من مداها حتى في أبرد أيام الشتاء، وتتحمل 3500 دورة شحن، أي ما يعادل أكثر من مليون كيلومتر.
وتجمع المركبة بين الأداء الكهربائي الذكي، والتصميم العصري، والسلامة الشاملة، والراحة الفاخرة، بما ينسجم مع رؤية الشركة الفلسطينية منذ نشأتها في العام 1994، والتزامها الراسخ بتوفير أفضل المركبات، ووضعها في متناول الأفراد والشركات الفلسطينية.
وتملك "الفلسطينية للمحركات"، عدة وكالات عالمية، بدء بـ "ميتسوبيشي"، فضلا عن "BMW- بي.أم.دبليو"، علاوة على وكالات قطع غيار السيارات والبطاريات والزيوت. مثل "Veedol-فيدول"، و"DN 8- دي.أن 8"، و"Würth -وورث"، و"Eelectron-الكترون".
وهنأ حمدان، الشركة الفلسطينية لمناسبة إطلاق المركبة الجديدة، لافتا إلى حيوية دور "الفلسطينية للمحركات" في الارتقاء بقطاع المركبات في فلسطين.
وأشار إلى أن الشركة تمثل نموذجا على قدرة الشركات الفلسطينية على نسج شراكات مع كبريات الهيئات العالمية، والتزامها بتوفير مركبات صديقة للبيئة.
وخلال الحفل، عبر مدير عام الشركة الفلسطينية للمحركات حرب الراهب، عن سعادته بإطلاق سيارة "جيلي" في السوق الفلسطينية لمزاياها الاستثنائية، ودمجها تقنيات تصب في خانة توفير تنقل ذكي، ومستدام، وخالٍ من التعقيد، مضيفا "لقد شهدت السنوات الأخيرة اهتماماً متزايداً بالتنقّل المستدام في وطننا، وفي العام 2025، شكّلت السيارات الكهربائية صينية المنشأ، ما نسبته 39% من إجمالي السيارات الجديدة المسجّلة، وهذا ليس مجرد رقم، بل دليلٌ على وعي المستهلك الفلسطيني، واستعداده لتبني حلول مستقبلية، تناسب احتياجاته وقيّمه".
وقال: نحن في الشركة الفلسطينية للمحركات، لا نبيع سيارات، بل نبني شراكات، شراكة مع عائلاتٍ تبحث عن الأمان، وشبان وشابات يطمحن للابتكار، مع مؤسسات تؤمن بالاستدامة، و"جيلي إي.إكس 5" ما هي إلا نموذج على مستقبل التنقل الذكي، الكهربائي والآمن في فلسطين الذي نسعى للوصول إليه".
وتمتاز أحدث نسخ "جيلي"، بأداء قوي وسريع، فمعدل التسارع فيها من 0 إلى 100 كم/س ينجز في غضون 6.9 ثوان، عدا شحن فائق السرعة وبمعدل من 10% إلى 80% خلال 28 دقيقة، إضافة إلى تصميم عصري جذاب، تمتزج فيه الخطوط الإنسابية، بأقوى معدلات الثبات والتقنيات الذكية التي تزخر بها المركبة، بدء من من شاشة لمس مركزية 15.4 بوصة، ومساعد صوتي "Hi, Geely" والذي يدعم أكثر من 200+ أمر صوتي بلغات متعددة، وانتهاء بمقاعد جلدية، وسقف بانورامي، وشاحن هاتف لاسلكي (15 واط)، ووسائد هوائية.
يذكر أن "الفلسطينية للمحركات" التي تعنى منذ تأسسيها، باستقطاب أفضل الموارد البشرية من إداريين ومهندسيين وفنيين للعمل ولإدارة الشركة، تنشط عبر أكثر من موقع، وتحديداً أربعة معارض ومركزي صيانة، تم تجهيزهما بأحدث المعدات وفق المعايير العالمية الخاصة بالعلامات التجارية، وبما يوفر أفضل خدمة لزبائن الشركة، وبالتالي رسّخت الشركة استدامة بيئية واجتماعية عبر قيمها كافّة، ومسؤولية منتجات شاملة، فضلاً على التزام واضح بالمحافظة على الموارد كجزء أساسي من استراتيجيتها.
وفي ختام الفعالية، جرى تقديم شرح تعريفي عن المركبة الجديدة، علاوة على تنظيم تجربة قيادة "Test Drive" للحضور للاطلاع على المزايا الاستثنائية للمركبة.
فلسطين
الأربعاء 21 يناير 2026 1:45 مساءً - بتوقيت القدس
التقى أ. د. رامي الحمدالله ... وفد من جامعة فلسطين الأهلية يزور جامعة النجاح الوطنية ويوقّع اتفاقية تعاون أكاديمي مشترك
نابلس- غسان الكتوت - الرواد للصحافة والإعلام
استقبل الأستاذ الدكتور رامي الحمد الله، نائب رئيس مجلس أمناء جامعة النجاح الوطنية ورئيس مجلس أمناء مستشفى النجاح الوطني الجامعي، امس وفدًا رفيع المستوى من جامعة فلسطين الأهلية، وذلك بحضور الأستاذ الدكتور عبد الناصر زيد، رئيس جامعة النجاح.
وضمّ الوفد الزائر الدكتور داود الزير، رئيس مجلس أمناء جامعة فلسطين الأهلية، والأستاذ الدكتور عماد الزير، رئيس الجامعة، والدكتور فايز أبو عامرية، نائب رئيس الجامعة للشؤون الأكاديمية، والأستاذ جريس أبو غنام، مساعد الرئيس لشؤون العلاقات العامة.
وحضر اللقاء من جانب جامعة النجاح كل من الدكتور سائد الكوني، نائب الرئيس للشؤون الإدارية، والدكتور يوسف دعمة، نائب الرئيس لشؤون التخطيط والتطوير والجودة، والأستاذ أحمد السرغلي، مستشار الرئيس لشؤون العلاقات العامة والاتصالات التسويقية.
وفي مستهل اللقاء، أكد أ.د. الحمد الله أن هذه الزيارة تعكس أهمية تعزيز الشراكات الوطنية بين الجامعات الفلسطينية، بوصفها ركيزة أساسية للنهوض بقطاع التعليم العالي، مشيرًا إلى أن التعاون الأكاديمي المؤسسي يسهم في توحيد الجهود، وتعظيم الاستفادة من الإمكانات المتاحة، وتطوير البحث العلمي والبرامج الأكاديمية بما ينسجم مع أولويات التنمية الوطنية.
وأضاف أن جامعة النجاح، من خلال مجلس أمنائها، تحرص على دعم كل ما من شأنه تعزيز التكامل بين مؤسسات التعليم العالي الفلسطينية، وتمكينها من مواصلة دورها الريادي في خدمة المجتمع وبناء الإنسان الفلسطيني.
من جانبه، أعرب الدكتور داود الزير عن فخره واعتزازه بجامعة النجاح وما حققته من تميّز أكاديمي محلي وعالمي، وتقدم ملحوظ في التصنيفات الدولية، مؤكدًا عمق العلاقة التي تجمع الجامعتين، وما تقوم عليه من شراكة أكاديمية راسخة وتكامل يخدم قطاع التعليم العالي الفلسطيني.
وجرى بحث عدد من القضايا الأكاديمية ذات الاهتمام المشترك، وسبل تعزيز التعاون بين الجانبين بما يسهم في تطوير العملية التعليمية، والارتقاء بالبحث العلمي، وتبادل الخبرات الأكاديمية والإدارية، بما ينعكس إيجابًا على الطلبة وأعضاء الهيئتين التدريسية والإدارية في كلا الجامعتين.
من ناحيته، رحّب أ.د. زيد بالوفد الضيف، مؤكدًا استعداد جامعة النجاح لتوسيع مجالات التعاون مع الجامعات الفلسطينية عمومًا، ومع جامعة فلسطين الأهلية على وجه الخصوص، بما يسهم في الارتقاء بالتعليم الجامعي الفلسطيني وتعزيز جودة مخرجاته، في ظل التحديات التي يواجهها قطاع التعليم العالي.
بدوره، ثمّن أ.د. عماد الزير، حفاوة الاستقبال، مؤكدًا أن هذه الزيارة تأتي في إطار استراتيجية الجامعة الرامية إلى بناء شراكات فاعلة مع الجامعات الفلسطينية، وتعزيز العمل الأكاديمي المشترك، مشيدًا بالمستوى الأكاديمي والبحثي المرموق الذي تتمتع به جامعة النجاح.
وفي ختام الزيارة، جرى توقيع اتفاقية تعاون أكاديمي مشترك بين الجامعتين، وقّعها رئيسا الجامعتين، وأكّد الجانبان أهمية هذه الاتفاقية، وحرصهما على استمرار التواصل والتنسيق، ومتابعة تنفيذ بنودها بما يخدم المسيرة التعليمية الوطنية، ويعزز من مكانة الجامعات الفلسطينية.
فلسطين
الأربعاء 21 يناير 2026 1:10 مساءً - بتوقيت القدس
رغم ملاحقته دوليا.. نتنياهو ينضم لـ "مجلس السلام" بقيادة ترمب
أعلن مكتب رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو، يوم الأربعاء، موافقته الرسمية على دعوة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب للانضمام إلى ما يعرف بـ "مجلس السلام" المعني بقطاع غزة.
وأوضح المكتب، في بيان صادر عنه أن "نتنياهو" قبل الدعوة، ليكون بذلك عضوا في المجلس الأعلى للسلام، المقرر أن يضم عددا من قادة دول العالم.
وتأتي هذه الخطوة في وقت لا تزال فيه دول عديدة متحفظة أو مترددة بشأن الانضمام إلى المجلس، الذي ينتظر أن يعلن "ترامب" رسميا عن تشكيلته، يوم غد الخميس، على هامش أعمال منتدى دافوس الاقتصادي في سويسرا.
والمفارقة أن دعوة "ترمب" لـ "نتنياهو" للمشاركة في هذا المجلس، جاءت رغم صدور مذكرة توقيف بحق الأخير من المحكمة الجنائية الدولية في نوفمبر 2024؛ على خلفية اتهامه بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في غزة.
كما تتزامن هذه العضوية مع استمرار محاكمة رئيس وزراء الاحتلال أمام المحكمة المركزية في تل أبيب بتهم تتعلق بالرشوة والاحتيال وخيانة الأمانة.
المفارقة أن دعوة "ترمب" لـ "نتنياهو" للمشاركة في هذا المجلس، جاءت رغم صدور مذكرة توقيف بحق الأخير من المحكمة الجنائية الدولية.
ويعرف "مجلس السلام" نفسه – وفقا لميثاقه التأسيسي – على أنه منظمة دولية تهدف إلى "تعزيز الاستقرار، وإعادة ترسيخ الحكم الرشيد وسيادة القانون، وضمان سلام مستدام في المناطق المتضررة".
ويعد المجلس أحد أربعة أطر مقترحة لإدارة المرحلة الانتقالية في غزة، إلى جانب: اللجنة الوطنية الفلسطينية، المجلس التنفيذي لغزة، وقوة الاستقرار الدولية.
ووفقا لموقع (تايمز أوف إسرائيل)، انضمت إسرائيل إلى كل من الأرجنتين، أذربيجان، بيلاروسيا، المجر، كازاخستان، المغرب، الإمارات، البحرين، وفيتنام، في قبول الدعوة للمشاركة كأعضاء مؤسسين.
يذكر أن هذه التحركات تأتي بعد حرب مدمرة شنتها "إسرائيل" منذ 7 أكتوبر 2023، خلفت إبادة جماعية وأكثر من 242 ألف فلسطيني بين شهيد وجريح، وما يزيد على 11 ألف مفقود، فضلا عن دمار شامل محا معظم معالم القطاع عن الخريطة، متجاهلة بذلك كافة القرارات الدولية المطالبة بوقف العدوان.
اقتصاد
الأربعاء 21 يناير 2026 1:00 مساءً - بتوقيت القدس
البنك الإسلامي الفلسطيني وسلطة الطاقة والموارد الطبيعية يبحثان تعزيز التعاون المشترك
بحث رئيس سلطة الطاقة والموارد الطبيعية المهندس أيمن إسماعيل مع مدير عام البنك الإسلامي الفلسطيني د. عماد السعدي سبل تعزيز التعاون المشترك بين الجانبين بما يسهم في دعم تحقيق أهداف التنمية المستدامة وتعزيز توجه المواطنين والمؤسسات نحو الطاقة المتجددة.
وخلال اللقاء الذي عقد في سلطة الطاقة بمدينة رام الله، استعرض المهندس إسماعيل أبرز المشاريع والجهود التي تنفذها سلطة الطاقة والموارد الطبيعية لترويج استخدام الطاقة المتجددة وآخرها مشروع الطاقة الشمسية للقطاع المنزلي والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة والصغيرة جداً، مؤكداً تعزيز استخدام الطاقة المتجددة على المستوى الوطني.
من جانبه أكد د. عماد السعدي حرص البنك الإسلامي الفلسطيني على تعزيز التعاون مع سلطة الطاقة في هذا الجانب وذلك انطلاقاً من التزام البنك بدعم تحقيق أهداف التنمية المستدامة والتي يعتبر استخدام الطاقة المتجددة من محاورها الرئيسية.
وأضاف السعدي:" يأتي هذا التعاون انسجامًا مع رؤيتنا المشتركة في دعم التحول نحو الطاقة المتجددة، وتمكين المواطنين من تنفيذ مشاريع الطاقة الشمسية بما يساهم في تخفيف الأعباء الاقتصادية وتعزيز الاستدامة البيئية. كما نؤكد التزامنا بدعم المبادرات الوطنية بهذا الصدد والعمل على توفير حلول تمويلية مبتكرة وشراكات فاعلة تسهم في تحقيق التنمية المستدامة وخدمة المجتمع".
وشارك في اللقاء كل من الوكيل المساعد للشؤون الإدارية والمالية في سلطة الطاقة ريم كرزون، ومدير عام الشؤون المالية حسام كتانة، ومدير عام وحدة إدارة المشاريع عبد الهادي بركات، فيما حضر من جانب البنك مدير دائرة التمويل والمنح عبد الرؤوف علاونة ومدير دائرة الشؤون الإدارية لؤي جرادات ومسؤول العلاقات العامة محمد مرار.
فلسطين
الأربعاء 21 يناير 2026 12:28 مساءً - بتوقيت القدس
الجلسة الثالثة من الصالون السياسي بعنوان: " النظام الإقليمي والدولي: فلسطين إلى أين"
https://youtu.be/jfSr0QPPqGk
https://www.youtube.com/live/jfSr0QPPqGk
الجلسة الثالثة من "الصالون السياسي: فلسطين 2035"، بحوارية عنوانها: " النظام الإقليمي والدولي: فلسطين إلى أين" يتحدث في اللقاء: الدكتور علي الجرباوي أستاذ العلوم السياسية يحاوره: الأستاذ محمد دراغمة الكاتب والصحفي ومدير مكتب قناة الشرق في فلسطين.
عقدت دائرة العلوم السياسية وبرنامج ماجستير العلاقات الدولية والدبلوماسية والأمن العالمي، في كلية الحقوق والإدارة العامة، يوم الثلاثاء 20 كانون الثاني 2026، الحوارية الثالثة من الصالون السياسي: فلسطين 2035، بعنوان " النظام الإقليمي والدولي: فلسطين إلى أين ". والتي استضافت أستاذ العلوم السياسية د. علي الجرباوي، وحاوره مدير مكتب قناة الشرق في فلسطين أ. محمد دراغمة.
أفتتح دراغمة الجلسة معبراً عن سعادته لوجود مثل هذه الحواريات داخل الجامعات الفلسطينية، كون أن فكرة المنصات الحوارية مفقودة في السياق الأكاديمي والصحفي الفلسطيني، في ظل غياب المجلس التشريعي وأجواء الحياة السياسية.
النظام الدولي وفكرة التموضع
يرى الجرباوي أن قواعد النظام الدولي لم تتغير ولكنها أصبحت مكشوفة، فالنظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية بُني على أساس توازن القوى، وليس على أساس القانون الدولي، ولكن الدول الكبرى كانت معنية بتطبيق وترسيخ فكرة القانون الدولي في تلك الفترة، بما أنه يواءم مصالحها. وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي تصدرت الولايات المتحدة الأمريكية المشهد حتى اليوم، وما نشاهده اليوم في السياسة الخارجية الأمريكية هو محاولة لاستمرار هيمنتها على النظام الدولي في ظل ظهور أقطاب دولية منافسة. إذ أشار الجرباوي إلى أن النظام الدولي الذي يتبلور حالياً يتكون من ثلاث أقطاب رئيسية، الولايات المتحدة الأمريكية وهي قطب عسكري اقتصادي، وروسيا قطب عسكري، والصين قطب اقتصادي.
وأوضح الجرباوي أن النظام الدولي الحالي قائم على فكرة التموضع، أي أن أمريكا وبالعودة إلى مبدأ مونرو ترى أن القسم الغربي من العالم هو منطقة نفوذ حصرية لها، وهذا ما يفسر سلوكها تجاه فنزويلا، وما يحدث اليوم في جرينلاند. والصين تعتبر أن بحر الصين الجنوبي وجزيرة تايوان مناطق خاضعة لها، كما أن روسيا في حربها على أوكرانيا وتمددها في القطب الشمالي تحاول أن تحافظ على منطقة نفوذها. لذلك، أكد الجرباوي أن من سيدفع الثمن نتيجة هذا التنافس بين الأقطاب الثلاث هم دول العالم الجنوبي والدول الأوروبية.
وأشار الجرباوي إلى أن القضية الفلسطينية في المجتمع الدولي الحالي هي عبارة عن ملف ضمن مجموعة من الملفات والقضايا الأخرى، فالقضية الفلسطينية لم تعد بذات الأهمية التي ميزتها سابقاً، عندما كانت تلعب دور القوة المعطلة في المنطقة.
النظام الإقليمي وغياب التأثير العربي
اعتبر الجرباوي أن النظام الإقليمي العربي تحديداً ساهم بشكل كبير في الحفاظ على القضية الفلسطينية حية في السابق، إذا ما قورنت في قضايا أخرى لم تدم طويلاً مثل الأرمن والأكراد وغيرهم. ولكن اليوم النظام الإقليمي العربي ضعيف ومقسم، ويفتقر إلى قوة مركزية عربية، وخروج مصر من معادلة الصراع العربي-الإسرائيلي بعد توقيع اتفاقية السلام كان له الأثر الأكبر في احداث هذه الضعف. مشيراً إلى أن الدول العربية اليوم لم تعد قادرة على حمل ملف القضية الفلسطينية كما السابق، بل أصبحت تحاول التخلص منه، والقيادة الفلسطينية اليوم تعلق امالها على الموقف السعودي الرافض للتطبيع مع إسرائيل دون الوصول إلى حلول سياسية تفضي إلى كيانية سياسية.
كما تطرق الجرباوي للحديث عن فواعل النظام الإقليمي الحالي في المنطقة العربية، إذ رأى أن هناك ثلاث دول مركزية تمتلك قرار سياسي يؤثر على الوضع في المنطقة وهم: إسرائيل، تركيا، إيران. أما الدول العربية فهي تقوم اليوم بأدوار وظيفية ليس إلا، ويمكن أن تكون السعودية هي الاستثناء الوحيد نظراً لمكانتها الدينية بين دول العالم الإسلامي، وأيضاً قوتها المادية والنفطية.
المستقبل الفلسطيني ومركز الكيانية السياسية
أوضح الجرباوي أن إنشاء ما يسمى بحكومة التكنو قراط في غزة هو نقطة انطلاق لنقل مركز الكيانية الفلسطينية من الضفة الغربية إلى قطاع غزة، وما يجري في هذه الفترة من تكوين مجلس السلام وغيرها من الخطوات تهدف إلى تكوين نظرة جديدة للمستقبل الفلسطيني، الذي يصنع بأيدي خارجية، وسيكون مركزه السياسي في قطاع غزة، وما تبقى من الضفة الغربية سيصبح تابع للمركز. ونوه الجرباوي أن دول العالم وصلت إلى مرحلة تريد انهاء الملف الفلسطيني والتخلص من هذا العبء، وأمريكا على رأس هذه الدول، ولكن الموقف الأمريكي لا يتوافق مع الموقف الإسرائيلي رغم أنه يتقاطع معه، فالمصالح الأمريكية في المنطقة العربية غير متوقفة فقط على حماية الوجود الإسرائيلي.
وأشار الجرباوي إلى وضع الضفة الغربية، إذ رأى أن التركيز الحالي سياسياً منصب على قطاع غزة، ولا يوجد أي ذكر للأوضاع التي تمر بها الضفة على الرغم تدهورها. وفي هذا الصدد، يعتقد الجرباوي أن التركيز على غزة يعني اباحة الضفة الغربية لإسرائيل وللمستوطنين، وتحويلها إلى ما يشبه الكانتونات. وما يعيق المخطط الإسرائيلي في الضفة هو التعداد السكاني الذي يصعب التخلص منه بسهولة.
داخلياً، أكد الجرباوي أن المستوى السياسي الفلسطيني يبدي توافقاً تاماً مع الخطط المطروحة على الطاولة، والنظام السياسي الفلسطيني في حالة موت سريري، كما أن الفلسطينيين أنفسهم دائماً ما يربطون المشاكل والانتكاسات الداخلية التي تحدث بعامل خارجي، ويتهربون من تحمل المسؤولية. كما أن القوى الفلسطينية اليوم أصبحت قوة مصلحية فئوية ضيقة وبعيدة عن امتلاك مشروع وطني جامع. مشيراً، إلى أن حركة حماس هي حركة براغماتية، ولذلك ستعمل على احداث بعض التغييرات في توجهاتها من أجل أن تتلاءم مع الوضع الجديد، وستصبح مؤهلة مستقبلاً لتكون جزء من الكيان السياسي المستقبلي.
وتحدث الجرباوي عن بعض الإشكاليات التي قد تظهر في الفترة القادمة بعد تشكيل ما يسمى بلجنة غزة، إذ أنه من المرجح أن تعطى هذه اللجنة صلاحيات وتمويل، تفوق تلك الممنوحة للسلطة الفلسطينية في الضفة، بالإضافة إلى احتمالية مد نفوذ ووظائف هذه اللجنة لتصل إلى الضفة الغربية، وهذه اللجنة هي مجرد واجهة فلسطينية منفذة للقرارات التي تملا عليها من الخارج. أما بخصوص السلطة الفلسطينية ومؤسساتها، فرأى الجرباوي أن وجود السلطة في هذه الفترة لا يشكل معضلة بالنسبة لإسرائيل وسياساتها في الضفة، بل على العكس السلطة توفر ما يسمى بالوجود القانوني للفلسطيني المتمثل بجواز السفر والهوية الفلسطينية، وهذا يعرقل فكرة دمج الفلسطينيين في المجتمع الإسرائيلي وتحمل عبء ذلك إسرائيلياً، وبالتالي الضغط باتجاه الهجرة والخروج بطريقة غير مباشرة لا تتحمل فيها إسرائيل المسؤولية القانونية على أقل تقدير.
وشهد اللقاء تفاعلاً كبيراً من الطلبة والحضور، الأمر الذي أضفى على الجلسة الحوارية طابع التشاركية في النقاش، وطرح الأسئلة الصعبة.


فلسطين
الأربعاء 21 يناير 2026 11:34 صباحًا - بتوقيت القدس
الأونروا تدين اقتحام الاحتلال لمقرها في القدس وتعتبره انتهاكا غير مسبوقا للقانون الدولي
أدانت وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) بشدة، اقتحام القوات "الإسرائيلية" لمقرها في القدس الشرقية، ووصفت ذلك بأنه "مستوى جديد من التحدي العلني والمتعمد للقانون الدولي، بما في ذلك حقوق وامتيازات الأمم المتحدة".
وأوضح المفوض العام للأونروا، فيليب لازاريني أن الجرافات دخلت مجمع الوكالة وبدأت بهدم المباني تحت إشراف أعضاء من الحكومة والبرلمان الإسرائيلي، مؤكدا أن هذا يمثل هجوما غير مسبوق على وكالة تابعة للأمم المتحدة ومقارها.
وأشار "لازاريني" إلى أن إسرائيل، مثل أي دولة عضو في الأمم المتحدة، ملزمة بحماية وحفظ حرمة مقرات المنظمة. وأضاف أن الخطوات الإسرائيلية تأتي في إطار جهود لإلغاء هوية اللاجئين الفلسطينيين، بعد إغلاق مركز صحي تابع للأونروا في القدس الشرقية يوم 14 يناير الجاري، وتهديد قطع المياه والكهرباء عن منشآت الوكالة التعليمية والصحية في الأسابيع المقبلة.
هذا يمثل هجوما غير مسبوق على وكالة تابعة للأمم المتحدة ومقارها.
وبين المسؤول الأممي أن هذه الإجراءات جاءت نتيجة تشريعات صادقت عليها الحكومة "الإسرائيلية" في ديسمبر، وتعزز القوانين السابقة المناهضة للأونروا، وتتعارض مع حكم صادر عن محكمة العدل الدولية في أكتوبر، الذي أكد التزام "إسرائيل" بتسهيل عمل الوكالة وعدم عرقلته، كما شدد أن "إسرائيل" لا تملك أي ولاية على القدس الشرقية.
وحذر المفوض العام من أن ما يحدث اليوم للأونروا قد يتكرر غدا مع أي منظمة دولية أو بعثة دبلوماسية أخرى، منبها إلى أن القانون الدولي يواجه هجمات متزايدة ويصبح بلا جدوى في حال غياب الرد من الدول الأعضاء.
أقلام وأراء
الأربعاء 21 يناير 2026 10:14 صباحًا - بتوقيت القدس
هل حقًا كان خطاب رئيس الوزراء الكندي مفصليًا وتاريخيًا؟
ليس كل خطاب يُلقى في منتدى عالمي يستحق أن يُوصَف بالتاريخي، فالكثير من الخطب اللامعة تموت مع تصفيق القاعة. لكن خطاب رئيس الوزراء الكندي مارك كارني في منتدى دافوس 2026 لا يمكن المرور عليه بوصفه حدثًا عابرًا ، لأنه لم يُضف فكرة جديدة إلى قاموس العلاقات الدولية بقدر ما أعلن، بوضوح غير معتاد، نهاية قاموس كامل. الخطاب لم يكن توصيفًا لأزمة، بل إعلان قطيعة مع وهمٍ سياسي طويل اسمه "النظام الدولي القائم على القواعد"، وهو الوهم الذي عاشت في ظله دول كثيرة، قوية وضعيفة، متذرعة به لتبرير العجز أو التواطؤ أو الانتظار.
جوهر الخطاب لا يكمن في لغته القوية ولا في استعاراته الذكية، بل في جرأته على تسمية الواقع كما هو: عالم تحكمه عودة تنافس القوى الكبرى، حيث تُستخدم التجارة والمال والطاقة وسلاسل التوريد كأسلحة ضغط، وحيث لم تعد القواعد تحمي أحدًا إلا بقدر ما يمتلك من قدرة ذاتية على الصمود.
حين يقول كارني إننا لسنا أمام "مرحلة انتقال" بل أمام "انهيار"، فهو لا يصف وضعًا دوليًا فحسب، بل يسحب الغطاء الأخلاقي عن خطاب دولي استمر في التظاهر بأن العدالة ممكنة دون قوة، وأن القيم يمكن أن تعيش بلا حوامل مادية.
الخطاب يصبح مفصليًا لأنه يفضح "العيش داخل الكذبة" ، تلك الحالة التي قبلت فيها دول كثيرة، خاصة المتوسطة، بلعب دور الملتزم بالقواعد مع علمها المسبق بأن هذه القواعد تُطبّق انتقائيًا. الاعتراف بهذا النفاق الجماعي هو بحد ذاته لحظة كسر، لأن أخطر ما في النظام الدولي السابق لم يكن ظُلمه، بل اعتياد الجميع عليه. من هنا، لا يدعو كارني إلى ثورة أخلاقية، بل إلى ثورة واقعية: أن تتوقف الدول عن التظاهر، وأن تبني قوتها الداخلية، وأن تنوّع علاقاتها، وأن تتعامل مع العالم كما هو لا كما تتمنى أن يكون.
ما يمنح الخطاب طابعًا تاريخيًا أعمق أنه لا يكتفي بالنقد، بل يقدّم نموذجًا عمليًا لما يسميه "الواقعية القائمة على القيم". لا حديث هنا عن أخلاق بلا تكلفة، ولا عن سيادة بلا اقتصاد منتج، ولا عن سياسة خارجية مستقلة بلا تقليل التعرض للابتزاز. الرسالة واضحة: القيم لا تُحمى بالخطابات، بل بالقدرة على تحمّل تبعاتها. ومن لا يملك هذه القدرة، سيتحوّل خطابه الأخلاقي إلى مجرد أداء سياسي جميل يخفي واقع التبعية.
عربيًا، يضعنا هذا الخطاب أمام مرآة قاسية. فنحن من أكثر من راهنوا على النظام الدولي القائم على القواعد، ومن أكثر من دفعوا ثمن انهياره. ما زالت كثير من الدول العربية تتصرف كأن المشكلة في "سوء التطبيق" لا في بنية النظام نفسه، وكأن العودة إلى خطاب القانون الدولي كافية لإنتاج حماية أو ردع. خطاب كارني، من حيث لا يقصد، يقول لنا إن هذا الرهان انتهى، وإن الاستمرار فيه ليس موقفًا مبدئيًا بل شكلًا من أشكال الهروب من مواجهة استحقاقات بناء القوة الذاتية.
أما فلسطينيًا، فإن الخطاب يلامس جوهر المأزق. نحن النموذج الأوضح لدولة وشعب عاشا طويلًا داخل كذبة القواعد الدولية، وانتظرا عدالة لم تأتِ، وحماية لم تُفَعَّل، ومؤسسات لم تنصف. الفرق أن كارني يدعو دولته إلى إزالة اللافتة من النافذة، بينما ما زال جزء معتبر من خطابنا متمسكًا بها، وكأن المشكلة في الزمن لا في الخيار. الدرس هنا ليس في استنساخ التجربة الكندية، بل في فهم منطقها: لا سياسة تحرر بلا تقليل للاعتماد، ولا خطاب حقوقي مؤثر بلا اقتصاد مقاوم، ولا صمود حقيقي بلا إعادة تعريف لمعنى القوة.
من هذه الزاوية، يصبح خطاب رئيس الوزراء الكندي مفصليًا وتاريخيًا ليس لأنه غيّر العالم، بل لأنه قال الحقيقة التي يتهرب منها كثيرون: النظام القديم لن يعود، والحنين إليه ليس استراتيجية.
السؤال الحقيقي الذي يتركه لنا الخطاب ليس إن كان تاريخيًا، بل إن كنا مستعدين نحن أيضًا للتوقف عن دفن رؤوسنا في الرمل، وأن نعترف بأن الصراحة، في عالم اليوم، لم تعد شجاعة خطابية فقط، بل شرطًا أوليًا للبقاء.
أقلام وأراء
الأربعاء 21 يناير 2026 10:13 صباحًا - بتوقيت القدس
مجلس السلام: أداة لإعادة ترتيب المشهد السياسي الفلسطيني"
بعد الحرب الأخيرة، لم تعد أنظار المتابعين مقتصرة على الكارثة الإنسانية في غزة، بل امتدت لتشمل الأبعاد السياسية التي قد تعيد رسم المشروع الوطني الفلسطيني بالكامل. ما يحدث في القطاع اليوم يشير إلى بداية تحول استراتيجي محتمل يعيد توزيع السلطة الفلسطينية، بحيث تتحول غزة من مأوى للمعاناة إلى مركز مؤسساتي للكيان الفلسطيني، بينما تواجه الضفة الغربية الإهمال السياسي والتهميش التدريجي.
إن التركيز على غزة وتنظيمها مؤسساتيًا تحت إشراف مجلس السلام لا يُعد مجرد استجابة إنسانية، بل يمثل خطوة استراتيجية تحمل أبعادًا سياسية واسعة. فالترتيبات الحالية، المدعومة بمشاركة عربية وإسرائيلية، تمنح المجلس شرعية لممارسة رقابة مباشرة على إدارة غزة، بما يشبه مجلس وصاية يعيد تشكيل مسار الصراع الفلسطيني ويضمن عدم الانحراف عن أهداف محددة مسبقًا. هذا التحليل يتقاطع مع ما ناقشه علي الجرباوي في كتابه "من الطرد إلى الحكم الذاتي: المسعى الصهيوني لوأد فلسطين"، حيث يوضح كيف أن السياسات الإسرائيلية بعد 1967 سعت إلى التحكم في الكيانية الفلسطينية عبر نموذج حكم ذاتي مقيد، مع الانتقال التدريجي لمركز الثقل السياسي نحو غزة على حساب الضفة الغربية (الجرباوي، 2023).
انضمام إسرائيل إلى مجلس السلام يعكس التوجه الاستراتيجي للمجلس، لكنه لا يعني التوافق الكامل مع جميع أهدافه؛ إذ تسعى إسرائيل إلى منع أي تحول سياسي مستقل قد يهدد مصالحها، مع الحرص على إبقاء أي إدارة فلسطينية ضمن حدود السيطرة الإسرائيلية. وفي هذا السياق، يخلق دعم الولايات المتحدة لإسرائيل إطارًا حذرًا يسمح للمجلس بممارسة رقابته ضمن ضوابط صارمة تحمي المصالح الإسرائيلية، ويوفر غطاءً سياسيًا دوليًا يحد من أي مسار قد يقود إلى استقلال سياسي فعلي.
على الصعيد الداخلي الفلسطيني، يعكس الانتقال التدريجي لمركز الكيان الوطني من الضفة الغربية إلى غزة إعادة ترتيب شاملة للأولويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. فبعد الحرب، استُنفدت القدرات السياسية لحركة حماس والمقاومة المسلحة، ووصلت إلى أقصى حدود تأثيرها السياسي، في حين تكبدت السلطة الوطنية وحركة فتح خسائر سياسية كبيرة، خاصة في ظل رفض إسرائيل لأي شريك تفاوضي وتصاعد موجة الشك الشعبي التي أضعفت الثقة بالقيادات التقليدية. ضمن هذا السياق، تبرز غزة كمركز للكيان الفلسطيني الجديد، وهو ما يعزز موقعها على حساب الضفة الغربية، ويعمّق شعور الفلسطينيين هناك بالتهميش والإقصاء، بما يوسع فجوة الانقسام الداخلي ويهيئ بيئة مناسبة لتأسيس مؤسسات جديدة تعتمد على الدعم الدولي والإقليمي بدلًا من الشرعية الوطنية التقليدية.
ولا تقل الأبعاد الاقتصادية والتنموية لهذا التحول أهمية عن البعد السياسي. فإعادة الإعمار والإغاثة في غزة لم تعد مسألة إنسانية بحتة، بل تحولت إلى أداة سياسية استراتيجية، حيث تخضع المشاريع الاقتصادية والمساعدات المالية لرقابة مجلس السلام، ما يسمح ببناء مؤسسات جديدة تتوافق مع رؤيته، ويحد من قدرة أي كيان فلسطيني على ممارسة استقلاله السياسي. إن التركيز على غزة كمركز مؤسساتي يتيح استخدام التنمية الاقتصادية كوسيلة لإعادة إنتاج السلطة الوطنية تحت إشراف خارجي، وتثبيت موقع غزة كقلب للمشروع الفلسطيني الجديد، مع التحكم في الموارد وتأثيرها على المجتمع المحلي.
على الصعيدين الإقليمي والدولي، يلعب مجلس السلام دورًا محوريًا في إعادة توزيع النفوذ داخل الساحة الفلسطينية. فمشاركة الدول العربية تمنح المجلس شرعية إقليمية، وتعزز دوره كوسيط لضبط الصراع الداخلي الفلسطيني، بينما يضمن الدور الإسرائيلي حماية مصالحه ومنع ظهور كيان فلسطيني مستقل. وفي المقابل، يوفر الدعم الأمريكي لإسرائيل غطاءً سياسيًا دوليًا يعزز قوة المجلس وتأثيره على الأرض، مع الإبقاء على سقف واضح لحركته السياسية.
كما يعكس الوضع الراهن بعدًا نفسيًا وسياسيًا بالغ الأهمية لدى الشعب الفلسطيني، الذي فقد الثقة في قيادة التنظيمات التقليدية، سواء على مستوى خيار المقاومة أو المسار السياسي والتفاوضي. هذا الفراغ السياسي يفتح المجال أمام مجلس السلام ليصبح منصة لإعادة إنتاج السلطة الوطنية بأسلوب مؤسسي جديد، ولكن ضمن قيود صارمة تحول دون أي استقلال سياسي حقيقي. إن انتقال مركز الثقل السياسي والاقتصادي نحو غزة يفرض إعادة هيكلة عميقة للهوية الوطنية، حيث تصبح أدوات الإغاثة والتنمية جزءًا من استراتيجية أشمل لإعادة رسم المشروع الفلسطيني بما يتوافق مع المصالح الإسرائيلية والدولية، وهو ما يتماشى مع تحليلات الجرباوي (2023) حول التحكم الخارجي في تطور الكيانية الفلسطينية.
نحن اليوم أمام لحظة تحول كبرى في السياسة الفلسطينية، قد تعيد إنتاج المشهد السياسي بأكمله. فالتطورات الأخيرة تفتح الباب أمام نشوء أحزاب سياسية جديدة، أو إعادة هيكلة الأحزاب القائمة وتحويلها إلى كيانات تتكيف مع الواقع الداخلي والخارجي، وتستجيب لمطالب الشارع الفلسطيني الذي فقد ثقته بالنخب التقليدية. وقد تتحول صناديق الاقتراع المقبلة إلى منصة حقيقية لإعادة تشكيل السلطة الوطنية، ومنح الفعل الشعبي دورًا مباشرًا في توجيه المشروع الوطني، بما يسمح بظهور قيادات جديدة تعيد رسم موازين القوى المستقبلية.
في المحصلة، ما يجري في غزة اليوم لا يقتصر على كونه استجابة إنسانية لكارثة الحرب، بل يمثل نقطة تحول استراتيجية شاملة في مسار الصراع الفلسطيني. تتحول غزة تدريجيًا إلى مركز مؤسساتي للكيان الفلسطيني، في وقت تواجه فيه الضفة الغربية الإهمال والتهميش، بينما يبرز مجلس السلام كإطار رقابي وسياسي جديد يدير عملية إعادة الهيكلة ضمن قيود صارمة تمنع أي استقلال سياسي حقيقي. لم تعد الإغاثة وإعادة الإعمار أدوات إنسانية فحسب، بل أصبحت أدوات استراتيجية لإعادة صياغة المشروع الوطني الفلسطيني بما يتوافق مع المصالح الإسرائيلية والإقليمية والدولية.
فلسطين
الأربعاء 21 يناير 2026 10:03 صباحًا - بتوقيت القدس
"مجلس السلام"... مخاوف من بديل قسري يستند للقوة والمال
د. أحمد رفيق عوض: المجلس بهذا الشكل سيؤدي لخلق قوة غاشمة لا تلتزم بالقانون والإجماع الدولي ومهيمنة على الأحداث العالمية
خليل شاهين: تشكيل المجلس ليس مجرد هيئة موازية للأمم المتحدة بل ليكون بديلاً عن دورها في حل النزاعات وإدارة الأزمات العالمية
د. أسامة عبد الله: اشتراط الدفع المالي للدخول بإطار سياسي يعني نقل العلاقات الدولية من إطارَيها القانوني والمؤسسي إلى إطار تجاري
سليمان بشارات: هذه الخطوة جزء من رؤية شمولية للحركة الصهيونية العالمية ويسعى من خلالها ترمب لتفكيك المنظومة الدولية الحالية
د. عبد المجيد سويلم: مؤسسات الأمم المتحدة أصبحت تحت ضغط أمريكي مستمر ما يجعل القانون الدولي بنظر الطغمة الجديدة مجرد أداة للتهكم
محمد الرجوب: طرح ترمب يتجاوز مسألة التمويل ليصل إلى محاولة إعادة تعريف الشرعية الدولية ومصادر القوة في النظام العالمي
يثير طرح الرئيس الأمريكي دونالد ترمب المتداول حول ما يُسمّى "مجلس السلام"، واشتراط دفع مليار دولار على الدول الراغبة في الانضمام إليه، جدلاً واسعاً في الأوساط السياسية والأكاديمية، وسط تحذيرات من أن هذه الخطوة لا تتعلق بتمويل آلية جديدة فحسب، بل تمس جوهر النظام الدولي القائم منذ عقود، وتفتح الباب أمام إعادة تعريف مفاهيم الشرعية الدولية وإدارة السلم والأمن العالميين خارج إطار الأمم المتحدة.
ويرى كتاب ومحللون سياسيون، في أحاديث منفصلة مع "ے"، أن المجلس المقترح قد يمثل محاولة لإقامة هيئة دولية بديلة تتمتع بمرونة مالية وسياسية عالية، وتُدار وفق منطق القوة والصفقات يترأسها دونالد ترمب شخصياً، بما يسمح بالتدخل السريع في النزاعات، وفرض تسويات تخدم المصالح الأمريكية، دون التقيد بالقانون الدولي أو منظومة العدالة والحقوق الإنسانية التي تمثلها مؤسسات أممية قائمة. ويرى الكتاب والمحللون أن تحويل السلام إلى مشروع مشروط بالقدرة على الدفع يعني الانتقال من مبدأ المساواة السيادية إلى منطق "من يموّل يقرّر".
وفي السياق الفلسطيني، يحذر الكتاب والمحللون من تعاظم المخاوف من أن يُستخدم هذا المجلس لتمرير حلول تتجاوز قرارات الشرعية الدولية المتعلقة بالاحتلال واللاجئين والقدس، ولفرض وصاية سياسية واقتصادية على قطاع غزة، وربما لاحقاً على الضفة الغربية، في ظل تهميش الدور الأممي وتراجع مكانته. ويُحذّرون من أن نجاح هذا الطرح، حتى بشكل جزئي، قد يكرّس نظاماً دولياً أحادياً قائماً على الهيمنة والابتزاز المالي، ويقود إلى إضعاف التعددية الدولية، مع تداعيات لا تقتصر على القضية الفلسطينية، بل تمتد إلى استقرار النظام العالمي برمّته.
خطوة خطيرة
يعتبر الكاتب والمحلل السياسي د. أحمد رفيق عوض أن طلب الرئيس الأمريكي دونالد ترمب من الدول الراغبة في الانضمام إلى مجلس السلام دفع مبلغ مليار دولار يمثل خطوة خطيرة على الصعيد الدولي، مشيرًا إلى أن الهدف من هذه الأموال هو تمويل تدخلات واسعة للمجلس في إدارة الأزمات والصراعات الدولية.
ويوضح عوض أن هذه الأموال تهدف إلى تحويل المجلس إلى مؤسسة فعالة وقادرة على فرض شروطها وتغيير الأوضاع في مناطق مختلفة من العالم عبر القوة أو التحالفات، أو من خلال تشجيع أطراف على الانشقاق وتشكيل حكومات جديدة.
ويوضح أن ميزانية المجلس، المفترضة بهذا الحجم، تجعله أداة للتدخل السريع واتخاذ الحلول بشكل أكثر فعالية من المنظومة التقليدية للأمم المتحدة، بما في ذلك الهيئات القانونية والإنسانية مثل محكمة العدل الدولية، والجنائية الدولية، ومنظمات حقوق الإنسان، والأونروا، واليونيسيف، ومنظمة الفاو.
مجلس يخلق قوة غاشمة
ويشير عوض إلى أن مجلس السلام، بهذا الشكل، هو مجلس قوة أمريكي يتمتع بمرونة وفاعلية كبيرة، قادراً على تقديم مكافآت أو رشاوى وتغيير الأوضاع وفق مصالح الولايات المتحدة الأمريكية، وهو ما يعكس نظامًا عالمياً جديداً تريده واشنطن لتكون قطباً وحيداً دون الأخذ بعين الاعتبار أي مصالح أو أقطاب دولية أخرى.
ويؤكد عوض أن تشكيل المجلس بهذا الشكل سيؤدي عملياً إلى خلق قوة غاشمة، لا تلتزم بالقانون الدولي أو الإجماع الدولي، وتكون مهيمنة على الأحداث العالمية بما يخدم المصالح الأمريكية فقط.
ويعتبر عوض أن هذه الخطوة تعكس شك ترمب في الأمم المتحدة واتهامه لها بالكسل وعدم النجاعة، مشيرًا إلى أن الهدف الحقيقي هو إقامة هيئة عالمية لا تقف عائقاً أمام السياسات العدوانية الأمريكية والإسرائيلية.
محاذير اندلاع حرب عالمية ثالثة
ويحذر عوض من أن تشكيل مجلس السلام بهذه الميزانيات الضخمة قد يؤدي إلى تقلبات كبيرة في الأوضاع الدولية، وقد يصبح أحد العوامل التي تزيد من احتمالات اندلاع صراع عالمي واسع، حتى الحرب العالمية الثالثة، إذا ما تم استخدام المجلس كأداة للسيطرة والتدخل في الصراعات دون أي رادع قانوني أو أخلاقي.
ويؤكد أن تجربة ترمب السابقة مع اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، وقيام المجلس بهدف تسوية الصراع في قطاع غزة، تمثل نموذجاً يريد ترمب تعميمه على العالم، ما يعكس تصميمه على إعادة تشكيل النظام الدولي وفق مصالحه الخاصة، بعيداً عن أي سلطة دولية تقيد تحركاته.
إعادة تشكيل النظام العالمي
يحذر الكاتب والمحلل السياسي خليل شاهين من أن الخطوة الأخيرة للرئيس الأمريكي دونالد ترمب في طرح ما يعرف بـ"مجلس السلام" ليست مجرد مسعى رمزي أو مبادرة للسلام، بل تمثل جزءاً من خطة أوسع لإعادة تشكيل النظام العالمي وفق رؤية أحادية القطب، تركز على الهيمنة الأمريكية المطلقة واستغلال موارد الدول الأخرى لمصلحة الولايات المتحدة.
ويشير إلى أن طلب ترمب من الدول الراغبة في عضوية دائمة في مجلس السلام دفع مبلغ مليار دولار ليس سوى أحد مظاهر سياسة الهيمنة والنهب التي يعتمدها الرئيس الأمريكي، مستشهداً بما حدث مع فنزويلا، حيث اختُطف رئيسها وتُستهدف مواردها، وخاصة النفط، وكذلك سياسات الضغط على دول الخليج العربي منذ بداية ولايته لزيادة استثماراتها في الاقتصاد الأمريكي دون أي مقابل فعلي أو حماية للأمن الإقليمي.
وبحسب شاهين، فإن المقترح الأمريكي بتشكيل المجلس ليس مجرد هيئة موازية للأمم المتحدة، بل يسعى ليكون بديلاً عن دور المنظمة الدولية في حل النزاعات وإدارة الأزمات العالمية، بما في ذلك تنفيذ المواثيق والاتفاقات الدولية التي تهدف إلى حماية حقوق الإنسان.
ويوضح شاهين أن المجلس المقترح يخضع بالكامل لإرادة ترمب، سواء في قبول الدول أو إقصائها، أو في إصدار القرارات النهائية التي تخضع لموافقة الرئيس الأمريكي، ما أثار غضب عدد من الدول الأوروبية وأثار تساؤلات عن مصير الأمم المتحدة ودورها التقليدي.
ويتطرق شاهين إلى محاولة ترمب الحصول على شرعية لمجلس السلام عبر مجلس الأمن، مؤكداً أن هذا المجلس، وفق ما جاء في القرار الأمريكي، يقتصر عملياً على قطاع غزة، ليشرف على إنهاء الحرب وإعادة الإعمار، لكنه في الوقت نفسه لا يتمتع بأي شرعية أممية فعلية، ولا ترد حتى كلمة "غزة" في نص الميثاق المقترح، ما يدل على أن الهدف الحقيقي هو إعادة تشكيل النظام العالمي لخدمة مصالح الولايات المتحدة وشعار "أمريكا أولاً"، دون مراعاة الحقوق الفلسطينية أو حقوق أي دولة أخرى.
تهميش الدور الأوروبي
ويؤكد شاهين أن هذا المخطط يشمل تهميش الدور الأوروبي، وتحويل الصراع الدولي إلى محصلة أقطاب كبرى بين الولايات المتحدة من جهة وروسيا والصين من جهة أخرى، بما قد يؤدي إلى تفكيك حلف الناتو أو تهميشه، ويشير إلى استمرار ترمب في استخدام الأساليب العنيفة في إدارة النزاعات الدولية، بما يتجاوز شعار "أمريكا أولاً".
ويرى شاهين أن رسائل ترمب الأخيرة، بما في ذلك تجاه جائزة نوبل للسلام التي أكد أنه لم يعد بحاجة لها، وموضوع احتلال غرينلاند، توضح أنه لم يعد مهتماً بمظاهر السلام الدبلوماسية، ويصر على خيار القوة كأداة رئيسية لتحقيق أهدافه.
تكريس الوصاية على الشأن الفلسطيني
وعلى المستوى الفلسطيني، يحذر شاهين من أن تشكيل مجلس السلام والمكتب التنفيذي برئاسة ملادينوف، إلى جانب اللجنة الوطنية الفلسطينية لإدارة قطاع غزة، يكرس وصاية أمريكية مباشرة على الشأن الفلسطيني، مستبعداً السلطة الفلسطينية وحركة حماس من أي دور فعلي، ويستهدف تدمير الكيانية السياسية الفلسطينية وتهميش السلطة وإضعاف مؤسساتها، بما يهدد مشروع الدولة الفلسطينية المستقلة.
الغياب الفلسطيني وخلق الفراغ
ويشير شاهين إلى أن الغياب الفلسطيني عن المفاوضات والهيئات الجديدة أدى إلى خلق فراغ يتم ملؤه بتشكيلات أمريكية-إسرائيلية، مما قد يمتد مستقبلاً إلى الضفة الغربية، لتشمل إدارة المناطق التي تديرها السلطة الفلسطينية حالياً، وبالتالي تذويب الهوية الوطنية وإلغاء أي أمل في تحويل مشروع السلطة إلى دولة مستقلة.
ويشدد شاهين على ضرورة أن تبادر القوى السياسية الفلسطينية إلى مواجهة هذه الخطط بخطوات مدروسة، تبدأ من إعادة دمج مؤسسات الحكم المدني والأمني في قطاع غزة، لمنع فرض هياكل جديدة تؤدي إلى الإقصاء الكامل لكل مكونات النظام السياسي الفلسطيني، وتحقيق توازن سياسي يمنح الفلسطينيين القدرة على إدارة شؤونهم بأنفسهم.
ويوضح شاهين أن تجاهل الفلسطينيين للجهود المصرية السابقة لتشكيل لجنة الإسناد المجتمعي أدى إلى فرض هذه الهياكل الثلاثة، مما يعكس خطورة استمرار الغياب في وضع استراتيجيات واضحة وفاعلة.
ويؤكد شاهين أن المخاطر الناجمة عن سياسات ترمب تشمل النظام الدولي بأكمله، وأن الفلسطينيين يشكلون جزءاً صغيراً ضمن رؤية أمريكية أشمل لإعادة الهيمنة والاستعمار، حيث أن الإدارة الأمريكية تتعامل مع غزة باعتبارها شأناً أمريكياً بحتاً، دون اعتبار لدور السلطة الفلسطينية أو المجتمع الدولي، ما يفرض على الفلسطينيين التحرك الفوري لتجنب فقدان كامل السيطرة على مستقبلهم السياسي.
منطق الصفقة لا الشرعية الدولية
يحذّر الباحث السياسي والأكاديمي د. أسامة عبد الله من الدلالات العميقة والخطِرة للحديث عن طلب الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب من الدول المشاركة في ما يُسمّى "مجلس السلام" دفع مليار دولار، مع ترويج هذا المجلس كبديل محتمل عن الأمم المتحدة، لا يمكن قراءته من زاوية مالية فقط، بل يجب فهمه ضمن فلسفة ترمب في إدارة السياسة الدولية القائمة على منطق الصفقة لا الشرعية الدولية.
ويوضح عبد الله أن اشتراط الدفع المالي للدخول في إطار سياسي دولي يعني عملياً نقل العلاقات الدولية من إطارها القانوني والمؤسسي إلى إطار تجاري تحكمه القدرة على التمويل، بما يحوّل السلام من حق سياسي قائم على القانون الدولي إلى مشروع مشروط بالقدرة الاقتصادية.
ويرى عبد الله أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة تعريف مفهوم السلام نفسه، بحيث لا يعود مرتبطاً بإنهاء الاحتلال أو احترام قرارات الأمم المتحدة، بل بإدارة الصراع عبر أدوات اقتصادية وتمويلية.
ويشير عبد الله إلى أن هذه المقاربة تنسجم مع طرح ترمب السابق في "صفقة القرن"، التي تعاملت مع القضية الفلسطينية باعتبارها أزمة تنمية يمكن احتواؤها اقتصادياً، لا قضية تحرر وطني تستند إلى حقوق سياسية وقانونية ثابتة.
تهميش النظام الدولي
ويلفت عبد الله إلى أن الحديث عن مجلس بديل للأمم المتحدة يعكس توجهاً واضحاً لتهميش النظام الدولي القائم بدل إصلاحه، في سياق موقف عدائي من المؤسسات متعددة الأطراف، واعتبارها عائقاً أمام السياسة الأميركية، خصوصاً في الملفات المتعلقة بإسرائيل.
ويبيّن أن المخاطر الأساسية لهذا المسار تتمثل في إضعاف منظومة القانون الدولي واستبدالها بترتيبات انتقائية تُدار وفق ميزان القوة والمال، ما يفرغ قرارات الأمم المتحدة الخاصة بالقضية الفلسطينية من مضمونها السياسي، ويحوّلها إلى مراجع تاريخية بلا أثر عملي.
شرعنة الاحتلال بصيغة جديدة
ويحذّر عبد الله من أن إنشاء إطار بديل تحت مسمى "السلام" قد يفتح الباب أمام شرعنة الاحتلال بصيغة جديدة، عبر إدارة الصراع بدل إنهائه، وتقديم حلول اقتصادية وإنسانية كبديل عن الحقوق السياسية، وعلى رأسها حق تقرير المصير وحق العودة، بما يحوّل اللاجئ الفلسطيني من صاحب حق قانوني إلى عبء إنساني يحتاج تمويلاً.
ويرجّح عبد الله استخدام هذا الطرح في المدى القريب كورقة ضغط سياسية ومالية على الدول، أكثر من كونه مشروعاً مؤسسياً متكاملاً، لكنه يحذّر من أن تطوّره إلى إطار موازٍ فعلي قد يُدخل النظام الدولي في حالة ازدواجية خطِرة، ويفتح الباب لتفكيك المؤسسات الأممية تدريجياً، بتداعيات تتجاوز فلسطين إلى بنية النظام الدولي برمّته.
مشارف مرحلة عالمية جديدة
يرى الكاتب والمحلل السياسي سليمان بشارات أن العالم يقف على مشارف مرحلة جديدة، يهيمن عليها بشكل مباشر شخصية الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، الذي يسعى لأن يكون حضوره الشخصي مهيمنًا على الصعيد الدولي.
وبحسب بشارات، فإن رغبة ترمب في تشكيل هذا الدور تأتي في سياق شعوره بعدم القدرة على الترشح لولاية ثالثة، محاولاً تعويض ذلك عبر فرض شخصيته على السياسات العالمية والتحكم بمصير قرارات الدول الأخرى من خلال أدوات اقتصادية وسياسية.
ويشير بشارات إلى أن طلب ترمب من الدول والأطراف الراغبة في الانضمام إلى المجلس الجديد دفع مبلغ مليار دولار يعكس وجهين متلازمين؛ أولاً شخصية ترمب الفردية التي تميل إلى الهيمنة والسيطرة، وثانياً ممارسة نوع من الابتزاز السياسي لدول وشخصيات يبدو أن خياراتها محدودة أمام نفوذه وقوته الاقتصادية والسياسية.
ويوضح بشارات أن هذه الخطوة تعكس طبيعة ترمب كرجل صفقات واستثمارات، يتجاوز بها القيم والمبادئ التقليدية لتشكيل تحالفات وتحكمات تخدم مصالحه الخاصة.
ويؤكد بشارات أن هذه الخطوة جزء من رؤية شمولية للحركة الصهيونية العالمية، التي يسعى من خلالها ترمب إلى تفكيك المنظومة الدولية الحالية، التي كانت أو تحولت إلى أداة لمساءلة إسرائيل، خاصة بعد الحرب على قطاع غزة. ويعتبر بشارات أن الهدف من هذه العملية هو حماية إسرائيل وتعزيز مشروعها الاحتلالي، مع رسم ملامح شكل جديد للعالم ينسجم مع مصالح الهيمنة الصهيونية، مستفيدة من أدوات القوة والضغط السياسي والمالي لتفكيك أي معارضة محتملة على الصعيد الدولي.
ويعتبر بشارات أن المرحلة المقبلة تحمل تحديات كبيرة، حيث ينعكس فيها صراع مصالح شخصية وعالمية، ويظهر الوجه الجديد للعالم الذي تحاول إدارة ترمب رسمه بما يتجاوز القوانين الدولية التقليدية ويعيد توزيع مراكز النفوذ وفق مصالح محددة وقيم استثمارية بحتة.
طغمة مالية تسعى للاستحواذ
يعتبر الكاتب والمحلل السياسي د. عبد المجيد سويلم أن خطوة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب في طرح "مجلس السلام" لإدارة قطاع غزة تمثل محاولة لاستبدال الأمم المتحدة ومجلس الأمن ببديل ابتزازي يخضع بالكامل لإرادته. ويوضح سويلم أن ترامب نصب نفسه رئيساً وحيداً لهذا المجلس، وهو من يمتلك الفيتو ويقرر كل شيء، ما يجعل أي تحرك أو قرار في هذا الإطار مرتبطاً بشكل كامل بموافقته.
ويشير سويلم إلى أن هذه التشكيلة الجديدة، التي وصفها بالنواة العقارية مزدوجة الطابع، تتضمن عناصر من المحافظين والأيديولوجيين، لكنها في جوهرها طغمة مالية تسعى للاستحواذ على ثروات الشعوب والسيطرة على الموارد، باستخدام كل الوسائل الممكنة، بما في ذلك الابتزاز والتصادم مع الحلفاء التقليديين.
تمرد على النظام الدولي التقليدي
ويلفت سويلم إلى أن ترمب يرى التحالفات الدولية التقليدية تحت منظور جديد يقوم على توازنات لم تعد مرتبطة بالقواعد السابقة، بما يعكس تمرداً على النظام الدولي والعلاقات الدولية والتحالفات التقليدية التي اعتُرف بها منذ الحرب العالمية الثانية.
ويوضح سويلم أن هذا التوجه الأمريكي يعكس تهميشاً كاملاً لدور الأمم المتحدة، التي فقدت قدرتها الفاعلة منذ عقود، خاصة في قضايا فلسطين، وأصبحت تُستدعى فقط لتغطية السياسات الأمريكية عند الحاجة، بينما تُعطل في أي قضية لا تخدم مصالح واشنطن.
ويرى سويلم أن مؤسسات الأمم المتحدة، سواء في خدمة إسرائيل أو أهداف أخرى، أصبحت تحت ضغط أمريكي مستمر، من عقوبات أو حصار أو تقييد، ما يجعل القانون الدولي في نظر الطغمة الجديدة مجرد أداة للتهكم.
ويشير إلى أمثلة واقعية مثل ما حدث في فنزويلا، حيث أعلنت الولايات المتحدة نيتها السيطرة على ثروات البلاد النفطية، بينما لم تتخذ الأمم المتحدة أي إجراء، ما يعكس موتاً بطيئاً لدورها ومكانتها.
وبحسب سويلم، فإن مجلس السلام الذي يطرحه ترامب يأتي في هذا السياق كخطوة متوقعة لتعويض الأمم المتحدة المنهكة والمهمشة، ومحاولة استعادة الهيمنة الأمريكية على الصعيد الدولي، مع تقليص دور الحلفاء التقليديين والتحكم في كل السياسات المتعلقة بالقضايا الدولية، بما فيها إدارة غزة.
ويرى سويلم أن كل أعضاء مجلس الأمن، سواء الدائمين أو غير الدائمين، يدركون أن الأمم المتحدة في طريقها إلى التلاشي من حيث الدور والمكانة، وأن ترمب يسعى من خلال مجلس السلام إلى ترسيخ نموذج جديد للهيمنة الأمريكية المباشرة، يعكس رؤية "الولايات المتحدة أولاً" ويؤكد تمرداً على كل المعايير الدولية التقليدية.
إعادة تعريف الشرعية الدولية ومصادر القوة
يرى الأكاديمي والباحث في الإدارة العامة والعلوم السياسية محمد الرجوب أن ما يُتداول حول طلب الرئيس الأمريكي دونالد ترمب من الدول الراغبة في المشاركة بما يسمى "مجلس السلام" دفع مليار دولار لكل دولة يتجاوز كونه مسألة تمويل، ليصل إلى محاولة عميقة لإعادة تعريف الشرعية الدولية ومصادر القوة في النظام العالمي، وسط أنباء عن سعي هذا المجلس ليكون بديلاً عن الأمم المتحدة.
ويوضح أن جوهر الفكرة لا يتمثل في إنشاء هيئة جديدة فحسب، بل في تحويل مفهوم السلام نفسه إلى مشروع استثماري، حيث يصبح الانضمام إلى آلية إدارة السلم والأمن الدوليين مشروطاً بالقدرة المالية لا بالتمثيل السياسي أو الالتزام بالقانون الدولي. ويعتبر الرجوب أن هذا التوجه يعكس منطقاً تجارياً في إدارة السياسة الدولية، تُقاس فيه الشرعية بالدفع والصفقات بدل الإجماع والمساواة بين الدول.
إنتاج الهيمنة والالتفاف على الأمم المتحدة
ويشير الرجوب إلى أن الدلالة الثانية للطرح الأمريكي تكمن في إعادة إنتاج الهيمنة بصيغة جديدة؛ فبدلاً من الانسحاب الصريح من المؤسسات متعددة الأطراف، يجري طرح كيان بديل تتحكم الولايات المتحدة بمفاتيحه المالية والسياسية، ليصبح التمويل أداة ضغط وإقصاء، ومن يدفع يشارك، ومن لا يدفع يُستبعد من "مائدة السلام".
أما الدلالة الثالثة، وفق الرجوب، فتتصل بمحاولة الالتفاف على القيود التي تفرضها الأمم المتحدة، خاصة ما يتعلق بالقانون الدولي الإنساني وقرارات الشرعية الدولية المرتبطة بالقضية الفلسطينية، فالمجلس المقترح قد يمنح غطاءً سياسياً لتسويات مفروضة، ويعيد تعريف السلام بوصفه غياباً للصراع لا تحقيقاً للعدالة.
ويحذر الرجوب من أن الخطر الأكبر يتمثل في تقويض النظام الدولي القائم على التعددية، إذ تقوم الأمم المتحدة –رغم عيوبها– على مبدأ المساواة السيادية، وتوفر للدول الصغيرة والضعيفة صوتاً تفاوضياً ولو رمزياً، واستبدالها بمجلس ممول يعني الانتقال إلى "نادي كبار الأثرياء" تُدار فيه القضايا المصيرية بمنطق الصفقات.
فوضى قانونية وتعدد المرجعيات
ويرى الرجوب أن إنشاء مؤسسات موازية خارج إطار الأمم المتحدة يفتح الباب أمام فوضى قانونية وتعدد مرجعيات للشرعية، بما قد يبرر التدخلات العسكرية وفرض العقوبات ورعاية اتفاقات سلام لا تستند إلى القانون الدولي.
وبحسب الرجوب، فإنه في الحالة الفلسطينية، قد يُستخدم هذا المجلس لتمرير حلول تتجاوز قرارات الأمم المتحدة المتعلقة بالاحتلال واللاجئين والقدس، مع تهميش البعد الإنساني والحقوقي الذي تمثله وكالات أممية أساسية.
وعن السيناريوهات المحتملة، يرجّح الرجوب ثلاثة مسارات: فشل عملي للمجلس بسبب رفض دولي واسع، أو انقسام دولي يزيد الاستقطاب ويعمق شلل النظام العالمي، أو نجاح جزئي يفرض "مسار سلام مفروض" في بعض الملفات، خاصة في الشرق الأوسط، وفق ميزان القوة لا ميزان الحق.
ويشير الرجوب إلى أن طلب ترمب ليس تفصيلاً مالياً، بل مؤشر على رؤية ترى في القانون الدولي قيداً، وفي السلام صفقة، محذراً من منطق "من يدفع يقرر" بوصفه الأخطر على النظام الدولي.
أقلام وأراء
الأربعاء 21 يناير 2026 10:02 صباحًا - بتوقيت القدس
مجلس سلام ترامب : النظام العالمي الجديد
في أول مقابلة له مع مجلة " ذا اتلانتك" الأمريكية واسعة النطاق أجاب ترامب عن سؤال حول عمّا اذا كانت ولايته الاولى تختلف عن الثانية فقال نصًّا: " في المرة الأولى كان علي القيام بأمرين ادارة البلاد والبقاء .. وفي المرة الثانية جئت لأدير البلاد والعالم" . لم يكن الرجل يتحدث من فراغ بل من موقع قوة .. قوة الزعيم الذي حقق فوزا ساحقا في الانتخابات، لم يقتصر على الفوز الرئاسي بكرسي البيت الابيض بل امتلاك للأغلبية في مجلسي الشيوخ والنواب. بمعنى أنه حصد القوة الثلاثية التي هي بمثابة تفويض شعبي غير مسبوق وسيطرة على اركان الحكم في المؤسسات التشريعية والتنفيذية الامريكية. الأمر الذي منحه شبكة أمان متينة للشروع في بناء إدارته الجديدة، وتنفيذ أجندته الخارجية دون قيود تذكر. ولشخصية الرجل المتقلبة وغير المنضبطة التي تعكس نمطا مغايرا لما يجب أن يكون عليه السياسي الأمريكي فلا يؤخذ كلامه على محمل الجدّ دوماً. لكن خلال العام الحالي أثبت ترامب للجميع أن عليهم الاستماع جيدا لما يقول وقد يفعل !. والحقيقة أنه لا يتوقف عن المفاجأة المرّة تلو الأخرى.
حاليا يتصاعد الجدل العالمي حول مجلس السلام الذي شكّله ترامب ومدى حدوده وصلاحياته وهل من الممكن أن يكون أمم متحدة جديدة أي بديلا عن النظام الدولي القائم ؟
والإجابة ببساطة نعم . من المرجح جدا أن يكون هذا المجلس بداية تغيير ونواة لتشكيل نظام عالمي جديد بديلا عن الموجود منذ حوالي 70 عاما . ولا يخفى على أحد نظرة الرئيس ترامب الى منظومة المؤسسات الدولية القائمة وما انسحابه المتكرر من عشرات المنظمات والاتفاقيات الدولية وإنزال العقوبات على مسئولي المحكمة الجنائية الدولية إلا وسيلة لضرب شرعية هذا النظام وقانونيته.
ولأن شرعية أي نظام دولي تعتمد على الدول التي تؤمن بأنّ المشاركة فيه يفيد مصالحها بشكل مباشر، فإن الطرح الترامبي ليس جديداً على العقول الأمريكية في أروقة صنع القرار بل هو مثار دراسات وبحوث كثيرة منذ عقود لضمان المصالح والهيمنة الأمريكية العالمية.
في العام 2016 صدرت دراسة عن مؤسسة " راند" للبحث حول سؤال محدد هو: ما مدى أهمية استمرار النظام الدولي بشكله ومؤسساته القائمة في خدمة مصالح الولايات المتحدة؟ ولمن لا يعرف مؤسسة راند فهي إحدى المؤسسات الفكرية الممولة من الحكومة الأمريكية والمتخصّصة في تقديم تحليلات لوزارة الدفاع والقوات المسلحة الأمريكية. الفرضية التي انطلقت منها الدراسة هو أن النظام الدولي المقام بعد الحرب العالمية الثانية كان هدفه تعزيز مصالح أمريكا، وضمان قيادتها لهذا النظام لضمان التزامه بمصالحها العالمية . وبينما انتهت الدراسة بتوصية أن النظام الدولي لا يمكن أن يستمر بشكله الحالي، فإن السؤال الذي طرحته في النهاية ما نوع النظام الذي يتعين على الولايات المتحدة السعي لإقراره العقد المقبل؟
بعد عشر سنوات يطرح ترامب الإجابة بطريقته الخاصة وينشئ مجلس سلام من الواضح أنه لن يقتصر عند حدود غزة بل يتجاوز الأمر ليتعامل مع الصراعات في العالم .
بفعل الواقعية السياسية وهيمنة القوة على السلوك العالمي فإن الدول ستلحق الركب للانضمام إلى مجلس ترامب كوسيلة لتعزيز نفوذها ومصالحها على الساحة الدولية ولكسب ودّ “ الأخ الأكبر”!!
أقلام وأراء
الأربعاء 21 يناير 2026 10:01 صباحًا - بتوقيت القدس
هرم الصراع الدولي: من قيادة العالم إلى إدارة الفوضى
لم يعد الصراع الدولي اليوم صراع محاور أيديولوجية كما كان في الحرب الباردة، بل تحوّل إلى صراع على قيادة النظام العالمي نفسه. في قمة هذا الهرم تقف الولايات المتحدة والصين، في مواجهة مفتوحة عنوانها الاقتصاد والتكنولوجيا وسلاسل التوريد والذكاء الاصطناعي، وليس فقط الجيوش والسلاح. هذا الصراع لا يهدف إلى إسقاط طرف بقدر ما يهدف إلى فرض قواعد جديدة للعبة الدولية.
الولايات المتحدة، التي قادت النظام العالمي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، باتت ترى أن هذا النظام نفسه أصبح عبئًا عليها. من هنا يمكن فهم سلوك إدارة ترامب – وما بعدها – في إضعاف المؤسسات الدولية مثل الأمم المتحدة، ومحكمة الجنايات الدولية، ومنظمة التجارة العالمية، وحتى التشكيك بحلف الناتو. الهدف ليس الانعزال، بل التحرر من القيود التي تمنح قوى صاعدة، وعلى رأسها الصين، مساحة للمنافسة داخل نظام صاغته واشنطن نفسها.
في المقابل، تتحرك الصين بهدوء استراتيجي، عبر مشروع “الحزام والطريق”، واختراق إفريقيا، وتعميق شراكاتها مع دول آسيوية مثل باكستان وإندونيسيا، ومع دول عربية مثل السعودية والإمارات، دون أن تدخل في صدام عسكري مباشر. الصين لا تسعى لإسقاط أمريكا فورًا، بل لإفراغ تفوقها من مضمونه تدريجيًا.
أما روسيا، فهي ليست قطبًا منافسًا للصين أو أمريكا، بل قوة تعطيل. موسكو تستخدم أوكرانيا، وسوريا، والطاقة، والفيتو في مجلس الأمن، لإرباك النظام الدولي ومنع استقراره، دون أن تمتلك مشروعًا عالميًا بديلاً. هي لاعب ضروري في الفوضى، لا قائد لنظام جديد.
في هذا السياق، يتحول الشرق الأوسط إلى ساحة مقايضة لا مركز قرار. دول مثل سوريا واليمن وليبيا تُدار أزماتها بدل حلها، بينما تُستخدم دول أخرى كورقة توازن، كما هو حال تركيا وإيران. أما إسرائيل، فهي ليست قمة في الهرم العالمي، لكنها تمثل ذراعًا وظيفية متقدمة للمصالح الغربية في الإقليم، تستفيد من تفكك الدول العربية، وتحوّل الصراع من سياسي إلى أمني وجودي.
الأخطر أن أوروبا نفسها لم تعد في موقع الشريك الكامل، بل باتت متأرجحة بين التبعية لواشنطن والبحث عن استقلال استراتيجي، كما يظهر في مواقف فرنسا وألمانيا من الحرب في أوكرانيا ومن السياسات الأمريكية الاقتصادية.
في قلب هذا المشهد العالمي، لا يمكن فصل القضية الفلسطينية عن هرم الصراع الدولي القائم. ففلسطين لم تعد تُعامل كقضية تحرر وطني تخضع لقواعد القانون الدولي، بل كملف أمني وظيفي ضمن إدارة الفوضى في الشرق الأوسط. الولايات المتحدة، خصوصًا في عهد ترامب، عملت على تفريغ القضية من بعدها السياسي عبر الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، وتهميش حل الدولتين، وشرعنة الاستيطان، في انسجام كامل مع مشروع إضعاف المؤسسات الدولية. في المقابل، تتعامل دول كبرى مع فلسطين كورقة مقايضة: الصين تطرح خطابًا داعمًا دون صدام، وروسيا توظف الملف دبلوماسيًا دون ضغط فعلي، بينما تنخرط بعض الدول العربية في مسارات تطبيع تعكس انتقال القضية من مركز الصراع إلى هامشه. هكذا تصبح فلسطين نموذجًا صارخًا لكيفية إدارة الصراع لا حله، وإبقاء الاحتلال قائمًا ضمن نظام دولي عاجز أو متواطئ.
الخلاصة أن العالم لا يتجه إلى نظام دولي أكثر عدالة، بل إلى إدارة فوضى منظمة، تُعاد فيها صياغة الخرائط، وتُفكك فيها الدول الضعيفة، بينما يُترك الصراع الحقيقي محتدمًا في قمة الهرم بين واشنطن وبكين. وفي هذه المعادلة، من لا يملك مشروعًا سياديًا واضحًا، يتحول تلقائيًا إلى ورقة على طاولة المقايضة.
مختص بالشان الإسرائيلي
أقلام وأراء
الأربعاء 21 يناير 2026 10:00 صباحًا - بتوقيت القدس
إهانة الشرعية الدولية وهدم مقرها
تدمير وهدم مبنى الأمم المتحدة الخاص بوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين على يد قوات الاحتلال في القدس ضربة أخرى للأمم المتحدة وهيئاتها العاملة في الأراضي الفلسطينية، وهو اعتداء على الشرعية الدولية ومواثيقها ضمن مسلسل الاستباحة المستمر في غزة والضفة والقدس، وهذه الاعتداءات ما كانت تمر لو أنها حدثت في أي بلد آخر، ولكانت الأمم المتحدة تداعت وأرسلت قواتها وفرضت الحصار وأعلنت الحرب على الدولة المعتدية، ولجهزت الأساطيل في البر والبحر والجو من أجل الدفاع عن مؤسساتها ذات السيادة الكاملة، والتي تتمتع بحصانة دولية، لكن في الحالة الفلسطينية يحدث العكس تمامًا، وكما هي العادة تكتفي بالشجب والإدانة.
مقر “الأونروا” في الشيخ جراح بالقدس بمكانته تمامًا مثل مقر الأمم المتحدة في جنيف أو نيويورك، فهو ليس فقط مبنى بجدران إسمنتية فحسب، بل هو قائم بناءً على قرار أممي صادر عن مجلس الأمن، وهو يمثل القانون الدولي والإرادة الأممية، لهذا فإن الاعتداء عليه يمثل الاعتداء على العالم، وعلى القانون الدولي والشرعية الدولية.
إن ما حدث بالأمس يشكل إهانة مباشرة وصريحة للأمم المتحدة والقانون الدولي، وتحديًا واضحًا للنظام العالمي ومؤسساته التي تخضع لسلطة دولية وفق قرارات مجلس الأمن، وكما شاهد العالم فإن عملية الهدم جاءت في وضح النهار وبحضور أعضاء من حكومة نتنياهو يتزعمهم بن غفير، الذي أبدى سعادته وهو يشاهد عمليات الهدم التي قامت بها جرافات الاحتلال، وهذا أمر مثير للاشمئزاز من ناحية، ومن ناحية أخرى فإنه يستدعي من الأمم المتحدة اتخاذ موقف سريع وقادر على رد الاعتبار على الأقل في المدى المنظور، وإلا فإن الشرعية الدولية مهددة برمتها بالسقوط أمام عقيدة القتل والإرهاب والتطرف.
إن الخطوة التي أقدم عليها الاحتلال بالأمس تأتي ضمن خطط طمس الحقوق الفلسطينية، وفي مقدمتها حق اللاجئين، وهي تتلاقى مع كل القرارات السابقة التي اتخذتها، ومن بينها قرار حظر المنظمة الدولية، وهذا منافٍ لقانون الأمم المتحدة، لكن صمت مجلس الأمن أو فشله في مواجهة تلك السياسات بفعل الفيتو الأمريكي، الذي شكّل غطاء حماية لمثل هذه السياسات العنصرية الضاربة بعرض الحائط القانون الدولي، وهذا الفيتو المنحاز جعل الاحتلال يرفع من وتيرة هجومه على الأونروا، ولا يزال يوفر الغطاء للاحتلال ويدفعه لارتكاب المزيد من الجرائم المنظمة بحق كل ما هو فلسطيني، وبحق كل مؤسسة داعمة أو هيئة أو لجنة دولية وأممية، الأمر الذي لم يحدث من قبل، وهو حدث خطير بكل أبعاده، لما له من اعتداء صادم ومباشر على المقر الأممي المحمي بموجب القانون الدولي ومواثيق الأمم المتحدة. فهل سيتحرك مجلس الأمن هذه المرة، ويتخذ خطوات فعلية وعملية على الأرض؟ أم سيصمت كما صمت في السابق أمام هدم المدارس والجامعات والمستشفيات في غزة؟
أقلام وأراء
الأربعاء 21 يناير 2026 9:59 صباحًا - بتوقيت القدس
في القدس، الحرب التي لا تتوقف
شوارع استيطانية، ومزيد من البؤر الاستيطانية، والمشاريع والمخططات الاستيطانية الكبرى: في جنوب المدينة يجري إنشاء حزام استيطاني جنوبي متكامل يمتد من مستوطنة "هار هاحوماه" (جبل أبو غنيم) إلى القناة السفلى لمستوطنات "جفعات همتوس" و"جفعات هتحموتس" و"جفعات هشاكيد"، وصولاً إلى مستوطنة "جيلو" وجبل جيلو. هذه المستوطنات تحاصر وتفكك وتستولي على مساحات واسعة من أراضي صور باهر وأم طوبا وبيت صفافا وشرفات والولجة وبيت جالا، وتعزل قرى جنوب غرب المدينة جغرافياً وديمغرافياً عن جنوب غرب الضفة الغربية ومحافظتي بيت لحم والخليل.
ومن بعد ذلك، يمتد التطويق الاستيطاني والعزل الجغرافي والديمغرافي نحو شمال المدينة لإغلاق بوابتها الشمالية نحو رام الله وشمال الضفة الغربية. وهناك ينتظر المشروع الاستيطاني الأضخم المقرر إقامته على أرض مطار القدس، الذي يفترض أن يكون أحد رموز السيادة الفلسطينية والدولة الفلسطينية، ويشمل (9000) تسعة آلاف وحدة استيطانية وساحات عامة ومرافق تجارية وكنائس ومدارس دينية.
ثم يتجه التطويق نحو شمال شرق المدينة، حيث تجري مصادرة أجزاء من أراضي حزما وجبع ومخماس لتوسيع الشوارع الاستيطانية حتى منطقة "عيون الحرامية"، والشرع في تنفيذ الشارع رقم (45) من أجل دمج البنية التحتية لتلك المستوطنات وتحويلها إلى ضواحٍ سكنية مرتبطة بمركز المدن الإسرائيلية. ومن المقرر أن يمتد ذلك الشارع من بوابة بلدة مخماس شرقاً حتى نفق حاجز قلنديا غرباً، بتكلفة تصل إلى 400 مليون شيكل، مما سيعزل ويحاصر الأحياء الفلسطينية، ويربط البؤر الاستيطانية مع بعضها البعض عبر طرق وشوارع استيطانية تسهل على المستوطنين الحركة وتختصر الوقت.
وقبل الانتقال إلى مناقشة المشروع الاستيطاني المنوي إقامته في مجمع "معاليه أدوميم" الاستيطاني بالمنطقة المسماة (E1)، لا بد من التطرق إلى المشروع الاستيطاني المسمى "نحلات شمعون"، الذي سيقام في قلب حي الشيخ جراح الغربي (جورة النقاع) على مساحة 17 دونماً، فوق أنقاض بيوت أربعين عائلة مقدسية. حيث سيقام مكانها (316) وحدة استيطانية تشطر الحي إلى شطرين، وتمتد نحو الحي الشرقي لتهويده والربط مع بيت وقصر المفتي الذي جرى الاستيلاء عليه، وصولاً إلى جبل المشارف لإقامة حزام استيطاني يعزل قرى شمال مدينة القدس عن قلبها، ملتقياً مع المشروع الاستيطاني "وادي السيلكون".
وبالانتقال إلى المشروع الاستيطاني المعروف باسم (E1)، والذي سيقام في منطقة شرق القدس ويضم (3401) وحدة استيطانية، نجد أنه يغلق البوابة الشرقية للمدينة جغرافياً وديمغرافياً، ويعمل على خلق تواصل بين مستوطنة "معاليه أدوميم" ومدينة القدس، مبتلعاً ما مساحته 3% من أراضي الضفة الغربية. كما يعزل تجمعات وادي الجمل وجبل البابا وبلدة العيزرية، ويهدد وجود 7000 آلاف مواطن من سكان التجمعات البدوية هناك، ناهيك عن أنه سيعمل على هدم ويهدد 43 منشأة ومسكناً لتوسيع الشوارع الاستيطانية. وكذلك يفصل شمال الضفة الغربية عن جنوبها، ويلغي أي إمكانية لقيام دولة فلسطينية.
هدم منازل وإخطارات بالهدم لا تتوقف، وطرد وتهجير لأحياء بكاملها في سلوان وحيي الشيخ جراح، و"أسرلة" للمنهاج والعملية التعليمية في القدس، وشطب للهوية والرواية والسردية الفلسطينية العربية، وتزوير للتاريخ، وطمس لمعالم المدينة التاريخية والتراثية والحضارية، وتغيير كلي لهويتها، واستهداف لأماكنها ومقدساتها الدينية. وفي المقدمة منها الأقصى السائر نحو التهويد وإقامة الهيكل الثالث المزعوم بدلاً من مسجد قبة الصخرة فيه، حيث يجري الدفع بقانون ما يعرف ب"تحقيق الهوية اليهودية في الفضاء العام" كتمهيد لهذا المخطط. وذلك بنزع القدسية عن ساحات الأقصى وتحويلها إلى أماكن بلدية عامة، حيث سيمنع حراس الأوقاف ودائرة الأوقاف من ملاحقة من يؤدون طقوسهم وشعائرهم الدينية في الأقصى من غير المسلمين. وبالتالي، فإن من يقوم بمنع المستوطنين من القيام بصلواتهم وطقوسهم الدينية والتلمودية في تلك الساحات سيتم ملاحقته قانونياً بالاعتقال والسجن والإبعاد عن الأقصى والبلدة القديمة، والتعرض لسلسلة من العقوبات اللا متناهية.
عزل للمدينة عن محيطها الفلسطيني جغرافياً وديمغرافياً من جنوبها إلى شمالها وحتى شرقها، ومشاريع استيطانية وآلاف الوحدات الاستيطانية تطوق المدينة وتشكل حواجز استيطانية كبرى تعزلها، وتحول الوجود العربي الفلسطيني فيها إلى جزر متناثرة في محيط "إسرائيلي" واسع. تطويق من الجنوب والشمال والشرق.
واستهداف للتعليم والعملية التعليمية والمنهاج الفلسطيني في المدينة، في إطار "أسرلة" العقول والسيطرة على الذاكرة الجمعية وشطبها، و"كيّ" الوعي وتطويعه و"صهره" و"تجريفه". ميزانيات وخطط خماسية (2018 – 2023) و (2024 – 2028) بمليارات الدولارات تُخصص من أجل ما يسمونه ردم الهوة الاقتصادية والاجتماعية بين سكان القدس بقسميها الشرقي والغربي، والعمل على توفير آلاف فرص العمل للسكان العرب.
ولكن الأهداف الحقيقية هي التهويد و"الأسرلة"، أو ما يسمونه نزع "التطرف والإرهاب". وقيود كبرى وعقوبات تلاحق المدارس والطواقم التعليمية في تلك المدارس، بما يشمل معاقبة المعلمين، وحرمان خريجي الجامعات الفلسطينية – مثل جامعات القدس وبيرزيت وبيت لحم والنجاح والعربية الأمريكية في جنين والخليل وغيرها – من التدريس في المدارس الحكومية التي تسيطر عليها بلدية القدس ودائرة المعارف العربية فيها. وكذلك سيسري هذا القرار على المدارس الخاصة التي تتلقى دعماً وميزانيات من بلدية القدس.
وهنا يصبح الاستهداف موجهاً نحو الجامعات الفلسطينية من أجل تفريغها من الطلبة القادمين من مدينة القدس والداخل الفلسطيني (أراضي 48)، وليصل الاستهداف إلى خريجي تلك الجامعات من الأطباء والممرضين، حيث تثار مطالبات بمنع تشغيلهم في المشافي الإسرائيلية. والحجج والذرائع هنا هي أن التعليم في تلك الجامعات يحتوي على مضامين تحريضية وكراهية وحقد وعدم اعتراف بوجود "إسرائيل"، ورواية وسردية تنكر حقها في الوجود.
اليوم في مدينة القدس وفي منطقة الشيخ جراح، جرى "هدم" الشرعية الدولية ودق آخر مسمار في "نعش" القانون الدولي، حيث جرى هدم المقر الرئيسي لوكالة الغوث واللاجئين "الأونروا"، الشاهد الأخلاقي والسياسي على الجريمة التي ارتكبتها دولة الاحتلال بحق شعبنا الفلسطيني (النكبة الفلسطينية)، والتي طردت وهدجرت أكثر من نصفه. الوزير المتطرف بن غفير شارك في عملية الهدم، وعبر في معرض حديثه عن السياسة الممنهجة والرسمية لدولة الاحتلال، حيث قال عن هدم مكاتب الأونروا بالقدس: "هذا يوم تاريخي، يوم عيد، ويوم بالغ الأهمية. لحكم القدس لسنوات طويلة، تواجد هؤلاء الداعمون للإرهاب هنا، واليوم يُطردون من هنا مع كل ما بنوه. هذا ما سيحدث لأي داعم للإرهاب".
دولة الاحتلال سبقت هدم مباني المقر الرئيسي لوكالة الغوث في الشيخ جراح وإنزال علمها ورفع علم دولة الاحتلال مكانه، بإغلاق مدارس وكالة الغوث واللاجئين الستة في مدينة القدس. فشطب الوكالة الدولية يعني شطباً لحق العودة الفلسطيني.
وسَبَق عملية هدم مباني الوكالة، قطع الكهرباء والماء عن مؤسسات الوكالة العشرة في مدينة القدس، وإغلاق عيادة الزاوية التابعة للوكالة في منطقة باب الساهرة.
هذا الاعتداء جاء في سياق تصعيد ممنهج ومتواصل ضد الأونروا. هذا التصعيد سبقته أشهر من المضايقات والانتهاكات التي طالت الوكالة، وشملت هجمات حرق متعمد خلال عام 2024، ومظاهرات تحريض وترهيب، وحملة تضليل إعلامي واسعة، إلى جانب تشريعات مناهضة للأونروا أقرها الاحتلال الإسرائيلي في انتهاك واضح لالتزاماته الدولية، ما أدى إلى إجبار موظفي الوكالة على إخلاء المجمع مطلع العام الماضي، فضلاً عن مصادرة أثاث ومعدات تكنولوجيا معلومات وممتلكات أخرى.
هي الحرب المستمرة والمتواصلة على المقدسيين، والتي تطالهم في كل مناحي حياتهم، حتى في تفاصيلها اليومية الاجتماعية والاقتصادية. هي حرب بلا هوادة، وبلا كوابح أو ضوابط.
أقلام وأراء
الأربعاء 21 يناير 2026 9:57 صباحًا - بتوقيت القدس
هل نحن مستعدون لتعليم "جيل الزجاج"؟
بقلم: روان عديله جواريش
باحثة دكتوراة في الإدارة التربوية
في أحد الفصول الدراسية، يقف معلم مخضرم أمام ثلاثين طالباً يحاول شرح قصة أدبية كلاسيكية، لكن معظمهم يحملون هواتفهم الذكية تحت الطاولة. وعندما يسأل أحد الطلاب: “لماذا نقرأ هذا الكتاب؟ يمكنني أن أجد ملخصه على يوتيوب في دقيقة واحدة”، يدرك المعلم أنه يواجه أزمة أعمق من مجرد نقص الاهتمام.
هذا المشهد ليس استثناءً بل واقع يتكرر يومياً في آلاف الفصول حول العالم. إنه تعبير عن صدع حقيقي في الطريقة التي ننظر بها إلى المعرفة ذاتها. فكيف يمكن لمعلم قضى عقوداً في بناء خبرته التعليمية أن يتواصل مع طالب وُلد في عالم تتدفق فيه المعلومات بلا توقف، وحيث التكنولوجيا ليست أداة بل امتداد طبيعي للحياة؟
لفهم هذا الصراع، يجب أن نفرق بين جيلين رئيسيين في فصولنا اليوم. الجيل Z (مواليد 1997-2012) نشأ مع الإنترنت، لكنه لا يزال يتذكر عالماً ما قبل الهواتف الذكية. يتميز بالقدرة على التنقل السريع بين المهام المتعددة ويفضل التواصل عبر الصور والرسائل النصية.
أما الجيل ألفا (مواليد 2010 فصاعداً)، فيُطلق عليه “جيل الزجاج” لأنه لم يعرف عالماً بدون شاشات تعمل باللمس. بالنسبة لهم، الشاشة ليست حاجزاً بينهم وبين العالم، بل هي النافذة الطبيعية والوحيدة إليه. يتوقعون أن يكون كل شيء مخصصاً لهم، تفاعلياً، وممتعاً.
هذا الاختلاف الجذري يخلق توقعات متباينة في الفصل الدراسي. المعلم، الذي نشأ في عالم منظم وخطي، يرى أن التعليم يجب أن يكون جاداً ومنظماً. الطالب، من جانبه، يرى أن التعليم يجب أن يكون ديناميكياً وتفاعلياً وممتعاً. والمفارقة أن كليهما على حق من وجهة نظره.
لم يعد المعلم هو المصدر الأوحد للمعرفة والسلطة. في ثوانٍ، يمكن للطالب الوصول إلى أي معلومة. هذا التحول يثير قلقاً وجودياً حقيقياً: ما هو دوري الآن؟
المشكلة لا تكمن فقط في نقص المهارات الرقمية لدى بعض المعلمين. الأزمة أعمق من ذلك وتتمثل في ثلاث تحديات رئيسية.
أولاً: فجوة التواصل. يتحدث المعلم بطريقة خطية ومنظمة، بينما يفكر الطالب بطريقة غير خطية، قافزاً بين الأفكار. هذا يخلق سوء فهم حقيقي وشعوراً بالملل لدى الطالب، وإحساساً بالإحباط لدى المعلم.
ثانياً: التحول في دور المعلم. لم يعد المعلم “خبيراً” يلقن المعرفة، بل أصبح دوره أقرب إلى “المرشد” أو “الميسر” الذي يساعد الطلاب على اكتشاف شغفهم وتطوير مهاراتهم النقدية وفهم كيفية التعامل مع بحر المعلومات المتلاطم.
ثالثاً: التأثيرات النفسية للتكنولوجيا. يجب ألا نتجاهل تأثير الاتصال الدائم على الطلاب: قصر مدى الانتباه، والحاجة المستمرة للتحفيز الفوري، وتراجع مهارات التواصل المباشر، والقلق الناجم عن المقارنة المستمرة مع الآخرين على وسائل التواصل الاجتماعي.
تم اقتراح العديد من الحلول، مثل “الفصل المقلوب” أو برامج التطوير المهني للمعلمين. لكن معظمها يركز على الأدوات والتقنيات بدلاً من معالجة جوهر المشكلة. تدريب المعلم على استخدام برنامج جديد لا يكفي. ما نحتاجه هو تطوير يمكنه من فهم سيكولوجية الأجيال الجديدة وبناء علاقات حقيقية مع الطلاب.
الحل لا يكمن في شراء المزيد من الأجهزة أو تطبيق برامج جديدة، بل في قيادة تربوية حقيقية تفهم التحديات وتستمع للمعلمين والطلاب. يجب أن تتغير السياسات التعليمية لتركز على جودة العلاقات والتفاعلات بدلاً من الدرجات والامتحانات، وأن تسمح بالمرونة والتنوع بدلاً من توحيد الطرق التعليمية.
وهنا يبرز دور الذكاء الاصطناعي ليس كبديل للمعلم، بل كأداة قوية يمكنها أن تحرره من المهام الروتينية ليتفرغ لدوره الأهم: بناء شخصية الطالب وتطوير مهاراته في التفكير النقدي وإلهامه ليكون أفضل نسخة من نفسه.
الفجوة بين الأجيال في التعليم ليست مشكلة تحتاج إلى حل سريع، بل هي ظاهرة طبيعية في عالم يتغير بسرعة. المطلوب هو أن يتحرك الجميع: المعلمون والطلاب والإدارات التربوية.
التعليم في جوهره ليس مجرد نقل للمعرفة، بل هو بناء علاقات إنسانية حقيقية تسمح لكل شخص بالنمو والتطور. وهذا الجوهر لن يتغير، بغض النظر عن تغير التكنولوجيا أو الأجيال..




